عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

قراءة في التحديات التي تواجه رئيس الحكومة العراقية

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني
TT

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

رغم أن منصب رئيس الوزراء في العراق هو المنصب التنفيذي الأول الذي يكاد يحصر معظم الصلاحيات والسلطات بيده، فإنه لا يتمنى أحد من الساسة الناشطين في الساحة العراقية أن يكون بديلاً لرئيس الوزراء الحالي، عادل عبد المهدي. والجدير بالذكر أن هذا المنصب، الذي هو موضع اهتمام كل القوى السياسية، قاتل كثير منها من أجل إما الاستحواذ عليه عن طريق حصره بمرشحيها (خصوصاً، الكتل الشيعية التي تحتكر المنصب طبقاً لمبدأ المُحاصصة المعمول به في العراق بعد عام 2003، مع أنه غير منصوص عليه في الدستور)، أو المجيء بأشخاص لا يخرجون عن إرادة هذا الطرف أو ذاك داخل هذه الكتل.
لقد سعت الكتل السياسية الشيعية بكل قوة لإنهاء هيمنة حزب «الدعوة» على منصب رئيس الوزراء الذي تولاه ثلاثة من قياديي «الدعوة» من بين خمسة رؤساء وزراء في العراق هم: الدكتور إبراهيم الجعفري (2005 - 2006)، ونوري المالكي (2006 - 2014)، والدكتور حيدر العبادي (2014 - 2018)، في حين تولى اثنان (من الشيعة أيضاً) منصب رئيس الوزراء بعد التغيير، هما الدكتور إياد علاوي رئيس الوزراء الانتقالي (2004 - 2005)، والآن عادل عبد المهدي، القيادي القديم في المجلس الأعلى الإسلامي، الذي تولى المنصب أواخر العام الماضي، لدورة من أربع سنوات.
غير أن دورة عبد المهدي تكاد تنصرم سنة منها بعد شهور (نال الثقة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2018) ولم تكتمل حتى لحظة كتابة هذه السطور حكومته التي كانت حتى قبل أقل من أسبوعين «ناقصة» أربع حقائب، اكتمل منها ثلاث أخيراً، هي الدفاع والداخلية والعدل، بينما بقيت حقيبة التربية شاغرة.

حكومة ناقصة... تربية
بالمناسبة، لأن العراقيين أصحاب نكتة حتى في الظروف الصعبة، بعد فشل البرلمان في تمرير المرشحة الرابعة لمنصب وزير التربية أطلق المغردون العراقيون «هاشتاغ» على وسائل التواصل الاجتماعي بقدر ما هو مليء بالسخرية، فإنه يعبر عن مرارة ما يجري... هو «حكومتنا ناقصة تربية».
غير أن الأمر لم يعد يقتصر على التربية، سواء كانت حقيبة أم سلوكاً اجتماعياً. والعراق يعاني منذ فترة غير قصيرة من أزمات ومشاكل، من ضمنها أزمة كل موسم صيف، ألا وهي المظاهرات، لا سيما في مدن ومحافظات الجنوب، وفي مقدمتها البصرة. هذه المظاهرات تجعل مهمة مَن يتولى منصب رئيس الوزراء في بلد مثل العراق أشبه بمن ينفذ عملية انتحارية. ومن ثم فعبد المهدي، الذي شكّل حكومة خارج نطاق الكتلة البرلمانية الأكبر في مخالفة صريحة للدستور، يجد نفسه اليوم وحيداً ومفتقراً للدعم البرلماني المباشر بلا ثمن.
عبد المهدي جاء من خارج قبة البرلمان، بمعنى أنه ليست لديه كتلة داخل البرلمان هي التي رشحته، وتتولى دعمه، والدفاع عنه. أيضاً الرجل جاء بنتيجة توافقٍ هشّ بين تحالفي «الإصلاح» و«البناء». وبالتالي، جرى اختزال هذا التوافق إلى كتلة «سائرون» التي يدعمها السيد مقتدى الصدر التي هي جزء من تحالف «الإصلاح»، وكتلة «الفتح» التي يتزعمها هادي العامري ضمن تحالف «البناء». ولكن، اليوم، بعد أكثر من ثمانية شهور يواجه رئيس الحكومة المطبات التالية:
أولاً: تعذّر اكتمال الحكومة بكل أركانها (وزارة التربية نموذجاً)، وهو ما يعني الإخلال في تطبيق البرنامج الحكومي الذي وعد العراقيين بتطبيقه خلال فترة حكمه التي تدوم في العادة 4 سنوات، طبقاً للنظام الانتخابي في العراق.
ثانياً: العجز عن البت بملف الوكالات التي تُدار بموجبها الدولة العراقية منذ 16 سنة. ففي حين ألزم البرلمان العراقي نفسه طبقاً لقانون الموازنة بالانتهاء من ملف إدارة الدولة بالوكالة حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي، فإنه اضطر إلى إعادة النظر بالفقرة وتعديلها بما يمدد المهلة إلى بضعة شهور تالية. وهو ما يعني أن الحكومة، على صعيد الدرجات الخاصة، مثل الوكالات والهيئات والمديريات العامة، ما زالت «عرجاء».
ثالثاً: أزمة المظاهرات الصيفية بسبب سوء الخدمات مثل الماء والكهرباء. هذه الأزمة تتفجر بدءاً من الشهر السابع، يوليو (تموز)، وتستمر حتى أوائل الشهر العاشر، أكتوبر (تشرين الأول)، حين يتحسن الجو، وتنتهي تلقائياً أزمة الكهرباء... التي تحوّلت إلى معضلة، في بلد موازنته السنوية أكثر من مائة مليار دولار أميركي، وينفق على هذا القطاع عشرات المليارات سنوياً، من دون فائدة أو حل.
رابعاً: قضية التصعيد الأميركي - الإيراني الخطير، وضيق خيارات العراق كدولة حيال هذه الأزمة، فيما لو تحولت إلى صراع عسكري. ذلك أن العراق، الذي يحتفظ بصداقة بين الطرفين المتخاصمين، أميركا وإيران، يعاني من أزمة ثقة عند كلا الطرفين. أميركا ترى أن موقف الحكومة العراقية ضعيف حيال هيمنة إيران، وأذرعها داخل البلاد، مثل الفصائل المسلحة التي تهدد الأميركيين علناً بوقوفها إلى جانب إيران. والحقيقة أن ثمة مصاديق لهذا الكلام، مثل إبلاغ واشنطن عبد المهدي أن الطائرات المسيرة من دون طيّار «الدرون» التي ضربت المطارات السعودية انطلقت من العراق. وكذلك عملية اقتحام السفارة البحرينية، عندما اعترفت كتائب «حزب الله» بأنها دعمت جزءاً من عملية الاقتحام. وفي المقابل، فإن الإيرانيين يرون أن الحكومة العراقية ضعيفة حيال النفوذ الأميركي في العراق المتمثل بوجود قواعد أميركية في العراق، وكذلك وجود آلاف الجنود الأميركيين، الذين تقول عنهم الحكومة العراقية إنهم «مستشارون»، بينما يقول أصدقاء إيران في العراق إنهم قوات عسكرية قتالية.
خامساً: قضية إعادة هيكلة «الحشد الشعبي»، وما يمكن أن يسببه هذا القرار من صدامات وإشكاليات عند التطبيق.

تعليمات تنتظر التنفيذ
من حيث المبدأ قد لا تبدو التعليمات التي أصدرها رئيس الوزراء عبد المهدي، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، بإعادة هيكلة «الحشد الشعبي»، وإمهال الفصائل المسلحة غير المنتمية له، مدة شهر، لتصفية أمورها جديدة تماماً، إذ سبق لسلفه حيدر العبادي أن أصدر عام 2018 قبيل بضعة شهور من انتهاء ولايته تعليمات مشابهة تقريباً. بيد أن الفارق بين مارس (آذار) عام 2018، حين صدرت تعليمات العبادي، وبين الأول من يوليو عام 2019، حين صدرت تعليمات عبد المهدي. ومع أن العبرة تبقى في تطبيق الفقرات العشر الواردة في الأمر الديواني، يبقى التصعيد الأميركي الإيراني، الذي يأخذ الآن أبعاداً خطيرة، المسألة الأهم التي جعلت المراقبين ينظرون إلى تعليمات عبد المهدي اليوم بمنظار آخر غير ما رأت فيه تعليمات العبادي.
الأميركيون، وهذا أمر واضح للجميع، بدأوا يضغطون على الحكومة العراقية حيال أسلوب تعاملها مع أذرع إيران، بالذات داخل العراق، في أعقاب سقوط سلسلة صواريخ «كاتيوشا» على السفارة الأميركية في قلب بغداد، فضلاً عن انطلاق الطائرات المسيرة الـ«درون» من داخل العراق إلى الأراضي السعودية.
الخلط حصل في العلاقة بين «الحشد الشعبي»، بوصفها هيئة تابعة للقوات العسكرية العراقية، مع أن قانونها مختلف، وقد صوّت عليه البرلمان العراقي عام 2015، والفصائل المسلحة الأخرى غير المنتمية لـ«الحشد الشعبي».
الخبير الأمني المتخصص فاضل أبو رغيف رصد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» سياق هذه العلاقة، وكيف يمكن أن تحصل عملية تطبيق التعليمات العشر، فقال شارحاً إن «هذا القرار فيه عدة مضامين، حيث يبدو كما لو كان إعادة هيكلة فيما يتعلق بإعادة تنظيم أفراد الحشد الشعبي، فضلاً عن إلغاء جميع المكاتب الاقتصادية، وهو ما يعني أنه لم يعد هناك أي مكتب اقتصادي عائد للحشد». وبيّن أن «القرار كان واضحاً في تخيير مَن يريد أن يعمل ضمن المؤسسة العسكرية، أو يختار طريق العمل السياسي». وأوضح أبو رغيف أن «هذا الأمر سوف يشمل أيضاً الحشود العشائرية السنّية، وبالتالي، فإن هذا القرار يأتي متسقاً مع إنهاء دولة التمكين الداعشية، وأهمية الانتقال إلى العمل الاستخباري دون العمل الميداني».
لكن للخبير الاستراتيجي الدكتور هشام الهاشمي رؤية أخرى في هذا السياق، فهو يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «ينبغي ألا يُنظَر إلى تعليمات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على أنها جاءت لتقليص توسّع فصائل الحشد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على حساب جسد الدولة العراقية فقط». وأوضح أن «هذه التعليمات لم تأتِ لإبرام صفقات تآمرية، وفرض إرادة القائد العام للقوات المسلحة بالضد من الحشد، ذلك أن العبادي كانت له تعليمات تنظيمية مشابهة إلى حد كبير وتتطابق كثيراً مع تعليمات عبد المهدي». وحسب الهاشمي، فإن «تلك التعليمات كانت أفشلتها بعض قيادات الحشد»، مبيناً أن «التعليمات في حالتي العبادي وعبد المهدي تنصّ على إخراج المعسكرات من المدن، وفكّ الارتباط السياسي والحزبي وإغلاق المكاتب الاقتصادية».
كذلك أوضح الهاشمي أن «التعليمات تميّز بين الفصيل المنضبط والآخر الخارج على القانون. وهذا يلزم ملاحقة قانونية وأمنية قد تنتهي بتمرُّد مسلح ومعارضة سياسية وانقسام داخل البيت السياسي الشيعي، وربما حتى الشارع في محافظات الجنوب والفرات الأوسط والعاصمة بغداد»، ثم أشار إلى أن «هذا كله يبقى معلقاً بجدية الحكومة في تنفيذها لهذه التعليمات، ومدى استجابة قيادات الفصائل لهذه التعليمات. ولا بد أن يؤخذ بنظر الاعتبار تشكيك السيد الصدر حول تنفيذ التعليمات بعدالة على الجميع».
وثمة من يشير إلى ما سيواجهه عبد المهدي من ذرائع خلال الشهر المحدد للتنفيذ، خصوصاً حملة التشكيك بشأن دوافع القرار، وما إذا كان الهدف منه تذويب «الحشد» وإنهاء دوره، أو عدم تطبيقه بشكل سليم، لهذا السبب أو ذلك. ولعل ما صدر عن كتائب «حزب الله» يعزز إلى حد كبير هذه الفرضية، خصوصاً أنها رأت أن رئيس الوزراء استثنى قوات «البيشمركة» الكردية من هذا القرار، بينما يفترض أن شمولها بهذا القرار أيضاً. والواقع أن اتساع حملة التشكيك، لا سيما، على صعيد عدم ضم «البيشمركة» متوسعة، رغم أنها دافعت عن نفسها بالقول إن وجودها كحرس للإقليم الكردي مرتبط بالدستور.

«كاتيوشا» بلا حدود
في سياق متّصل، في ضوء تكرار إطلاق صواريخ «الكاتيوشا» وقذائف الهاون، واضح أن الحكومة العراقية لم تتمكن بعد من إحكام السيطرة على السلاح المنفلت إلى حد كبير. ومع أن سياق العلاقة بين إيران وأميركا أصلاً لم يكن مريحاً بالنسبة للعراق وحكوماته المتعاقبة منذ عام 2003 وإلى اليوم، فإن الأمر بات مختلفاً الآن.
وبالفعل، تنظر الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب إلى الاستمرار في إطلاق الصواريخ، وبالذات استهداف السفارة الأميركية، على أنه يأتي في سياق الاستفزاز الإيراني المتعمَّد لواشنطن. ومع أنه سبق لواشنطن تحذير الحكومة العراقية من مغبة تمادي الاستفزازات الإيرانية عبر وكلائها في العراق، فإن حكومة بغداد واقعة بين مطرقة التصعيد وسندان الضغوط الداخلية، وبالتالي، ما زالت تجد نفسها في حيرة من أمرها إزاء كيفية التعامل مع مثل هذه الوقائع.
وللعلم، في غضون الفترة الأخيرة سقطت عدة صواريخ على «المنطقة الخضراء» حيث مقر السفارة الأميركية في قلب العاصمة بغداد، وكذلك في مدينة البصرة ومحيطها حيث موقع شركات النفط، خصوصاً «إكسون موبيل» الأميركية، التي اضطرَّت مرتين خلال بضعة شهور إلى إجلاء العشرات من موظفيها من موقع العمل بالبصرة بسبب مخاوف من تعرضهم إلى إصابات.
هذه الصواريخ العابرة للحدود ما زالت مصدر إرباك داخل المشهد العراقي الذي يئن تحت وطأة الأزمات الداخلية التي يعيشها، مثل أزمة الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء واحتمال اتساع نطاق المظاهرات ودخول أطراف داخلية وخارجية من أجل حرفها عن مسارها الذي رسمه لها الدستور، ناهيك بالتحديات الأخرى التي تواجهها البلاد... وفي مقدمتها تحديات الأزمة الاقتصادية، رغم الوفرة في موارد النفط، وتحدي تنظيم «داعش» الذي ما زالت خلاياه النائمة تضرب هنا وهناك في العراق.
وحول مجريات الصراع الأميركي - الإيراني، وموقع العراق منه، قال القيادي في تحالف «الإصلاح» حيدر الملا في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «الولايات المتحدة الأميركية نجحت في تقديم شكل الصراع الدائر بينها وبين إيران، على أن إيران باتت مصدر تهديد للأمن والسلم والاستقرار في المنطقة، كما استطاعت أن تقدم الصراع على أن إيران مصدر تهديد لمصادر الطاقة في العالم». وتابع أن الولايات المتحدة «حوّلت الصراع من كونها دولة عظمى تريد، كما تقول طهران، أن تعتدي على إيران، إلى دولة تريد أن تقوم بإجراءات دفاعية حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها... وهو ما يعني أن الولايات المتحدة نجحت في كسب المعركة السياسية».
وحول موقف العراق من هذه الأزمة، رأى الملا أن «موقف العراق كان متميزاً عبر اتجاهين، هما: أولاً رفض العراق أن يكون جزءاً من محور ضد محور آخر، وثانياً أنه نجح في إرسال رسائل تستخدم ورقة العراق بين طرفي الصراع». وأوضح أن «واشنطن أجادت التعامل في هذه القضية، بعكس الجانب الإيراني، حيث إن حالة الحصار الاقتصادي الذي تعانيه حاولت أن تبعث رسائل مفادها أن العراق سيبقى خط الدفاع الأول لها».

شكوك وملابسات على صعيد التشكيل الحكومي
> اضطر البرلمان العراقي إلى تمديد فصله التشريعي لمدة شهر للانتهاء من ملف الوكالات والدرجات الخاصة وسواها من القضايا المعلقة. ويُذكر أن تعذّر استكمال الكابينة الحكومية من جهة حقيبة التربية، واحتمال تأخر إكمال تطبيق البرنامج الحكومي يمكن أن يرتبا مصاعب وملابسات تخص الحكومة ورئيسها عادل عبد المهدي. وبالتالي، فإن المطلوب اليوم أهمية التعجيل بتنفيذ فقرات هذا البرنامج الذي تتوقف على تنفيذه طريقة تقييم الحكومة وهي تمر بمنعطف كبير. والواقع، أن ثمة قوى سياسية عراقية منحت عبد المهدي فرصة سنة كاملة لإعادة تقييم حكومته، وفي المقابل، منها مَن ذهب إلى المعارضة مثل «تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم. ومن هنا، فإن السياسيين والبرلمانيين العراقيين يرون أن تطبيق مفردات البرنامج الحكومي بات يمثل أولوية أولى في الوقت الحاضر. هشام السهيل، عضو البرلمان العراقي عن كتلة «وطن»، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن استكمال الكابينة الوزارية أمر في غاية الأهمية، خصوصاً بعد فترة طويلة من التأخير، إذ إن من شأن ذلك أن يصبّ في مصلحة استقرار البلد، والعملية السياسية وسوف ينعكس على الأداء الحكومي. وأضاف السهيل أن «ما تبقى من الكابينة هو فقط حسم مصير وزارة التربية وهو ما نحتاج إلى الانتهاء منه خلال الفصل التشريعي الحالي».
من جهة أخرى، دعا آراس حبيب كريم، عضو البرلمان العراقي عن محافظة بغداد وزعيم «المؤتمر الوطني العراقي» في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «أهمية البدء في تنفيذ مفردات البرنامج الحكومي، لا سيما أننا تأخرنا كثيراً في استكمال الكابينة». وأردف قائلاً إنه «بقطع النظر عن المبرّرات، فإن ما حصل قد أكل من جرف الدولة كمؤسسات ومن جرف الحكومة كبرنامج واجب التنفيذ طبقاً لتوقيتاته الزمنية، ذلك أنه لم يعد ثمة مبرّر لأي قصور في أي ميدان من ميادين العمل، لا سيما على الصعيد الأمني، حيث ما زلنا نواجه العديد من التحديات، سواء على مستوى تجفيف منابع الإرهاب أو التصعيد في المنطقة»، ثم أوضح أنه «مع استكمال التصويت على مرشح التربية، لأن التكامل بين المؤسستين التشريعية والحكومية سيكون مهماً جداً على صعيد تنفيذ الوعود والتعهدات التي قطعناها للشعب».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.