«قوة رمزية» تشكّل ثقافة النخبة وتوجّه أفكار الناس عبر التاريخ

«قوة رمزية» تشكّل ثقافة النخبة وتوجّه أفكار الناس عبر التاريخ

الشقير يحقق كتاب اليعقوبي التراثي في الفكر الاجتماعي الصادر قبل 1100 عام
الخميس - 9 ذو القعدة 1440 هـ - 11 يوليو 2019 مـ رقم العدد [ 14835]
الرياض: بدر الخريف
نفض باحث سعودي الغبار عن كتاب نادر يعدّ من نفائس التراث العربي في الفكر الاجتماعي، وأعاده إلى الواجهة، وهو كتاب «مشاكلة الناس لزمانهم وما يغلب عليهم في كل عصر» - «جداول للنشر» - الصادر قبل 1100 عام لمؤلفه المؤرخ أحمد بن إسحاق اليعقوبي (توفي 905)، الذي يبحث فيه تأثير ثقافة النخب واهتماماتهم على سلوك الناس العاديين في حياتهم اليومية، الذين يبحثون عن الرمز ويحاكون نمط حياته واهتماماته، وهو ما لاحظه علماء الاجتماع، فالأفراد ينتمون إلى حقول مميزة تخضع لمنطق واحد ضمن نسق ذهني ومعرفي واحد أو من خلال ظاهرة انتشار الأفكار في المجتمع، ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة: «الناس على دين ملوكهم».
حقق الباحث عبد الرحمن الشقير هذا الكتاب مع دراسة في النظريات الاجتماعية المتوافقة مع مضمونه. وعدّ المحقق أن هذا الكتاب يدلنا على مصادر نشأة الأفكار وقوانين تغيرها في المجتمع؛ إذ تتبع مؤلفه اليعقوبي ظاهرة انتشار القيم والعادات والتقاليد والاهتمامات والموضة، أو ما يشيع بين الناس عموماً، وتوصل إلى تسلسل أسبابها، وهرمية انتشارها، فهي وفق ملاحظته تبدأ من الخليفة، ثم يقلّده كبار رجال دولته، مثل ولاته ووزرائه وعماله، ثم يقلّدهم من تحتهم، حتى يصير هذا التقليد عادة منتشرة في المجتمع؛ فالخلفاء كانوا رمزاً اجتماعياً ومصدراً أساسياً لتوجيه أفكار الناس واهتماماتهم. يقول اليعقوبي في مقدمة كتابه: «فأما ملوك الإسلام، فإن المسلمين في كل عصر تبع للخليفة، يسلكون سبيله، ويتبعون مذهبه، ويعملون على قدر ما يرون منه، ولا يخرجون عن أفعاله وأخلاقه وأقواله».
وأوضح الشقير في دراسته أن اليعقوبي تتبع الظاهرة عبر ثلاثة قرون، بدراسته الدقيقة للتاريخ الاجتماعي لواحد وثلاثين خليفة التي شملت الخلافة الراشدة، والعصرين الأموي والعباسي الأول.
وتؤكد ملاحظة اليعقوبي على أن التفاعل الاجتماعي أقوى تأثيراً من المهام الرسمية، فجميع الخلفاء مهمتهم الرئيسة هي إدارة الدولة سياسياً وعسكرياً وإدارياً ومالياً، ولكن سماتهم الشخصية وتفاعلهم الشعبي مع المجتمع هو الذي يترك الصورة الذهنية عنهم، وهو الذي يتأثر به رجالهم؛ بوعي منهم، أو بلا وعي. ويستنتج المحقق من ملاحظة اليعقوبي هذه أن السمات الشخصية للخلفاء الأمويين وبعض العباسيين تركز على الاستهلاك الثقافي المتمثل في التسامي بالذات والبناء الحضاري والفكري والعلمي، في حين بدأت ظاهرة الاستهلاك المظهري مع بعض الخلفاء العباسيين، ويبدو أن سبب ذلك توسع الفتوحات وزيادة دخل الدولة وبروز ظاهرة دخول العناصر التركية في المناصب العليا للدولة.
وشدد المحقق على أن ملاحظة اليعقوبي الاجتماعية للخلفاء تتكرر في كل زمان ومكان عند الملوك والرؤساء والوزراء، ولكنها تقل نسبياً في العصر الحديث، خصوصاً في الدول التي تعلي من شأن الديمقراطية، كما أن الإعلام الجديد انتزع هذه الميزة من السياسيين، فقد أخرج للمجتمع مشاهير جدداً، وأكثرهم إما من رموز الفن والرياضة، وإما من المعنيين بمخاطبة الشباب والمراهقين، وإما مشاهير تصنعهم شركات التسويق لهدف محدد ثم يختفون، أو حتى الترويج لسلعة أو الترويج لموضة.
كما يتضح من موضوع هذا الكتاب والإسقاطات التي استدل بها اليعقوبي لتدعيم فكرته أنه لا يرى أن هناك استقلالية للوعي، بل إن الوعي الجمعي ظاهرة اجتماعية، ومن ثم فإنه لا يكفي أن نثبت ظاهرة «(الناس على دين ملوكهم) تاريخياً واجتماعياً دون فحص لماهية هذه الظواهر التي تتغير مع كل خليفة».
وذكر المحقق أن «الشعوب التقليدية كانت تمثل القوة المحركة لتجانس المجتمع، من خلال بحثها عن الرمز والولع بتقليد نمط حياته في اللبس والاهتمامات، ومحاكاته. أما في العصر الحديث فقد تمايز الأفراد في إنتاج المعرفة وتقديم الذات في الحياة اليومية من خلال سيادة الروح الفردانية».
ومن ثم؛ فإن مصادر تلقي القيم والعادات الجديدة والموضة، لم تعد حكراً على القادة السياسيين، حتى لو امتلكوا وسائل الإعلام في مجتمعاتهم؛ إذ تغير الوضع مع العولمة، وعصر تدفق المعلومات، ووسائل التأثير القوية التي تمتلك أساليب بث القيم الجديدة من خلال الآداب والفنون والسينما والثقافة، فصارت الأفكار تنتشر بطريقة شبكية معقدة، وليست عمودية من أعلى إلى أسفل الهرم الاجتماعي كما كانت الحال في السابق. لقد صارت عامة وليست محتكرة من قبل البعض.
من هنا، يقول الشقير إن الإنسان في مجتمع العصر الإسلامي الأول لا يختلف عن إنسان اليوم في ممارسة حياته اليومية، وفي سعيه لتحسين تقديم ذاته من أجل تحقيق المكانة الاجتماعية أو الاعتراف به من خلال محاكاة النخب والمشاهير؛ إذ إن متابعة الموضة اليوم هي إعادة إنتاج لفكرة «الناس على دين ملوكهم»، من حيث إن الإنسان العادي يبحث عما يحقق له المكانة الاجتماعية في تقليد رموز المجتمع ومشاهيره في عاداتهم ولبسهم وهواياتهم.
والموضة بمفهومها الواسع تشمل كل فكرة متجددة موسمياً، أو مؤقتاً، في جميع المجالات التي يتعامل معها الإنسان، مثل: اللبس والأثاث والتصميم والعادات، وتكتسب قوتها من اهتمام المشاهير والنخب بها، وتفقد أهميتها إذا أهملوها؛ إذ إن المشاهير والنخب يملكون عنصر «الثقة» في لبسهم وفي اهتماماتهم واستخداماتهم للأشياء اليومية. ويترتب على ذلك تقليد الآخرين لهم.
ومن أبرز قوانين منطق التقليد التي فككها «تارد»، منطق انتقال العادات من الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا، وهي في صميم موضوع هذا الكتاب، إذ يقول: «ويكفي أن نعرف في أي اتجاه يسير التيار الرئيسي لنماذج التفكير والسلوك لكي نحدد مركز السلطة الحقيقية، ولا شيء أسهل من هذا التحديد إذا كانت الدولة تقوم على نظام أرستقراطي؛ إذ نلاحظ دائماً وفي كل مكان أن النبلاء يقلدون الملوك والحكام، وأن الشعب يقلد النبلاء بمجرد أن يصبح هذا التقليد في إمكانه، وقد حدث ذلك في فرنسا أيام لويس الرابع عشر (1638 - 1715م)، ووصف سان سيمون تلك الظاهرة بقوله: إنها جرح لا يلبث حين يتغلغل في الجسم وأن يصبح سرطاناً يسري بين الأفراد؛ وذلك لأنه ينتقل إليهم سريعاً من البلاط إلى باريس، ثم إلى الأقاليم، ثم إلى مجموعات الشعب».
ويتوقف «تارد» عند هذه الملاحظة ليؤكد على تسلسلها من أعلى إلى أدنى، وأنها شاملة، وليست منحصرة على سلوك محدد: «إن الدور الرئيسي الذي كانت تلعبه طبقة النبلاء، وسمتهم المميزة هي أنهم كانوا يمثلون طابع المبادأة أو على الأقل تيار الاختراع، وقد ينبع الاختراع من بين صفوف الشعب، ولكنه لكي ينتشر يحتاج إلى قمة اجتماعية ينحدر منها، كما ينحدر الماء من المسقط ليفيض بعد ذاك في الأنهر والقنوات. وفي كل زمان ومكان كانت الطبقة الأرستقراطية هي الطبقة المتفتحة لتلقي كل جديد من الخارج، كما كان وضعها يؤهلها لاستيراده». ويشرح تارد نظرية التقليد بأنها تنتقل من المركز إلى الأطراف، وتبدأ من العواصم لتنتقل إلى القرى.
ويرى الشقير أخيراً أنه يمكن القول بأن مشاكلة الناس لزمانهم اليوم لا تزال ظاهرة مستمرة، ولكن المجتمع يعيد إنتاجها بحسب الإمكانات المتاحة في كل عصر، وقد اتخذت اليوم شكلاً جديداً مختلفاً عن زمان الأمس، وصار طابع المشاكلة يتغير بصفة دورية وسريعة متضمنة توفير بدائل لها في الموضة والعادات، ولكنها بدائل خاضعة لسيطرة الشركات المتنفذة والموجهة لسلوك الأفراد.
كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة