عفرين... «انتهاكات» تطال البشر والشجر وتغيير في التركيبة

ترصد الواقعين الإنساني والاقتصادي في المدينة ذات الغالبية الكردية شمال سوريا

اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
TT

عفرين... «انتهاكات» تطال البشر والشجر وتغيير في التركيبة

اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)

في مارس (آذار) 2018، سيطر الجيش التركي وفصائل سورية معارضة على مدينة عفرين شمال حلب ذات الغالبية الكردية، ومنذ ذلك الحين تحدثت منظمات دولية وحقوقية عن تردّي الأوضاع الأمنية والإنسانية في هذا الجزء من سوريا.
وعلى أثر العملية العسكرية، نزح ما يزيد على نصف سكان المدينة البالغ عددهم قبل الحملة نحو نصف مليون شخص، وتمركزوا في مخيمات بمناطق الشهباء في ريف حلب الشمالي على بُعد عشرات الكيلومترات من منازلهم، ليحلّ مكانهم نازحون من بلدات الغوطة الشرقية لدمشق ومدن حمص وحماة وحلب، وغيرها من سكان المناطق التي استعادتها القوات النظامية من الفصائل المعارضة، وأجبروا على ترك مناطقهم وفق اتفاق مسار «آستانة» والدول الضامنة، روسيا وتركيا وإيران.
وعلى مدى الأيام الماضية، تواصلت «الشرق الأوسط» مع سكان مدنيين ونشطاء ومعارضين من داخل عفرين، إلى جانب شخصيات تركت مسقط رأسها، وقصدت دول الجوار، أو لجأت إلى دول أوروبية، لكنهم يحتفظون بيوميات حول طبيعة الحياة في ظل انتشار الجيش التركي وفصائل موالية له، كما تحدثت مع نازحين من حمص وغوطة دمشق لسماع وجهة نظرهم، وقامت بحجب الأسماء وبعض تفاصيل الحياة وأعادت نشرها، حفاظاً على سلامة الأشخاص الذين شاركوا في التحقيق.

- تغيير التركيبة السكانية
«كل شيء في عفرين تغير بعد 18 مارس (آذار) 2018... فرضوا واقعاً ولم يعد بإمكاني التكلم بلغتي الكردية، لأنها كافية لتكون تهمة»، بهذه الكلمات بدأت فتاة شابة من داخل مدينة عفرين تسرد وقائع حياتها الجديدة بعد دخول الجيش التركي والفصائل، وعند الحديث معها عبر خدمة تطبيق «واتس آب»، كان بالإمكان سماع أصوات طلقات رصاص وصيحات مرتفعة، وعند سؤالها عما يجري بالقرب منها، قالت: «مشاهد الاشتباكات أصبحت جزءاً من حياتنا، والفلتان الأمني سيد الموقف، زادت حالات السرقة وعمليات الخطف والقتل، التي تركت خوفاً وأثراً عميقاً في نفوسنا».
وأطلقت تركيا والفصائل عملية «غصن الزيتون» في 18 يناير (كانون الثاني) 2018، وسيطرت على مدينة عفرين في مارس (آذار) بالعام نفسه، وانتزعت مركز المدينة ونواحيها من قبضة «وحدات حماية الشعب» الكردية، ويدور حديث بين مَن تبقى من أكراد عفرين، حول ما سموه بـ«تتريك» المنطقة ومحاولات تركيا الحثيثة لطمس هوية سكانها الكردية، وتغيير تركيبتها الديمغرافية وتغيير أسماء الساحات العامة والشوارع والقرى، وإطلاق أسماء تركية وعربية عليها، كما وقعت حوادث طالت المواقع الثقافية والأثرية والدينية الخاصة بالأكراد، بالإضافة إلى إجبار السكان على حمل بطاقات هوية تركية، والتعامل بالليرة التركية.
وذكرت الفتاة أنّ غالبية سكان المدينة حُرموا من الاحتفال بعيد نوروز الكردي، الذي يصادف 21 مارس (آذار) من كل عام، بسبب الإجراءات والقيود التي تفرضها الجماعات المسلحة في مسقط رأسها، وأضافت قائلة: «من طقوس العيد ارتداء الأزياء الفلكلورية، التي تتميز بألوانها الزاهية وتكون فضفاضة، لكن لم تجرؤ أي فتاة على الخروج من منزلها، وفضّلت البقاء على أن تسمع كلاماً بذيئاً وسيئاً بحقها».
وبات بالإمكان مشاهدة السيارات العسكرية والجنود الأتراك وهم يتسوقون في شوارع المدينة، وبحسب شهادات من داخل عفرين، فإن كلّ ركن فيها يذكرهم بجارتهم تركيا، من مستشفيات بتمويل تركي إلى المدارس التي أصبحت تدرّس اللغة التركية إلى جانب العربية، كما كتبت اللوحات المرفوعة على واجهات المؤسسات والدوائر الرسمية بالتركية والعربية، وصولاً إلى انتشار شركات الكهرباء والبريد والصيرفة التركية، في إشارة للهيمنة التركية على تلك البقعة الجغرافية من سوريا.
واعتبر مواطن كردي يتحدر من عفرين، فضَّل البقاء في مدينته على النزوح واللجوء، أن انتشار الأعلام التركية ورايات الفصائل «تشعرك بأنك غريب عن أرضك وبلدك؛ فمنذ تاريخ دخولها اختلفت الوجوه والمظاهر والنفوس، ولم يبقَ شيء على حاله، لم يبقَ شيء يدلّك على أنك بعفرين». وكتب رسالة بخط يده يقول فيها: «كل ما يجري ويحدث بعفرين بعلم الجنود الأتراك وأمام أعينهم، حيث تم تقديم آلاف الشكاوى ضد ممارسات الفصائل إلى نقاط المراقبة التركية والمجلس المحلي، دون جدوى».
ويروي ناشط مدني شاب يتحدر من ناحية راجو بعفرين، وكان يقيم في مدينة غازي عنتاب التركية، أن اتصالاً في أغسطس (آب)، العام الماضي، غيّر مسار حياته، وأجبره على السفر عبر طرق التهريب، وركوب البحر، حيث أن تلقى اتصالاً من شعبة الأجانب بعنتاب تطلب منه فيه مراجعة الدائرة، وعند ذهابه كان ينتظره محققان يتساءلان عن رأيه في دخول الجيش التركي لمدينته (عفرين)، وقال: «رغم كل محاولاتي بالتهرُّب من الإجابة المباشرة، فإنهم طلبوا مني تجهيز حقائبي للعودة إلى بلدي بشكل طوعي، لأنها أصبحت آمنة».
لكنه اختار اللجوء إلى أوروبا على البقاء في تركيا، أو العودة إلى عفرين التي باتت خاضعة للسلطة التركية، ولا يعلم ما إذا كان سيعود مرة ثانية إلى بلده أو البقاء في المهجر، ليزيد: «ما يحدث بعفرين ترك أثراً بالغاً في نفسي، وتسبب لي ولعائلتي بانتكاسة حقيقية وإعادة صياغة العلاقة مع إخوتنا العرب، لا أقول الجميع، ولكن على الأقل مَن احتلوا مدينتي».

- حديقة خلفية لتركيا
منذ بداية النزاع في ربيع 2011، مدَّت تركيا يد العون للمعارضة المسلحة، وباتت اليوم تُعد أبرز داعميها، وعلى مرّ السنوات تطور الوجود التركي في سوريا، وبات نفوذها يمتد من مدينة جرابلس في أقصى ريف حلب الشمالي الشرقي، مروراً بمدينة أعزاز شمال حلب، وصولاً إلى عفرين، وتنتشر في هذا الجيب الملاصق لحدودها الجنوبية شرطة محلية مدعومة ومدرّبة من تركيا، ووجدت المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة التركية، خلال العام الماضي، موطئ قدم لها في هذه المنطقة الآمنة نسبياً ضمن مناطق خفض التصعيد بالشمال السوري، وتحولت إلى حديقة خلفية استثمارية لتركيا، حيث تحولت أشجار الزيتون التي يتجاوز عددها في عفرين 18 مليون شجرة إلى مصدر دخل لفصائل معارضة، وهذه السهول الخصبة وجبالها هي الأرض التي تنتج أحد أفضل أنواع زيت الزيتون في سوريا، وكانت تمثل 70 في المائة من دخل أبناء المنطقة ذات الغالبية الكردية.
واتهم ناشط إعلامي من مدينة عفرين، نزح قبل عام وأربعة أشهر وقصد مدينة كوباني (عين العرب) ليكون قريباً منها، عناصر مسلحة أقدمت على إحراق 300 شجرة لوز كان يمتلكها والده وعائلته، وبحسب خبراء اقتصاديين ونشطاء حقوقيين وثَّقوا الأشجار التي تعرضت للقطع والحرق، فقد وصل عددها لأكثر من 120 ألف شجرة. ويقول الناشط: «كل مواطن من عفرين مرتبط بشجرته كارتباطه بالحياة، اليوم نشاهد ونسمع كيف يقطعون ويحرقون مئات الأشجار... لماذا كل هذه الجرائم؟! احتلوا أرضنا ويحرقون ممتلكاتنا».
في حين يمنع الجنود الأتراك إخراج الزيت من المنطقة، مما أدى إلى تدهور الأسعار، إلى درجة أن سعر صفيحة الزيت (16 لتراً) يبلغ اليوم في عفرين 15 ألف ليرة سورية، ما يعادل نحو 25 دولاراً، بينما يتجاوز سعرها الضعف في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية، وبحسب مصادر كردية، تُقدر خسائر الموسم بما يقارب 105 ملايين دولار.
واتهمت المعارضة التركية الجماعات المسلحة في عفرين بتهريب 50 ألف طن من زيت الزيتون من عفرين إلى الأسواق التركية، الأمر الذي أثر على الإنتاج المحلي في بلدهم، ولم يكتفِ المسلحون بتهريب زيت الزيتون، بل قاموا بتدمير حقول الزيتون أيضاً.
ويقول مزارع من ناحية بلبلة إن الإدارات التي شكَّلَتها تركيا في عفرين وبلداتها «فرضت اقتطاع نسبة تتراوح ما بين 10 و20 في المائة من محصول الفلاحين من زيت الزيتون، مقابل السماح لهم بقطف حقولهم التي يملكونها».
فيما فرضت كل جماعة مسلحة ما تشاء من إتاوات على المزارعين، وفي أحيان كثيرة تقوم بسرقة المحصول من الفلاحين بقوة السلاح، ولم تكتفِ بذلك، حيث قام مسلحون بقطع آلاف أشجار الزيتون وبيعها حطباً في تركيا بهدف الكسب المادي.
وعبر مزارع ثانٍ من إحدى قرى راجو، ويمتلك مئات من أشجار العنب والزيتون، بأن موسم بيع أوراق العنب عادة في كل عام كان مربحاً نظراً لخير الشجرة، إذ كان يُباع سعر الكيلو الواحد بـ1500 ليرة (ما يعادل 3 دولارات أميركية) لكن الفصائل المسيطرة على القرية طلبت منه بيع المحصول بمبلغ 300 ليرة، نحو نصف دولار، لصالح عناصر فصيل يتبع «فيلق الشام»، واليوم ينتظر ذلك المزارع بيع موسع العنب والفاكهة الصيفية، ليقول: «لكن مع وجود هؤلاء الغرباء سيكون كباقي المواسم... خسارة بخسارة».
وتعمل مجموعة من النشطاء والمحامين على توثيق حالات الانتهاكات التي تحدث في عفرين، ويكون ضحاياها مدنيين أبرياء، ومن بين هؤلاء معارض كردي يقيم في مدينة حلب الخاضعة للنظام الحاكم بسوريا، وفي حديثه قال: «طالهم الخطف والقتل العمد والعشوائي، ليصل إلى درجة المعاملة المهينة والتعذيب، يُضاف إليها سرقة الممتلكات ومصادرة المحاصيل الزراعية والاستيلاء بالقوة على جزءٍ كبير منها».

- 1100 حالة خطف
سجلت منظمات سورية حقوقية ودولية إنسانية استمرار عمليات الاختطاف والاختفاء القسري والاعتقالات، وتصدر بيانات وتقارير عن هذه التجاوزات، وتابع السياسي الكردي حديثه برسالة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يقول فيها: «هناك صعوبة بالغة في إجراء إحصاءات دقيقة للانتهاكات الجارية بعفرين، نظراً للحصار المفروض على المنطقة، وخوف ضحايا الانتهاكات والجرائم من الحديث عنها تفادياً لعقوبات أشد»، وبحسب تقديرات المجموعة سجلت أكثر من خمسة آلاف حالة خطف واعتقال «منها أكثر من 1100 مجهولي المصير حتى تاريخه، ووثقنا قائمة بأسماء 67 ضحايا مدنيين قُتلوا بظروف مختلفة، تحت التعذيب أو بالرصاص الحي، أما الآخرون، فأُفرج عنهم مقابل رشى مادية».
وقبل معركة عفرين، طالبت تركيا مراراً بانسحاب «وحدات حماية الشعب» من المناطق الواقعة شرق وغرب نهر الفرات، حيث تخشى من قيام حكم ذاتي قد يحصلون عليه في بلد يشهد نزاعاً دموياً منذ 8 سنوات، الأمر الذي سيدفع أبناء جلدتهم (أكراد تركيا) للمطالبة بالمثل، إذ تتهم الحكومة التركية هذه القوة الكردية بالارتباط بـ«حزب العمال الكردستاني» المحظور لديها، والأخير يخوض تمرداً مسلحاً منذ 4 عقود، بهدف نيل الأكراد استقلالهم، جنوب شرقي تركيا، في وقت تنفي فيه قيادة الوحدات أي صلة بحزب العمال، وهو ما تؤكده الولايات المتحدة التي تدعم الوحدات.
وقال شخص يسكن في مركز المدينة تعرض للاعتقال، وبقي شهرين بالسجن: «اعتقلوني ونقلوني بين عدة سجون، تركزت جميع أسئلتهم على أنشطتي في وسائل التواصل الاجتماعي، واتهموني بالانتماء إلى (الوحدات) و(حزب الاتحاد)، وكتابة تقارير عن الانتهاكات التي ترتكبها الفصائل».
وأردف قائلاً: «كان السجَّان والمحققون يضربون ويعذبون المعتقلين من باب اللهو والتسلية ليس إلا، وفي الليل كانت صرخات الرجال تتردد أصداؤها في أرجاء المبنى، وأطلقوا سراحي دون أن أمثل أمام قاضٍ»، وأكد أنه كان قد فقد الأمل بالخروج، مضيفاً: «كنت أشعر أنني لن أخرج من هذا المكان أبداً».
وشكلت مجموعة من الإعلاميين والنشطاء يتحدرون من عفرين، غرفاً مغلقة عبر صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي، للتواصل وتوثيق الانتهاكات الحاصلة في مسقط رأسهم، من خلال نشرات الأخبار ومقاطع الفيديو وصور فوتوغرافية انتشرت كالنار في الهشيم، بداية من السيطرة على عفرين، لدى أبرز الجهات الإعلامية المحلية، ومنها إلى الإعلام الغربي والعالمي، وصفحة Afrin media center، وغلافها أشجار الزيتون التي تشتهر بها مدينة عفرين.
تروي «أدمن» الصفحة، وتتحدر من عفرين، أنها خرجت أواخر 2016 بعد أحكام «جبهة النصرة» سابقاً (هيئة تحرير الشام) قبضتها على ريف حلب الشمالي ومدينة إدلب المتاخمة لحدود مدينتها، التي كانت تشهد اشتباكات متقطعة بين الحين والآخر، الأمر الذي دفعها للجوء إلى دولة أوروبية، وهي مقيمة هناك.
وبحسب منشورات الصفحة، تأتي عمليات الخطف في قمة الهرم بدافع الفدية، ونشر أخبار متعلقة بالاعتقال والقتل والحوادث اليومية، وتقول الناشطة: «ننشر جميع حالات الانتهاكات، ونوثّق بنسبة 70 في المائة مما يحدث في عفرين، والكثير من الحالات لا يمكن نشرها، إما بسبب الخوف من أصحابها أو حرصاً على سلامة من كان ضحية»، وذكرت «أدمن الصفحة» أنّ هذه الحالات مؤرشَفة على شكل ملفات مدعومة بالشهادات والصورة والفيديوهات، وتُرسَل بشكل دوري إلى المنظمات الإنسانية والمراكز الحقوقية والدولية، وتضيف: «بعد احتلال عفرين زاد خطاب الكراهية والحقد بين أهل المدينة والعسكر من جهة، والوافدين الجدّد من جهة ثانية»، ووصفت المشهد بـ«المؤلم والقاتم»، وعندما «تشاهد غرباء يستوطنون أرضك وممتلكاتك، فمن المستحيل أن أفكر بالعودة، لأنني لا أريد العيش مع ذلك الظلام».

- مهجرون ونازحون
بعد اقتحام عفرين قامت الفصائل بكسر تمثال كاوى الحداد، ويُعدّ رمز الحرية وشعلة عيد نوروز القومي الكردي، الذي كان يتصدر ميدان راجو، شمال غربي عفرين، وحل محله مجسَّم ملون بالعلَمَين التركي والسوري الحر، وتغير اسمها ليصبح «دوار صلاح الدين»، وكُتِب باللغتين التركية والعربية.
وتداول نشطاء أكراد قبل أيام على منصات التواصل الاجتماعي صورة لهوية سيدة كردية من عفرين تدعى «كردستان حسن»، مرفقة بصورة ثانية لبطاقة التعريف التي منحها المجلس المحلي في عفرين، وقد قاموا بتغيير اسم السيدة من «كردستان» إلى «كلستان» كون السجلات الشخصية في عفرين مرتبطة بالحكومة التركيّة التي تحظر تداول «كردستان» ضمن سجلاتها الرسمية، كما ظهرت «كردستان» في صورة هويتها الشخصية الجديدة مرتدية الحِجاب، رغم أنّها لم تكن قد ارتدته في صورتها الموجودة على الهوية السورية.
بدورها أكدت أدمن صفحة Afrin media center أن حالة كردستان حسن ليست الوحيدة التي استبدال اسمها على بطاقة التعريف، «فكثير من الحالات لا تصل إلى الإعلام نتيجة التعتيم الكبير المفروض على الداخل، والترهيب الممارَس بحقّ أهالي المنطقة من الكرد بهدف دفعهم للهرب واستكمال مخطّط التغيير الديمغرافي».
وتوزّعت فصائل الجيش الوطني المنتشرة في عفرين على أربعة فيالق، وهي: «الجيش الوطني»، و«فيلق الشام»، و«فيلق الرحمن»، أما «فيلق السلطان مراد»، فاستوعب جميع الفصائل، بمن فيها عناصر «جيش الإسلام» المهجرون من الغوطة الشرقية.
وبعد انهيار مناطق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية في أبريل (نيسان) 2018، وريف حمص الشمالي، وتهجير الفصائل إلى ريف حلب الشمالي، وجدت تركيا الفرصة سانحة لتوطين المهجّرين في منطقة عفرين بحجّة أنهم طُرِدوا من بيوتهم، وتعارضت شهادات المهجّرين، إذ قال بعضهم إنهم تلقّوا معاملة حسنة في عفرين من قبل القوات التركية والجيش الوطني، فيما قال آخرون إنهم عومِلوا بشكل سيّئ في منطقة الباب من أجل تشجيعهم على الانتقال إلى عفرين، وقد بلغ عدد المهجّرين والنازحين إلى عفرين نحو 88 ألفاً.
ويقول ناشط كردي يتحدر من عفرين، وهو لاجئ اليوم في إقليم كردستان العراق، إنّ الجهات السورية المعارضة، التي كانت تعمل على فضح انتهاكات النظام وممارساته خلال الأعوام الماضية، «هي حالياً وبكل بساطة تتستر على الجرائم التي تقع يومياً في عفرين، وتحولت إلى واجهة إعلامية للفصائل المسلحة التي ترتكب تلك الفظائع، وتضفي شرعية للوجود التركي هناك». وتابع: «أحد أصدقائي مهجّر بعفرين، شرح لي أن ما يحصل هنا يحدث في غير مناطق سوريا... أشعر وكأنها محاولة طمس الحقائق، وتوطين أناس من خارج المنطقة».
وأوضح نازح من مدينة حمص أنه، وبعد وصوله إلى عفرين أواخر يونيو (حزيران) 2018، كان المسلحون قد نهبوا وسرقوا وأساءوا إلى معظم الأهالي بحجة أن كل كردي متهم بانتسابه لحزب الاتحاد الديمقراطي أو «الوحدات الكردية» التي كانت تسيطر سابقاً على عفرين، ليقول: «أغلب العناصر جاءت من خلفيات إسلامية متشدّدة وانضموا للجيش الوطني، عندما كانوا يشاهدون فتاة أو سيدة تلبس (سبور) وألواناً زاهية، فإنهم يفرغون كل أمراضهم وحقدهم عليها».
ورفض النازح السكن في منزل مهجور أو الاقتراب من الممتلكات الخاصة عائدة لأهل عفرين، مشيراً: «شرحت وضعي لمواطن من عفرين وعرف أني من حمص ورحب بي وأجَّر لي منزله بسعر مقبول، وتجاوز الحساسية التي ارتكبتها الفصائل المسلحة».
أما نازح ثانٍ من الغوطة الشرقية، وبعد وصوله إلى ناحية بلبلة، قرر البحث عن صاحب المنزل الذي سكن فيه، لأن الفصيل المسلح المسيطر على تلك المنطقة قام بانتهاكات، وقال: «بحثت حتى وجدت رقم هاتفه واتصلت به، قلتُ: لن أسكن في المنزل دون موافقتك، وسأدفع إيجاراً، أو أي شيء يضمن حقوقه، وقلت له إن هذه الأملاك بأمانتنا». واتهم النازح جماعات مسلحة بأنها ارتكبت كثيراً من الانتهاكات، من بينها «الفرقة 55»، و«الجبهة الشامية»، و«فيلق الشام»، و«السلطان مراد»، و«أحرار الشرقية»، والأخيرة، بحسب سكان عفرين ونازحين سكنوا فيها، ارتكبت جرائم وفظائع خطيرة.

- كُتل خرسانية
عمدت الجماعات إلى مصادرة الممتلكات والمحال التجارية في عفرين، وقال نازحون من عفرين يقطنون في مخيمات الشهباء المجاورة، إن أقاربهم وجيرانهم ممن بقوا أخبروهم بأن منازلهم قد أصبحت مقارّ عسكرية للجماعات المسلحة الموالية لتركيا، أو سكناً تعيش فيه عائلات نازحة.
وقالت سيدة عفرينية تسكن في مخيم العودة بناحية شيراوا في منطقة الشهباء، إن جماعة «فيلق الشام» صادرت منزلها بمنطقة جنديرس: «قال لي جاري إن منزلي تمت مصادرته، وأرسل إليَّ صوراً يظهر فيها بوضوح اسم (فيلق الشام) مكتوباً على جدار مدخل البيت»، وأثناء الحديث معها عبر الهاتف، كان بالإمكان سماع صوت بكائها لشدة حزنها، لتضيف: «المسلحون قطعوا أشجار الزيتون وعبثوا بأشجار الورد في منزلي، أخشى أن أموت هنا بعيدة عن منزلي وأهلي، ويبقى هؤلاء الغرباء يعبثون بممتلكاتنا».
وينفذ الجيش التركي منذ أشهر عمليات هدم وجرف واسعة النطاق لمنازل وأملاك المدنيين في قرى جلبل وكيمار، بهدف استكمال أعمال بناء جدار إسمنتي لعزل مدينة عفرين عن محطيها السوري، وبحسب سكان المنطقة انتهت من بناء أكثر من ألف متر بالقرب من قرية كيمار، وتشمل الخطة بناء نحو 70 كيلومتراً من الجدار بكتل إسمنتية خرسانية بالمنطقة داخل الأراضي السورية، تمتد من جبل سمعان وقرى مريمين شمالاً إلى كيمار جنوباً، مروراً ببلدة جلبل في الجنوب الغربي، وربطها بأبراج مراقبة مع نقاط عسكرية عائدة للجيش التركي.
أما مزارع آخر من عفرين يتحدر من قرية دير مشمش التابعة لناحية شيراوا، التي باتت اليوم خاضعة لسيطرة فصائل «درع الزيتون»، فيشرح كيف نزح قبل عام وأربعة أشهر رفقة أسرته بعد دخول الجيش التركي، قاصداً أقرباءه الساكنين في قرية صوغانكه المواجهة لمسقط رأسه، وقال إنه يذهب يومياً إلى الحدود الفاصلة بين قريته ومكان إقامته الجديد، ليقول: «على بُعد أمتار أشاهد بحرقة أشجار الزيتون الخضراء، يخالجني شعور حزن عميق، فبسبب تركيا وفصائلها وهذه الحرب لا أستطيع الذهاب إلى حقلي وممتلكاتي».



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.