عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

قراءة في التحديات التي تواجه رئيس الحكومة العراقية

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني
TT

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

رغم أن منصب رئيس الوزراء في العراق هو المنصب التنفيذي الأول الذي يكاد يحصر معظم الصلاحيات والسلطات بيده، فإنه لا يتمنى أحد من الساسة الناشطين في الساحة العراقية أن يكون بديلاً لرئيس الوزراء الحالي، عادل عبد المهدي. والجدير بالذكر أن هذا المنصب، الذي هو موضع اهتمام كل القوى السياسية، قاتل كثير منها من أجل إما الاستحواذ عليه عن طريق حصره بمرشحيها (خصوصاً، الكتل الشيعية التي تحتكر المنصب طبقاً لمبدأ المُحاصصة المعمول به في العراق بعد عام 2003، مع أنه غير منصوص عليه في الدستور)، أو المجيء بأشخاص لا يخرجون عن إرادة هذا الطرف أو ذاك داخل هذه الكتل.
لقد سعت الكتل السياسية الشيعية بكل قوة لإنهاء هيمنة حزب «الدعوة» على منصب رئيس الوزراء الذي تولاه ثلاثة من قياديي «الدعوة» من بين خمسة رؤساء وزراء في العراق هم: الدكتور إبراهيم الجعفري (2005 - 2006)، ونوري المالكي (2006 - 2014)، والدكتور حيدر العبادي (2014 - 2018)، في حين تولى اثنان (من الشيعة أيضاً) منصب رئيس الوزراء بعد التغيير، هما الدكتور إياد علاوي رئيس الوزراء الانتقالي (2004 - 2005)، والآن عادل عبد المهدي، القيادي القديم في المجلس الأعلى الإسلامي، الذي تولى المنصب أواخر العام الماضي، لدورة من أربع سنوات.
غير أن دورة عبد المهدي تكاد تنصرم سنة منها بعد شهور (نال الثقة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2018) ولم تكتمل حتى لحظة كتابة هذه السطور حكومته التي كانت حتى قبل أقل من أسبوعين «ناقصة» أربع حقائب، اكتمل منها ثلاث أخيراً، هي الدفاع والداخلية والعدل، بينما بقيت حقيبة التربية شاغرة.

حكومة ناقصة... تربية
بالمناسبة، لأن العراقيين أصحاب نكتة حتى في الظروف الصعبة، بعد فشل البرلمان في تمرير المرشحة الرابعة لمنصب وزير التربية أطلق المغردون العراقيون «هاشتاغ» على وسائل التواصل الاجتماعي بقدر ما هو مليء بالسخرية، فإنه يعبر عن مرارة ما يجري... هو «حكومتنا ناقصة تربية».
غير أن الأمر لم يعد يقتصر على التربية، سواء كانت حقيبة أم سلوكاً اجتماعياً. والعراق يعاني منذ فترة غير قصيرة من أزمات ومشاكل، من ضمنها أزمة كل موسم صيف، ألا وهي المظاهرات، لا سيما في مدن ومحافظات الجنوب، وفي مقدمتها البصرة. هذه المظاهرات تجعل مهمة مَن يتولى منصب رئيس الوزراء في بلد مثل العراق أشبه بمن ينفذ عملية انتحارية. ومن ثم فعبد المهدي، الذي شكّل حكومة خارج نطاق الكتلة البرلمانية الأكبر في مخالفة صريحة للدستور، يجد نفسه اليوم وحيداً ومفتقراً للدعم البرلماني المباشر بلا ثمن.
عبد المهدي جاء من خارج قبة البرلمان، بمعنى أنه ليست لديه كتلة داخل البرلمان هي التي رشحته، وتتولى دعمه، والدفاع عنه. أيضاً الرجل جاء بنتيجة توافقٍ هشّ بين تحالفي «الإصلاح» و«البناء». وبالتالي، جرى اختزال هذا التوافق إلى كتلة «سائرون» التي يدعمها السيد مقتدى الصدر التي هي جزء من تحالف «الإصلاح»، وكتلة «الفتح» التي يتزعمها هادي العامري ضمن تحالف «البناء». ولكن، اليوم، بعد أكثر من ثمانية شهور يواجه رئيس الحكومة المطبات التالية:
أولاً: تعذّر اكتمال الحكومة بكل أركانها (وزارة التربية نموذجاً)، وهو ما يعني الإخلال في تطبيق البرنامج الحكومي الذي وعد العراقيين بتطبيقه خلال فترة حكمه التي تدوم في العادة 4 سنوات، طبقاً للنظام الانتخابي في العراق.
ثانياً: العجز عن البت بملف الوكالات التي تُدار بموجبها الدولة العراقية منذ 16 سنة. ففي حين ألزم البرلمان العراقي نفسه طبقاً لقانون الموازنة بالانتهاء من ملف إدارة الدولة بالوكالة حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي، فإنه اضطر إلى إعادة النظر بالفقرة وتعديلها بما يمدد المهلة إلى بضعة شهور تالية. وهو ما يعني أن الحكومة، على صعيد الدرجات الخاصة، مثل الوكالات والهيئات والمديريات العامة، ما زالت «عرجاء».
ثالثاً: أزمة المظاهرات الصيفية بسبب سوء الخدمات مثل الماء والكهرباء. هذه الأزمة تتفجر بدءاً من الشهر السابع، يوليو (تموز)، وتستمر حتى أوائل الشهر العاشر، أكتوبر (تشرين الأول)، حين يتحسن الجو، وتنتهي تلقائياً أزمة الكهرباء... التي تحوّلت إلى معضلة، في بلد موازنته السنوية أكثر من مائة مليار دولار أميركي، وينفق على هذا القطاع عشرات المليارات سنوياً، من دون فائدة أو حل.
رابعاً: قضية التصعيد الأميركي - الإيراني الخطير، وضيق خيارات العراق كدولة حيال هذه الأزمة، فيما لو تحولت إلى صراع عسكري. ذلك أن العراق، الذي يحتفظ بصداقة بين الطرفين المتخاصمين، أميركا وإيران، يعاني من أزمة ثقة عند كلا الطرفين. أميركا ترى أن موقف الحكومة العراقية ضعيف حيال هيمنة إيران، وأذرعها داخل البلاد، مثل الفصائل المسلحة التي تهدد الأميركيين علناً بوقوفها إلى جانب إيران. والحقيقة أن ثمة مصاديق لهذا الكلام، مثل إبلاغ واشنطن عبد المهدي أن الطائرات المسيرة من دون طيّار «الدرون» التي ضربت المطارات السعودية انطلقت من العراق. وكذلك عملية اقتحام السفارة البحرينية، عندما اعترفت كتائب «حزب الله» بأنها دعمت جزءاً من عملية الاقتحام. وفي المقابل، فإن الإيرانيين يرون أن الحكومة العراقية ضعيفة حيال النفوذ الأميركي في العراق المتمثل بوجود قواعد أميركية في العراق، وكذلك وجود آلاف الجنود الأميركيين، الذين تقول عنهم الحكومة العراقية إنهم «مستشارون»، بينما يقول أصدقاء إيران في العراق إنهم قوات عسكرية قتالية.
خامساً: قضية إعادة هيكلة «الحشد الشعبي»، وما يمكن أن يسببه هذا القرار من صدامات وإشكاليات عند التطبيق.

تعليمات تنتظر التنفيذ
من حيث المبدأ قد لا تبدو التعليمات التي أصدرها رئيس الوزراء عبد المهدي، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، بإعادة هيكلة «الحشد الشعبي»، وإمهال الفصائل المسلحة غير المنتمية له، مدة شهر، لتصفية أمورها جديدة تماماً، إذ سبق لسلفه حيدر العبادي أن أصدر عام 2018 قبيل بضعة شهور من انتهاء ولايته تعليمات مشابهة تقريباً. بيد أن الفارق بين مارس (آذار) عام 2018، حين صدرت تعليمات العبادي، وبين الأول من يوليو عام 2019، حين صدرت تعليمات عبد المهدي. ومع أن العبرة تبقى في تطبيق الفقرات العشر الواردة في الأمر الديواني، يبقى التصعيد الأميركي الإيراني، الذي يأخذ الآن أبعاداً خطيرة، المسألة الأهم التي جعلت المراقبين ينظرون إلى تعليمات عبد المهدي اليوم بمنظار آخر غير ما رأت فيه تعليمات العبادي.
الأميركيون، وهذا أمر واضح للجميع، بدأوا يضغطون على الحكومة العراقية حيال أسلوب تعاملها مع أذرع إيران، بالذات داخل العراق، في أعقاب سقوط سلسلة صواريخ «كاتيوشا» على السفارة الأميركية في قلب بغداد، فضلاً عن انطلاق الطائرات المسيرة الـ«درون» من داخل العراق إلى الأراضي السعودية.
الخلط حصل في العلاقة بين «الحشد الشعبي»، بوصفها هيئة تابعة للقوات العسكرية العراقية، مع أن قانونها مختلف، وقد صوّت عليه البرلمان العراقي عام 2015، والفصائل المسلحة الأخرى غير المنتمية لـ«الحشد الشعبي».
الخبير الأمني المتخصص فاضل أبو رغيف رصد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» سياق هذه العلاقة، وكيف يمكن أن تحصل عملية تطبيق التعليمات العشر، فقال شارحاً إن «هذا القرار فيه عدة مضامين، حيث يبدو كما لو كان إعادة هيكلة فيما يتعلق بإعادة تنظيم أفراد الحشد الشعبي، فضلاً عن إلغاء جميع المكاتب الاقتصادية، وهو ما يعني أنه لم يعد هناك أي مكتب اقتصادي عائد للحشد». وبيّن أن «القرار كان واضحاً في تخيير مَن يريد أن يعمل ضمن المؤسسة العسكرية، أو يختار طريق العمل السياسي». وأوضح أبو رغيف أن «هذا الأمر سوف يشمل أيضاً الحشود العشائرية السنّية، وبالتالي، فإن هذا القرار يأتي متسقاً مع إنهاء دولة التمكين الداعشية، وأهمية الانتقال إلى العمل الاستخباري دون العمل الميداني».
لكن للخبير الاستراتيجي الدكتور هشام الهاشمي رؤية أخرى في هذا السياق، فهو يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «ينبغي ألا يُنظَر إلى تعليمات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على أنها جاءت لتقليص توسّع فصائل الحشد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على حساب جسد الدولة العراقية فقط». وأوضح أن «هذه التعليمات لم تأتِ لإبرام صفقات تآمرية، وفرض إرادة القائد العام للقوات المسلحة بالضد من الحشد، ذلك أن العبادي كانت له تعليمات تنظيمية مشابهة إلى حد كبير وتتطابق كثيراً مع تعليمات عبد المهدي». وحسب الهاشمي، فإن «تلك التعليمات كانت أفشلتها بعض قيادات الحشد»، مبيناً أن «التعليمات في حالتي العبادي وعبد المهدي تنصّ على إخراج المعسكرات من المدن، وفكّ الارتباط السياسي والحزبي وإغلاق المكاتب الاقتصادية».
كذلك أوضح الهاشمي أن «التعليمات تميّز بين الفصيل المنضبط والآخر الخارج على القانون. وهذا يلزم ملاحقة قانونية وأمنية قد تنتهي بتمرُّد مسلح ومعارضة سياسية وانقسام داخل البيت السياسي الشيعي، وربما حتى الشارع في محافظات الجنوب والفرات الأوسط والعاصمة بغداد»، ثم أشار إلى أن «هذا كله يبقى معلقاً بجدية الحكومة في تنفيذها لهذه التعليمات، ومدى استجابة قيادات الفصائل لهذه التعليمات. ولا بد أن يؤخذ بنظر الاعتبار تشكيك السيد الصدر حول تنفيذ التعليمات بعدالة على الجميع».
وثمة من يشير إلى ما سيواجهه عبد المهدي من ذرائع خلال الشهر المحدد للتنفيذ، خصوصاً حملة التشكيك بشأن دوافع القرار، وما إذا كان الهدف منه تذويب «الحشد» وإنهاء دوره، أو عدم تطبيقه بشكل سليم، لهذا السبب أو ذلك. ولعل ما صدر عن كتائب «حزب الله» يعزز إلى حد كبير هذه الفرضية، خصوصاً أنها رأت أن رئيس الوزراء استثنى قوات «البيشمركة» الكردية من هذا القرار، بينما يفترض أن شمولها بهذا القرار أيضاً. والواقع أن اتساع حملة التشكيك، لا سيما، على صعيد عدم ضم «البيشمركة» متوسعة، رغم أنها دافعت عن نفسها بالقول إن وجودها كحرس للإقليم الكردي مرتبط بالدستور.

«كاتيوشا» بلا حدود
في سياق متّصل، في ضوء تكرار إطلاق صواريخ «الكاتيوشا» وقذائف الهاون، واضح أن الحكومة العراقية لم تتمكن بعد من إحكام السيطرة على السلاح المنفلت إلى حد كبير. ومع أن سياق العلاقة بين إيران وأميركا أصلاً لم يكن مريحاً بالنسبة للعراق وحكوماته المتعاقبة منذ عام 2003 وإلى اليوم، فإن الأمر بات مختلفاً الآن.
وبالفعل، تنظر الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب إلى الاستمرار في إطلاق الصواريخ، وبالذات استهداف السفارة الأميركية، على أنه يأتي في سياق الاستفزاز الإيراني المتعمَّد لواشنطن. ومع أنه سبق لواشنطن تحذير الحكومة العراقية من مغبة تمادي الاستفزازات الإيرانية عبر وكلائها في العراق، فإن حكومة بغداد واقعة بين مطرقة التصعيد وسندان الضغوط الداخلية، وبالتالي، ما زالت تجد نفسها في حيرة من أمرها إزاء كيفية التعامل مع مثل هذه الوقائع.
وللعلم، في غضون الفترة الأخيرة سقطت عدة صواريخ على «المنطقة الخضراء» حيث مقر السفارة الأميركية في قلب العاصمة بغداد، وكذلك في مدينة البصرة ومحيطها حيث موقع شركات النفط، خصوصاً «إكسون موبيل» الأميركية، التي اضطرَّت مرتين خلال بضعة شهور إلى إجلاء العشرات من موظفيها من موقع العمل بالبصرة بسبب مخاوف من تعرضهم إلى إصابات.
هذه الصواريخ العابرة للحدود ما زالت مصدر إرباك داخل المشهد العراقي الذي يئن تحت وطأة الأزمات الداخلية التي يعيشها، مثل أزمة الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء واحتمال اتساع نطاق المظاهرات ودخول أطراف داخلية وخارجية من أجل حرفها عن مسارها الذي رسمه لها الدستور، ناهيك بالتحديات الأخرى التي تواجهها البلاد... وفي مقدمتها تحديات الأزمة الاقتصادية، رغم الوفرة في موارد النفط، وتحدي تنظيم «داعش» الذي ما زالت خلاياه النائمة تضرب هنا وهناك في العراق.
وحول مجريات الصراع الأميركي - الإيراني، وموقع العراق منه، قال القيادي في تحالف «الإصلاح» حيدر الملا في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «الولايات المتحدة الأميركية نجحت في تقديم شكل الصراع الدائر بينها وبين إيران، على أن إيران باتت مصدر تهديد للأمن والسلم والاستقرار في المنطقة، كما استطاعت أن تقدم الصراع على أن إيران مصدر تهديد لمصادر الطاقة في العالم». وتابع أن الولايات المتحدة «حوّلت الصراع من كونها دولة عظمى تريد، كما تقول طهران، أن تعتدي على إيران، إلى دولة تريد أن تقوم بإجراءات دفاعية حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها... وهو ما يعني أن الولايات المتحدة نجحت في كسب المعركة السياسية».
وحول موقف العراق من هذه الأزمة، رأى الملا أن «موقف العراق كان متميزاً عبر اتجاهين، هما: أولاً رفض العراق أن يكون جزءاً من محور ضد محور آخر، وثانياً أنه نجح في إرسال رسائل تستخدم ورقة العراق بين طرفي الصراع». وأوضح أن «واشنطن أجادت التعامل في هذه القضية، بعكس الجانب الإيراني، حيث إن حالة الحصار الاقتصادي الذي تعانيه حاولت أن تبعث رسائل مفادها أن العراق سيبقى خط الدفاع الأول لها».

شكوك وملابسات على صعيد التشكيل الحكومي
> اضطر البرلمان العراقي إلى تمديد فصله التشريعي لمدة شهر للانتهاء من ملف الوكالات والدرجات الخاصة وسواها من القضايا المعلقة. ويُذكر أن تعذّر استكمال الكابينة الحكومية من جهة حقيبة التربية، واحتمال تأخر إكمال تطبيق البرنامج الحكومي يمكن أن يرتبا مصاعب وملابسات تخص الحكومة ورئيسها عادل عبد المهدي. وبالتالي، فإن المطلوب اليوم أهمية التعجيل بتنفيذ فقرات هذا البرنامج الذي تتوقف على تنفيذه طريقة تقييم الحكومة وهي تمر بمنعطف كبير. والواقع، أن ثمة قوى سياسية عراقية منحت عبد المهدي فرصة سنة كاملة لإعادة تقييم حكومته، وفي المقابل، منها مَن ذهب إلى المعارضة مثل «تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم. ومن هنا، فإن السياسيين والبرلمانيين العراقيين يرون أن تطبيق مفردات البرنامج الحكومي بات يمثل أولوية أولى في الوقت الحاضر. هشام السهيل، عضو البرلمان العراقي عن كتلة «وطن»، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن استكمال الكابينة الوزارية أمر في غاية الأهمية، خصوصاً بعد فترة طويلة من التأخير، إذ إن من شأن ذلك أن يصبّ في مصلحة استقرار البلد، والعملية السياسية وسوف ينعكس على الأداء الحكومي. وأضاف السهيل أن «ما تبقى من الكابينة هو فقط حسم مصير وزارة التربية وهو ما نحتاج إلى الانتهاء منه خلال الفصل التشريعي الحالي».
من جهة أخرى، دعا آراس حبيب كريم، عضو البرلمان العراقي عن محافظة بغداد وزعيم «المؤتمر الوطني العراقي» في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «أهمية البدء في تنفيذ مفردات البرنامج الحكومي، لا سيما أننا تأخرنا كثيراً في استكمال الكابينة». وأردف قائلاً إنه «بقطع النظر عن المبرّرات، فإن ما حصل قد أكل من جرف الدولة كمؤسسات ومن جرف الحكومة كبرنامج واجب التنفيذ طبقاً لتوقيتاته الزمنية، ذلك أنه لم يعد ثمة مبرّر لأي قصور في أي ميدان من ميادين العمل، لا سيما على الصعيد الأمني، حيث ما زلنا نواجه العديد من التحديات، سواء على مستوى تجفيف منابع الإرهاب أو التصعيد في المنطقة»، ثم أوضح أنه «مع استكمال التصويت على مرشح التربية، لأن التكامل بين المؤسستين التشريعية والحكومية سيكون مهماً جداً على صعيد تنفيذ الوعود والتعهدات التي قطعناها للشعب».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.