أنقرة تواصل الاقتراض من الأسواق المحلية... وتتحدث عن زيادة النمو

ميزانية الرئاسة التركية تكشف عن تحويل 142 مليون دولار إلى أوقاف قريبة من إردوغان

واصلت الحكومة التركية عقد مزادات الاقتراض من الأسواق المحلية لمواجهة الأزمة الحادة الناجمة عن انهيار الليرة (أ.ف.ب)
واصلت الحكومة التركية عقد مزادات الاقتراض من الأسواق المحلية لمواجهة الأزمة الحادة الناجمة عن انهيار الليرة (أ.ف.ب)
TT

أنقرة تواصل الاقتراض من الأسواق المحلية... وتتحدث عن زيادة النمو

واصلت الحكومة التركية عقد مزادات الاقتراض من الأسواق المحلية لمواجهة الأزمة الحادة الناجمة عن انهيار الليرة (أ.ف.ب)
واصلت الحكومة التركية عقد مزادات الاقتراض من الأسواق المحلية لمواجهة الأزمة الحادة الناجمة عن انهيار الليرة (أ.ف.ب)

واصلت الحكومة التركية عقد مزادات الاقتراض من الأسواق المحلية لمواجهة الأزمة الحادة الناجمة عن انهيار الليرة. وأعلنت وزارة الخزانة والمالية التركية، في بيان أمس، أنها اقترضت مبلغ 12.31 مليار ليرة تركية (2.15 مليار دولار) من الأسواق المحلية، مشيرة إلى أن المزاد الأول تم إجراؤه على سندات كوبون صفرية لمدة 14 شهراً (الإصدار الأول) بلغ مجموعها 9.73 مليار ليرة تركية (1.7 مليار دولار).
وبلغ إجمالي العطاء على السندات 12.7 مليار ليرة تركية (2.2 مليار دولار) بمعدل قبول 76.4 في المائة. وستتم تسوية السندات اليوم الأربعاء وتستحق في 16 سبتمبر (أيلول) 2020، في حين تم قبول سعر الفائدة على السندات لمدة 434 يوماً بمعدل 25.02 في المائة.
وفي المزاد الثاني، اقترضت وزارة الخزانة والمالية التركية نحو 2.59 مليار ليرة تركية (452.3 مليون دولار) عن طريق إصدار سندات حكومية مدتها 5 سنوات (إصدار جديد نصف سنوي) تتم تسويتها اليوم أيضاً وتستحق في 5 يونيو (حزيران) 2024.
وبلغ إجمالي العطاء على السندات 3.34 مليار ليرة تركية (582.9 مليون دولار)، بنسبة قبول 77.6 في المائة.
وقالت وزارة الخزانة إن سعر الفائدة للسندات ذات أجل 1792 يوماً قد تم قبوله عند 2.07 في المائة، بينما كانت أسعار الفائدة البسيطة والمركبة السنوية 4.13 في المائة و4.17 في المائة على التوالي.
ووفقاً لاستراتيجية الوزارة للاقتراض، من المتوقع أن تعقد وزارة الخزانة 14 مزاد سندات وبيع مباشر حتى سبتمبر المقبل، لاقتراض نحو 36.5 مليار ليرة تركية (6.3 مليار دولار) من الأسواق المحلية.

توقعات بتحقيق 4.3 % نمواً اقتصادياً
على صعيد آخر، قالت الوزارة إنها تتوقع تحقيق نمو اقتصادي حقيقي سنوي نسبته 4.3 في المائة في المتوسط، في الفترة ما بين 2019 و2023، وذلك في إطار خطة تنمية مدتها 5 سنوات تهدف إلى تعزيز الكفاءة والتنافسية.
وتراجع نمو الاقتصاد التركي بشدة العام الماضي ليصل إلى 2.6 في المائة بدلا من 7.4 في المائة خلال العام السابق عليه. وانكمش اقتصاد تركيا 2.6 في المائة في الربع الأول من العام الحالي بعدما سجل انكماشا بلغ 3 في المائة في الربع الأخير من 2018، في أعقاب أزمة الليرة العام الماضي التي فقدت فيها 30 في المائة من قيمتها مقابل الدولار، وقفز التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت نسبة 25 في المائة.
وبحسب خطة التنمية، سيشهد العام الأول «إعادة توازن»، ثم تعقبه معدلات نمو صعودية. ومن المستهدف أن يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.08 تريليون دولار بحلول 2023، بحسب الخطة، مقارنة مع 784.09 مليار دولار في 2018.
وتتوقع الخطة أن تصل الصادرات السنوية إلى 226.6 مليار دولار في 2023، مقابل صادرات بلغت 168 مليار دولار في 2018. كما تتوقع أن يصل معدل البطالة إلى 9.9 في المائة في نهاية 2023، وأن تتمكن تركيا من توفير 4.3 مليون وظيفة إضافية خلال تلك الفترة.
ومن المتوقع أن يبلغ عجز ميزان المعاملات الجارية، الذي يشكل مبعث قلق لكثير من خبراء الاقتصاد ويدفع تركيا للاعتماد على تدفقات النقد الأجنبي، 9.9 مليار دولار بحلول 2023.
وسجل ميزان المعاملات الجارية عجزاً قدره 27.63 مليار دولار في نهاية 2018، في حين يبلغ معدل البطالة حالياً أكثر من 14 في المائة، وتستهدف الخطة أيضاً وصول التضخم السنوي لأسعار المستهلكين إلى 5 في المائة بحلول 2023. وكان التضخم بلغ 15.72 في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي. وتصدر تركيا خططاً خمسية للتنمية منذ الستينات من القرن الماضي.
وكانت وكالة «موديز» الدولية للتصنيف الائتماني خفضت الأسبوع قبل الماضي، التصنيف السيادي لتركيا إلى درجة «عالية المخاطر»، وقررت تخفيضه من درجة «بي إيه 3» إلى «بي1»، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية «سلبية».
وأرجعت «موديز» قرارها إلى ارتفاع مخاطر استمرار أزمة ميزان المدفوعات، وارتفاع مخاطر عجز الحكومة عن السداد. وقالت إن تركيا لم تعانِ خلال الفترة الماضية من أزمة انخفاض الليرة فحسب، «لكن مصيراً مؤلماً ينتظر اقتصادها في الفصول المقبلة».
وعلى صعيد المقارنة الفصلية، استطاع الاقتصاد التركي أن ينمو في الربع الأول بـ1.3 في المائة مقارنة مع الربع الأخير من العام الماضي. وقال خبراء إن النمو جاء مدفوعاً بالإجراءات التحفيزية التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قبيل الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي، متوقعين أن تأثيرها سيكون مؤقتاً.

استمرار تداعيات إقالة محافظ البنك المركزي
إلى ذلك؛ استمرت تداعيات قرار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بإقالة محافظ البنك المركزي التركي مراد شتينكايا يوم السبت الماضي، بسبب ما قال إنه «عدم انصياع شتينكايا المتكرر لمطالبه بخفض سعر الفائدة البالغ 24 في المائة»، والذي كان البنك رفعه إلى هذا المستوي في سبتمبر (أيلول) 2018 بسبب تدهور الليرة وارتفاع التضخم بصورة قياسية غير مسبوقة.
وهاجم سزائي تمللي، الرئيس المشارك لـ«حزب الشعوب الديمقراطي» التركي المعارض، إردوغان لعزله محافظ البنك المركزي، وقال: «إذا كان إردوغان يرغب في خفض معدلات الفائدة، فعليه أن يرحل عن الحكم وستنخفض الفائدة من تلقاء نفسها».
وأضاف المعارض التركي، في تجمع لأنصار حزبه، أن «انهيار تركيا هو النتيجة الحتمية للسياسات التي يتبعها النظام الحاكم»، لافتاً إلى أن رفض محافظ البنك المركزي تعليمات إردوغان، وامتناعه عن خفض معدلات الفائدة، «أصابه (إردوغان) بالجنون، لأن في خفض الفائدة نجاة له وللمحيطين به حتى ولو كان ذلك على حساب الاقتصاد».

شبهات فساد مالي
في سياق مواز، كشف التقرير السنوي لرئاسة الشؤون الاستراتيجية والميزانية برئاسة الجمهورية التركية لعام 2018 تحويل 818 مليون ليرة (نحو 142 مليون دولار) من خزانة الحكومة إلى أوقاف وجمعيات أهلية يسيطر عليها مقربون من الرئيس رجب طيب إردوغان.
وأشار التقرير، الذي نقلته بعض وسائل الإعلام، إلى تحويل هذه المبالغ الهائلة إلى الجمعيات، على مدى عام عقب تطبيق النظام الرئاسي في تركيا في يونيو (حزيران) 2014 بهدف مساعدتها، دون أن يذكر أي تفاصيل حول أسماء الأوقاف والجمعيات التي حصلت على مساعدات مادية، من خزانة الدولة أو المجالات التي تعمل بها.
وأوضح أن حصة التحويلات الجارية في الميزانية ارتفعت من 21.2 في المائة عام 2002 عندما وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة، إلى 38.9 في المائة عام 2018، فيما زادت نفقات مؤسسة التضامن الاجتماعي بنسبة 13 في المائة من 346.2 مليار ليرة إلى 391.3 مليار ليرة تركية.
وأظهر التقرير أن الوزارات التي حققت أكبر قدر من التحويلات للأوقاف والجمعيات، هي وزارة التربية والتعليم التركية بمبلغ قدره 171.7 مليون ليرة تركية، تتبعها وزارة الثقافة والسياحة بمبلغ قدره 129.4 مليون ليرة تركية، ثم وزارة الصحة بمبلغ 121.8 مليون ليرة تركية.
ونشر أعضاء مجلس بلدية إسطنبول المنتمون لـ«حزب الشعب الجمهوري»، في وقت سابق، تقريراً ذكروا فيه أن البلدية قدمت مساعدات مبالغاً فيها إلى أوقاف وجمعيات قريبة من إردوغان وأسرته بلغت 847 مليون ليرة.
ورغم عدم كشف التقرير أي تفاصيل عن هذه الجمعيات والأوقاف المنتفعة من هذه التحويلات، فإن كثيراً من وسائل الإعلام المحلية ذكرت أن جميعها تخص المقربين من إردوغان وحزب العدالة والتنمية، مثل وقف «الشباب التركي» التابع لـ«بلال إردوغان» نجل الرئيس التركي، ووقف «فريق تركيا التكنولوجي» التابع لصهر الرئيس وزير الخزانة والمالية برات ألبيراق، ووقف «خدمة الشباب والتعليم التركي»، ويضم مجلس إدارته إسراء إردوغان (ابنة الرئيس التركي)، ووقفي «الأنصار»، و«رماة الأسهم».
وكشف تقرير رقابي، صدر في مارس (آذار) الماضي عن ديوان المحاسبة التركي، فساداً وإهداراً كبيراً للأموال في جميع المؤسسات، وإدارات البلديات التركية التابعة لحزب العدالة والتنمية، تضمنا رشوة ومحسوبية وكسباً غير مشروع.
ولفت التقرير إلى تفشي المجاملات ومحاباة الأصدقاء والأقارب في التوظيف في تلك المؤسسات والبلديات، كما رصد أشكالاً كثيرة لأساليب الكسب غير المشروع، ومخالفة القانون، التي تحولت إلى ممارسة معتادة في البلديات.
وبالإضافة إلى هذه التقارير، قام عدد من الرؤساء الجدد لبعض هذه البلديات المنتمين للمعارضة ممن فازوا بمناصبهم في الانتخابات المحلية الأخيرة، بكشف ديون ومخالفات مالية جسيمة ارتكبها الرؤساء السابقون لتلك البلديات من المنتمين للحزب الحاكم.



النرويج لرفع الحظر على استثمارات صندوقها الأكبر في العالم في السندات السورية

لا تعني خطوة النرويج تلقائياً أن صندوق ثروتها سيستثمر في سندات الحكومة السورية لكن القرار يشير إلى درجة من الدعم لسياسات الحكومة الحالية (رويترز)
لا تعني خطوة النرويج تلقائياً أن صندوق ثروتها سيستثمر في سندات الحكومة السورية لكن القرار يشير إلى درجة من الدعم لسياسات الحكومة الحالية (رويترز)
TT

النرويج لرفع الحظر على استثمارات صندوقها الأكبر في العالم في السندات السورية

لا تعني خطوة النرويج تلقائياً أن صندوق ثروتها سيستثمر في سندات الحكومة السورية لكن القرار يشير إلى درجة من الدعم لسياسات الحكومة الحالية (رويترز)
لا تعني خطوة النرويج تلقائياً أن صندوق ثروتها سيستثمر في سندات الحكومة السورية لكن القرار يشير إلى درجة من الدعم لسياسات الحكومة الحالية (رويترز)

أظهرت وثيقة أن النرويج سترفع الحظر المفروض على استثمارات صندوق الثروة السيادي الخاص بها والبالغ حجمه 2.2 تريليون دولار في السندات الحكومية السورية، في مؤشر جديد على عودة دمشق إلى الساحة المالية العالمية بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، وفقاً لـ«رويترز».

وفي الوقت نفسه، تعتزم الدولة الاسكندنافية منع أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم من الاستثمار في السندات الحكومية الإيرانية في خطوة رمزية إلى حد ما بالنظر إلى العقوبات الصارمة المفروضة بالفعل على إيران.

ويشير القرار الذي كشفت عنه وثيقة حكومية لم يسبق نشرها إلى دعم حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، التي تولت السلطة في أواخر عام 2024.

ويسعى الشرع إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والتجارة الدولية بعد حرب أهلية استمرت أكثر من 10 سنوات، فضلاً عن العقوبات والعزلة المالية. ورُفعت العقوبات الأميركية الأكثر صرامة في ديسمبر (كانون الأول).

مستثمر رئيسي

يستثمر صندوق الثروة النرويجي عائدات الدولة من إنتاج النفط والغاز في الأسهم والسندات والعقارات ومشاريع الطاقة المتجددة في الخارج.

وحاليا، تُخصص 26.5 في المائة من استثمارات الصندوق في أدوات الدخل الثابت، معظمها في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.

وتشير وثيقة داخلية جرى الكشف عنها، وفقاً لـ«رويترز»، بموجب طلب يتعلق بحرية تداول المعلومات، إلى أن الحكومة النرويجية تحظر على الصندوق الاستثمار في بعض السندات الحكومية. لكن القائمة تتغير.

وجاء في محضر اجتماع عُقد في 28 يناير (كانون الثاني) بين وزارة المالية والهيئة الرقابية للأخلاقيات التابعة للصندوق أن «الوزارة أُبلغت بأنه جرى إجراء تقييم جديد لتحديد الدول التي يشملها حظر (الاستثمار في) السندات الحكومية».

وورد فيه أيضاً أنه «جرى إدراج إيران في قائمة الدول التي يسري عليها حظر (الاستثمار في) السندات الحكومية، وحذف سوريا منها». وذكر أحدث تقرير حكومي عن الصندوق، الذي قُدم إلى البرلمان في 27 مارس (آذار) ولم يُناقش بعد، أن قائمة الحظر الحالية للاستثمار في السندات الحكومية تشمل إيران وكوريا الشمالية وروسيا وروسيا البيضاء.

في المقابل، ذكر التقرير الخاص بعام 2025 أن قائمة الحظر تشمل كوريا الشمالية وسوريا وروسيا وروسيا البيضاء.

ويشير كلا التقريرين إلى أن الحكومة تجري تقييمات دورية لقائمة الحظر في ضوء العقوبات الدولية السارية في ذلك الوقت.

إشارة دعم

شمل دمج سوريا مجدداً في النظام المالي العالمي تفعيل حساب البنك المركزي لدى بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك للمرة الأولى منذ عام 2011، مما يمهد الطريق لتوسيع العلاقات المصرفية الدولية في إطار الجهود الرامية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وبناء اقتصادها بعد حرب دامت 14 عاماً.

ولا تعني خطوة النرويج تلقائياً أن صندوق ثروتها سيستثمر في سندات الحكومة السورية، إذ تشير بيانات الصندوق إلى أنه لا يمتلك أي استثمارات في مجال الدخل الثابت في أي دولة في الشرق الأوسط، لكن القرار يشير إلى درجة من الدعم لسياسات حكومة الرئيس الشرع.

والصندوق أحد أكبر المستثمرين في العالم، وغالباً ما دفعت قراراته الآخرين إلى الاقتداء به، مثل قراره بالتخلي عن الاستثمار في الشركات التي تستمد 30 في المائة أو أكثر من إيراداتها من إنتاج الفحم.


البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في وقتٍ تتقاذف فيه أمواج التوترات الجيوسياسية استقرار الممرات المائية الحيوية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الطموحات الاقتصادية الكبرى في منطقة الخليج على الصمود أمام اختبار مضيق هرمز، الذي يمثل «شريان حياة» لا غنى عنه للاقتصاد العالمي، وفق رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي، روبرتا غاتي. وحذّرت، في حديث مع «الشرق الأوسط»، من أن التوترات الجيوسياسية الراهنة تضع طموحات التنوع الاقتصادي في المنطقة أمام اختبار حقيقي، مشددة، في المقابل، على الدور المركزي الذي تلعبه السعودية في أسواق الطاقة العالمية، من خلال تدابيرها لتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد. وأوضحت أن جهود المملكة لا تخدم المُصدّرين فحسب، بل تمتد آثارها الإيجابية لتشمل التضخم والتجارة والنمو العالمي.

كان البنك الدولي قد أصدر، الأسبوع الماضي، تقريراً، قبيل اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، ثبّت فيه اقتصاد السعودية عند موقع الصدارة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة خلال 2026، ليبرز بوصفه أكثر اقتصادات الخليج قدرةً على التعايش مع تداعيات الأزمة الجيوسياسية الراهنة، وذلك رغم المراجعة الحادة التي طالت تقديرات المنطقة. كما أظهرت البيانات الواردة في التقرير أنه من المتوقع أن يتقلص عجز المالية العامة بمقدار النصف إلى 3 في المائة، من 6 في المائة خلال 2025، بالتزامن مع تحول ميزان الحساب الجاري من المنطقة السالبة إلى تحقيق فائض ملموس من -2.7 في المائة إلى 3.3 في المائة.

رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي (البنك)

وابتداءً من يوم الاثنين الماضي، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية؛ في محاولة لتصعيد الضغط على إيران من أجل إعادة فتح الممر النفطي الحيوي بعد انهيار مفاوضات السلام في باكستان، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ويُتوقع أن تستأنف هذه المفاوضات خلال الأيام المقبلة.

وشددت غاتي على أن المملكة «تلعب دوراً مركزياً، الدور المركزي للمملكة يبرز، اليوم، في أسواق الطاقة العالمية»، وعَدَّت أن جهودها لتعزيز المرونة «تكتسب أهمية خاصة في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين حول مضيق هرمز». وقالت: «إن التدابير التي تُعزز موثوقية سلاسل إمدادات الطاقة - سواء من خلال الاستثمار في البنية التحتية، أم طرق التصدير البديلة، أم الطاقة الاحتياطية - يمكن أن تساعد في الحد من مخاطر تحوُّل مثل هذه الصدمات إلى اضطراب عالمي أوسع نطاقاً. وتكتسب هذه الجهود أهمية؛ ليس فقط للحد من التقلبات لصالح المصدّرين، بل أيضاً بالنسبة للتضخم والتجارة والنمو العالميين».

التنوع الاقتصادي واختبار الصمود

وقالت غاتي إن الصراع الحالي سلّط الضوء، بشكل مباشر، على الأهمية الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي، وهو الهدف الجوهري الذي تتبناه خطط التنمية الوطنية ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشارت إلى أن البيانات المسجّلة، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي مع بدء حرب إيران، تعكس هذا التفاوت بوضوح، «حيث شهدت الاقتصادات الأكثر تنوعاً نسبياً، مثل الإمارات المتحدة والبحرين، انخفاضاً في توقعات نموّها بنسب أقل بكثير، مقارنة بالاقتصادات الأقل تنوعاً مثل قطر والكويت». وردَّت التراجع الحاد في توقعات الأخيرتين إلى «اعتمادهما الكبير على مضيق هرمز كمسار وحيد للتجارة وصادرات الطاقة، في ظل غياب أي طرق تصدير بديلة قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية».

ويتوقع البنك الدولي أن يسجل اقتصاد قطر انكماشاً بواقع 5.7 في المائة، وهو ما يعني تراجعاً من توقعات البنك السابقة بمقدار 11 نقطة مئوية، نتيجة الأضرار التي لحقت إمدادات الغاز المُسال. كما يتوقع أن يواجه الاقتصاد الكويتي انكماشاً أكبر بواقع 6.4 في المائة؛ نظراً لاعتماده بنسبة 100 في المائة على هرمز لتصدير النفط، مما يجعل إغلاق المضيق بمنزلة توقف كامل لشريان الحياة المالي للدولة. في المقابل، يتوقع أن تسجل اقتصادات الإمارات وسلطنة عُمان نمواً متوقعاً 2.4 في المائة لكل منهما، والبحرين ما نسبته 3.1 في المائة.

في هذا السياق، تؤكد غاتي أن استراتيجيات «الرؤية» الوطنية تظل خياراً مناسباً وحيوياً؛ نظراً لاستكمالها أهداف تقليل الاعتماد الهيكلي على الهيدروكربونات وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو. إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تنفيذ هذه الاستراتيجيات يظل «حساساً» تجاه الصدمات الخارجية، مع ظهور آثار متفاوتة عبر المنطقة؛ فالاقتصادات الأكثر تنوعاً تميل إلى أن تكون أكثر مرونة بفضل امتلاكها احتياطات مالية أقوى وقطاعات غير نفطية أكثر عمقاً.

وتُنبه غاتي إلى أن نوعية القطاعات التي يشملها التنويع تلعب دوراً حاسماً في مستويات الصمود؛ فبينما أبدت قطاعات مثل الخدمات المصرفية والمالية مناعة أكبر، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يؤدي إلى إضعاف شهية الاستثمار وزيادة الاضطراب في قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجيستية، وهي المجالات التي كانت تشهد توسعاً سريعاً ومحورياً في خطط التنويع الاقتصادي بالمنطقة.

ميناء ينبع التجاري أحد المنافذ البحرية المهمة للسعودية في الفترة الراهنة (موانئ)

«فقر الطاقة»

تنتقل روبرتا غاتي، في تحليلها، إلى الجانب الأكثر قتامة لتقلبات أسواق الطاقة، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط يفرض ضغوطاً مركبة على الدول النامية المستوردة؛ إذ يُترجم فوراً إلى ارتفاع في تكاليف الكهرباء والنقل العام، وصولاً إلى زيادة أسعار المواد الغذائية المرتبطة بارتفاع تكلفة الأسمدة. وتؤكد أن هذه الضغوط تؤدي حتماً إلى اتساع العجز التجاري وزيادة استنزاف الموازنات العامة، خاصة في الدول الفقيرة ذات الاحتياطات المحدودة، والتي تضطر لتحمُّل تكاليف مالية باهظة إذا حاولت دعم أسعار الطاقة لتخفيف العبء عن مواطنيها.

وتُنبه غاتي إلى أن الطاقة الموثوقة والميسورة ليست مجرد خدمة، بل هي عصب الحياة للأُسر والشركات على حد سواء، لذا فإن تقلبات أسواق الوقود والغاز تُسدد «ضربة مزدوجة» لهذه الاقتصادات؛ فبينما تكافح الأُسر لتأمين احتياجاتها الأساسية، تواجه الشركات طاقة مكلفة وغير موثوقة، مما يجعل التوسع الصناعي عملية أبطأ، وأكثر خطورة، وأقل تنافسية. وبموجب هذا المنطق، فإن الارتفاعات الحادة في الأسعار على المدى القصير لا تكتفي بآثارها اللحظية، بل قد تؤدي إلى تعطيل «التحول الهيكلي» طويل الأمد في الاقتصادات الفقيرة طاقياً.

وخلصت إلى أن قدرة أي اقتصاد على الصمود أمام صدمات النفط والغاز ترتبط طردياً بمدى انكشاف هياكله الاقتصادية؛ حيث تلعب درجة الاعتماد على الطاقة المستوردة، وكثافة استهلاك القطاعات الإنتاجية، ومدى مرونة استجابة المستهلكين والحكومات لارتفاع الأسعار، الدور الحاسم في تحديد حجم الضرر أو القدرة على التعافي.

«فاتورة» المسارات البديلة لتأمين الطاقة

عند الحديث عن ضرورة الاستثمار في ممرات برية أو خطوط أنابيب تتجاوز المضائق البحرية الضيقة، تؤكد غاتي أن القرار يتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة الاقتصادية والقدرة على الصمود. فمن منظوريْن جغرافي وفني، يظل تصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز هو «الخيار الأكثر كفاءة» من حيث التكلفة، لكن الصدمات الراهنة تفرض تنويع طرق التجارة كضرورة لا مفر منها لتوفير المرونة.

وتستعرض غاتي أمثلة متباينة لهذا الصمود في المنطقة؛ حيث تبرز السعودية نموذجاً رائداً بقدرتها على تحويل جزء من صادراتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر خط أنابيب «شرق -غرب» بسعة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً. وبالمثل، تمتلك الإمارات خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» بسعة تُقارب 1.8 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، تظهر التحديات في حالات أخرى مثل خط أنابيب «كركوك-جيهان» الرابط بين العراق وتركيا، والذي لا يعمل إلا بكسر من طاقته الإجمالية (0.4 مليون برميل يومياً من أصل 1.5 مليون) بسبب تأخر الإصلاحات داخل الأراضي العراقية، مما يحدّ من خيارات بغداد الاستراتيجية.

نهاية عصر «الكفاءة وحدها»

وفيما يخص مرونة سلاسل التوريد، تشير غاتي إلى أن العالم يمر باختبار قاسٍ بدأ بجائحة «كوفيد-19»، وصولاً إلى صراعات المنطقة، وهي أحداث كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على شبكات إنتاج مركزة جغرافياً. وتؤكد غاتي أن الدرس الأهم من هذه الأزمات هو أن «الكفاءة وحدها لم تعد كافية»؛ إذ باتت الحكومات والشركات بحاجة ماسة إلى بناء احتياطات، وتنويع المصادر، وزيادة المخزونات للسلع الحيوية، وتطوير أنظمة لوجستية أكثر مرونة.

وكشفت كبيرة اقتصاديي البنك الدولي عن وجود أُطر عمل وأبحاث مكثفة لدعم الدول في هذا التحول؛ مُحيلةً إلى «تقرير التنمية العالمية 2020»، الذي رصد تحديات البلدان النامية في عصر سلاسل القيمة العالمية. كما أعلنت ترقب صدور تقرير جديد ومهم بعنوان «الموارد من أجل المرونة: التنويع الاقتصادي لمصدّري النفط والغاز»، والذي سيقدّم خريطة طريق للمصدّرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ حول كيفية تنويع قدراتهم الاقتصادية لتجاوز تقلبات الممرات المائية والاضطرابات المفاجئة.


برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
TT

برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي

برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أقرّ مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة إستراتيجية الصندوق 2026 - 2030، التي تُعد استكمالًا لتوجهه طويل الأمد، حيث سيركز الصندوق على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرة تنافسية عالية، بما يدعم التكامل بين القطاعات وتعظيم قيمة الأصول الإستراتيجية واستدامة العوائد، ومواصلة مسيرة التحوّل الاقتصادي في المملكة وتعزيز جودة حياة مواطنيها.