تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و«أخونة»

محاولات توسيع نفوذها تهدد الأمن العربي

تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و«أخونة»
TT

تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و«أخونة»

تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و«أخونة»

أوجدت تركيا لنفسها «مساحة نفوذ» على الجانب الغربي من الأراضي الليبية. ومن ثم، دعمت هذه «المساحة» مبكراً بفتح خط ساخن مع تنظيم الإخوان المسلمين، وعناصر الجماعة الليبية المقاتلة، فآوت أمراء الحرب الفارين من المعارك، وعالجتهم في مشافيها، وجعلت من أراضيها نقطة انطلاق لفضائيات «التكفير والتحريض».
ومع دوران عجلة الاقتتال في الضاحية الجنوبية للعاصمة طرابلس قبل ثلاثة أشهر، زادت من تحديها فدعمت بالسلاح الميليشيات المؤدلجة، سراً وجهراً، في خرق واضح لقرارات مجلس الأمن الدولي، لكن مجلس النواب في شرق ليبيا اعترض على ما وصفه بـ«التدخل السافر»، وطالب بعقد جلسة طارئة لجامعة الدول العربية.

التحرّك التركي باتجاه ليبيا جاء سريعاً...على أنقاض انهيار نظام معمر القذافي.
جاء قبل ثماني سنوات، بحثاً عن «مؤيدين جدد»، والمساهمة في إعادة رسم خريطة تشكيل ليبيا على النحو الذي يتوافق مع رغبة الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي يتمتع اليوم بصلاحيات واسعة وطموح أوسع. وكانت الحصيلة إشراع أبواب تركيا للجماعات المتشددة، بالتوازي مع تقوية شوكة تنظيم الإخوان المسلمين، والسماح لمتطرفين - بل وإرهابيين معروفين - ليبيين باستخدام الأرضي التركية في حربهم الهادفة للهيمنة على بلادهم.
تدخلات أنقرة في ليبيا، وفقاً لنواب برلمانيين واختصاصيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، بدأت منذ اندلاع «انتفاضة» 17 فبراير (شباط) عام 2011، منذ ذلك التاريخ قيادات يتهمها القضاء الليبي بـ«التورّط في جرائم عنف وإرهاب والإضرار بالأمن القومي»، مثل عبد الحكيم بلحاج، المتهم من قبل «الجيش الوطني الليبي» بأنه «استولى خلال عام 2011 على أموال طائلة»، بالإضافة إلى علي الصلابي، الذي تربطه علاقة قوية بـ«الجماعة الليبية المقاتلة» والمُدرج اسمه في «قوائم الإرهاب». كذلك تستضيف أنقرة قيادات ينتمون لما يسمّى «مجلس شورى بنغازي» المصنّف «تنظيماً إرهابياً»، ومنهم أحمد المجبري، وطارق بلعم.

- علاج «الدواعش»
الدوافع والأدوار التي تلعبها أنقرة في ليبيا كثيرة. فهي من ناحية لم تكتف باحتضان المتطرفين، وفتح أبواب أنقرة على مصراعيها أمامهم، بل إنها تتدخل بشكل، وصفه المتحدث باسم «الجيش الوطني» اللواء أحمد المسماري «يمثل خطورة على البلاد»، من خلال دعم التيارات المتطرفة والجماعات المسلحة. ورأى المسماري أن تركيا استغلت الأوضاع الأمنية في ليبيا ونقلت عناصر إرهابية من (جبهة النصرة) في سوريا إلى جبهات القتال في العاصمة طرابلس لمواجهة «الجيش الوطني»، والشيء ذاته تطرق إليه وزير خارجية الحكومة المؤقتة عبد الهادي الحويج، بقوله إن «تركيا تنقل مقاتلي النصرة إلى بلادنا وبأعداد كبيرة».
للدلالة على اتساع الدور التركي في ليبيا، كشف المسماري عن أن أنقرة متورّطة في مساندة عناصر إرهابية ضالعة ضد القوات المسلحة، وذهب إلى أنها (تركيا) «تقاتل منذ عام 2014 مع الجماعات الإرهابية في بنغازي ودرنة وغيرها من المدن». وكان «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر قد شنّ عام 2014 عملية أُطلق عليها «الكرامة» ضد ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي» الذي تقوده جماعة «أنصار الشريعة» المصنفة منظمة إرهابية لدى الأمم المتحدة وعدد من الدول. كذلك تصدى «الجيش» لميليشيات «فجر ليبيا» التي هي تحالف ميليشيات ذات توجه إسلامي كانت تضم «درع ليبيا الوسطى» وغرفة «ثوار ليبيا»، بالإضافة إلى ميليشيات إخوانية.
ولا تتوقّف اتهامات المسماري لأنقرة، عند نقلها مقاتلين من سوريا إلى طرابلس، بل تحدث عن أن جرحى الجماعات المتشددة الذين أصيبوا في معارك سابقة مع الجيش، كانوا يتلقون العلاج في تركيا... إذ يشير إلى أن «أحد الإرهابيين الذي يعمل لصالح ميليشيات الإخوان تورط في الإشراف على علاج عناصر (داعش) في مستشفيات تركيا». وهو ما توافق مع تقارير إعلامية سابقة تناقلتها وسائل إعلام محلية، كشفت أن كثيرا من المتطرفين تلقوا العلاج في إسطنبول.

- حلم إردوغان
على المسار نفسه، كرّست الدبلوماسية التركية في ليبيا خلال السنوات الماضية حالة من الانحياز البيّن لتنظيم الإخوان المسلمين، إذ كثف السفير التركي لدى البلاد سرهات أكسين، زياراته المتعددة إلى منزل عبد الرحمن السويحلي، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة. والسويحلي لا يتمتع حالياً بأي صفة رسمية باستثناء كونه مناوئاً لحفتر، كما يصفه كثيرون بأنه رجل قطر في ليبيا، ما دفع سعيد إمغيب، رئيس مجلس النواب الليبي، لوصف ذلك بمحاولات تركية «للعب على وتر تنظيم الإخوان». وتابع إمغيب في حديث إلى «الشرق الأوسط» أبعد، فقال إن الرئيس التركي إردوغان «لم يجد وسيلة لتحقيق حلمه إلا عن طريق هذا التنظيم الإرهابي، الذي تحكّم في مفاصل الدولة بعد ثورة 17 فبراير، واستعان بتركيا منذ الأيام الأولى لـ(الثورة) عن طريق التواصل عبر بعض سكان مدينة مصراتة من أصول التركية». واعتبر إمغيب أن إردوغان «يسعى حالياً إلى التحكم في ليبيا، والسيطرة على كل الموارد الطبيعية وتحويل بلادنا إلى دولة تابعة لبلاده».
وحقاً، حرص إردوغان منذ الإرهاصات الأولى لـ«ولادة الدولة الجديدة»، على استضافة سياسيين ونواب ينتمي أغلبهم إلى المنطقة الغربية (طرابلس ومحيطها)، في قصر الرئاسة بتركيا، على رأسهم السويحلي، وخلفه في رئاسة المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، أحد مؤسسي حزب «العدالة والبناء» الذي هو الذراع السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا. بيد أن الدكتور كرم سعيد، الباحث في الشأن التركي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أرجع ذلك إلى أن تركيا «تراهن على المجلس الرئاسي بقيادة فائز السراج، ومعه فصائل التيار الإسلامي، لإعادتها إلى الساحة الليبية مجدداً». وما يُذكر أنه إبان عهد القذافي، كانت ليبيا سوقاً مهمة لقطاع البناء التركي، كما ضخت أنقرة أموالاً في المؤسسات الليبية للاستثمار قبل توقفها عقب سقوط القذافي. ولكن مع اتساع قبضة «الجيش الوطني» على مزيد من الأراضي الليبية، فضلاً عن منطقة الهلال النفطي وحقول النفط في الجنوب، بدلت أنقرة مواقفها وقناعاتها، وهو ما دفعها للتعويل على التيارات المتشددة والمجموعات المسلحة على أمل أن يكون لها دور في البلد الغني بالنفط.

- سلاح... وإعمار... ونفط
الرهانات التركية تلك نظر إليها سعيد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على أنها «تمثل تهديداً للأمن العربي برمته». وأردف قائلا: «إردوغان لديه أطماع اقتصادية، فهو من جهة، يبتغي من دعم السراج وميليشيات مصراتة فرصة لفتح سوق للسلاح التركي، وفي هذا انتهازية سياسية واضحة، إذا ما وضعنا في الحساب أنها (تركيا) تصدر سلاحاً بـ6 مليارات دولار أميركي في العام. وبالتالي، ترى تركيا أن الفرصة مواتية لتجريب سلاحها في مواجهة (الجيش الوطني)».
وبالفعل، فإن الشواهد على تزويد أنقرة للعناصر المتشددة في الغرب الليبي بالأسلحة كثيرة، ما يمثل انتهاكاً واضحاً للحظر الذي فرضه مجلس الأمن منذ رحيل القذافي. ففي يناير (كانون الثاني) 2018، أوقفت اليونان سفينة متجهة إلى ليبيا من تركيا تحمل مواد متفجرة. وفي يناير الماضي، اتهم البرلمان، الذي يتخذ من مدينة طبرق (شرق البلاد) مقراً له، أنقرة بدعم الإرهابيين الذين قتلوا 40 شخصاً بالقرب من مسجد في مدينة بنغازي.
وعلى الرغم من القرار الدولي 1970 الصادر عن مجلس الأمن خلال مارس (آذار) 2011، الذي طالب جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بمنع بيع أو توريد الأسلحة ومتعلقاتها إلى ليبيا، بجانب القرار 2420 - الذي يسمح للدول الأعضاء بتفتيش السفن المتجهة إلى ليبيا أو القادمة منها بهدف التصدي لدخول السلاح إلى ليبيا - كان الواقع على الأرض أمراً مختلفاً تماماً.
إلى جانب ذلك، رأى الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن تركيا «تستهدف أيضاً الحصول مستقبلاً على النصيب الأكبر من عقود إعمار ليبيا»، و«التأثير على مقاربات دول الجوار، وإزعاج مصر، بالحصول على موطئ قدم على السواحل الليبية. ومن ثم، فرض سيطرة ما على البحر المتوسط من أجل مماحكات ومضايقات تتعلق بالحقوق النفطية هناك».
وكانت مصر قد أعادت ترسيم الحدود البحرية بينها وبين قبرص في منطقة شرق المتوسط بعد ظهور اكتشافات جديدة للغاز في منطقة المياه الاقتصادية بين مصر وقبرص، وهو أمر أثار انزعاج تركيا. وللعلم، ما كانت تركيا تعارض حفتر على طول الخط، ففي أعقاب إسقاط القذافي عملت على توحيد مختلف الميليشيات المسلحة في «جيش وطني» موحّد. ومعلومٌ أن ليبيا غرقت في الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، وتفاقمت حدة الأزمة مع بدء حفتر في 4 أبريل (نيسان) عملية عسكرية على طرابلس، أعلن أنها «تستهدف القضاء على الإرهاب».
وراهناً، تدعم تركيا مشروعها في ليبيا من خلال قنوات فضائية - بعضها يتبع قيادات في تنظيم الإخوان - من بينها «ليبيا الأحرار» و«شبكة الرائد الإعلامية» و«قناة التناصح»، والأخيرة يديرها سهيل الغرياني نجل مفتي ليبيا المعزول الصادق الغرياني، وهي توصف في ليبيا بأنها «أحد أهم أبواق الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة».

- الطائرات المُسيّرة
غير أن ما كان يفعله إردوغان سراً، بتهريب السلاح إلى الجناح المتشدّد في الغرب الليبي، أصبح يرتكبه في وضح النهار وأمام الجميع. ولقد أعلنت حكومة «الوفاق الوطني» بشكل رسمي عن وصول شحنة ومدرعات تركية الصنع إلى القوات الموالية للمجلس الرئاسي، عن طريق ميناء طرابلس، وتتكوّن من أربعين ناقلة مدرعة من طراز «بي. إم. سي كيربي»، وعدد غير معروف من الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات وبنادق قنص ورشاشات. وقال المسؤول الأمني الليبي محمد المصينعي لـ«الشرق الأوسط» إن إردوغان «تجاوز قرارات أممية تستوجب الحساب والمعاقبة الدولية».
هذا، وفور توزيع الأسلحة والذخائر على الميليشيات المسلحة الموالية لـ«حكومة الوفاق»، دبّت الخلافات بين الميليشيات المسلحة في مدينة الزاوية، الواقعة غرب العاصمة طرابلس، بسبب رغبتها في الاستحواذ على عدد أكبر من المدرّعات التركية، إذ تطورت إلى معركة دامية قتل فيها مسلحان اثنان، وما زال وضع المدينة رهناً للتوتر واندلاع معارك جانبية.
وأمام تصاعد وتيرة الحرب بين «الجيش الوطني» والقوات الموالية لـ«الوفاق»، دخلت تركيا بثقلها على خط القتال الدائر بالمحيط الجنوبي للعاصمة منذ قرابة ثلاثة أشهر، وباشرت إمداد قوات السراج بطائرات مُسيّرة (درون). وحسب المتحدث باسم «الجيش الوطني» وأيضاً عدد من المراقبين، تمكنت هذه الطائرات من إحداث تغير على الأرض، خاصة بعدما خسر «الجيش» مدينة غريان، جنوب العاصمة، في معركة دامية قضى فيها عشرات المقاتلين. ودفعت هذه النكسة حفتر إلى توجيه قواته باستهداف السفن التركية في المياه الإقليمية الليبية وكل «الأهداف الاستراتيجية التركية» على الأراضي الليبية من شركات ومقار ومشاريع، رداً على ما وصفه بـ«غزو تركي غاشم» تتعرض له البلاد. وقال اللواء المسماري في حينه، إن الأوامر صدرت «للقوات الجوية باستهداف السفن والقوارب داخل المياه الإقليمية وللقوات البرية باستهداف كل الأهداف الاستراتيجية التركية»، كما «تم إيقاف جميع الرحلات من وإلى تركيا والقبض على أي تركي داخل الأراضي الليبية». وعلى الأثر، ردت أنقرة من جانبها بسرعة على لسان وزارة دفاعها، مهددة بأنه إذا وقع أي هجوم يستهدف سفنها من جانب القوات التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، فإنها ستعتبر قوات حفتر «هدفاً مشروعاً» للجيش التركي.

- الجامعة العربية
على صعيد متّصل، بدا من تصريحات إردوغان الأخيرة للصحف المحلية، أنه عازم على المضي قدماً نحو التصعيد باتجاه «الجيش الوطني» الليبي. ذلك أنه وصف حفتر، على خلفية توقيف ستة أتراك في ليبيا، بأنه «ليس أكثر من قرصان»، الأمر الذي قرأه البعض، بأن الرئيس التركي يخطط لما هو أبعد من التصريحات المستفزة. وربما يفكر قريباً في التدخل لصالح «حكومة الوفاق» بشكل أكثر قوة. غير أن مجلس النواب الليبي، ووزارة الخارجية بالحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء بـ(شرق البلاد) حذرا الحكومة التركية من «أي عمل يهدد سلامة المواطنين الليبيين أو ممتلكاتهم في الداخل والخارج».
وقالت الوزارة إن «حرب ليبيا على الإرهاب ستنتهي لا محالة بفضل بسالة (الجيش الوطني)، وإن أبناء ليبيا سيتصالحون من أجل بلادهم دون سجون ودون ميليشيات ودون فوضى السلاح ودون جريمة واتجار بالبشر ودون إرهاب». ورأت الوزارة في بيان لها أن «تركيا وكل من يدعم الخارجين عن القانون والمطلوبين محلياً ودولياً سيخسرون كل مصالحهم».
وفيما يخص مجلس النواب الليبي، أمام هذا التصعيد التركي، طالب المجلس في مذكرة رسمية بعقد جلسة طارئة لجامعة الدول العربية خلال الأيام المقبلة. وقال النائب طلال ميهوب، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان، إن لجنة الدفاع والأمن القومي تطالب الجامعة العربية بعقد جلسة طارئة لبحث ما وصف بـ«التدخل التركي» في ليبيا، واتخاذ قرارات حاسمة وإجراءات عاجلة ضد هذه التحركات المرفوضة.
يبقى القول، إن سعيد إمغيب، وهو عضو مجلس النواب عن مدينة الكفرة (جنوب شرقي ليبيا)، قال في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «محاولات إردوغان لأخونة ليبيا، تستهدف أولا توجيه السياسة في البلاد لاستخدامها فيما بعد للضغط على دول الجوار، وخاصة مصر»، بالإضافة إلى «التحكم في الموارد والثروات الطبيعية في البلاد من أجل دعم الاقتصاد التركي المترنّح بسبب سياساته الفاشلة».

- من المجنزرة إلى الـ«درون»... أسلحة في طريقها إلى ميليشيات طرابلس
> مالت تركيا بعد رحيل معمّر القذافي إلى الفصائل المسلحة، والجماعات المصنفة «إرهابية». وبدأت في إثبات حضورها ونفوذها في ليبيا من خلال استقطاب رموز تنظيم جماعة الإخوان، والتيارات المتشددة، إمّا بدعوتهم إلى القصر الرئاسي، أو دعمهم بالسلاح وفقاً لتقارير «الجيش الوطني» الليبي، منذ إطلاقه عملية «الكرامة» في عام 2014.
> لاحق سلاح الجو الليبي التابع لـ«الجيش الوطني» في يونيو (حزيران) الماضي، طائرة تركية مسيّرة أغارت على القوات، وأسقطتها أثناء هبوطها في المدرج الذي خرجت منه بقاعدة مطار معيتيقة بالقرب من الدشم العسكرية. وأعلن الجيش عن إصابة طائرة تركية من دون طيار «درون» فوق مدينة غريان، على بعد 80 كيلومتراً جنوب العاصمة طرابلس، بعد استهدافها عددا من الأحياء السكنية بشكل عشوائي.
> وصلت سفينة محملة بأسلحة وآليات عسكرية إلى ميناء طرابلس - الخاضع لسيطرة الميليشيات - في18 مايو (أيار) الماضي، آتية من ميناء صمسون التركي. والسفينة التي تحمل اسم «أمازون» ثبت أنها محملة بمجنزرات عسكرية وأسلحة متنوعة، كما أظهرت صور التقطت من على متنها.
> تمكنت السلطات الليبية من ضبط سفينة تركية محملة بالأسلحة في ميناء الخُمس (شرق العاصمة طرابلس) في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتبيّن من خلال تفتيش حمولتها وجود حاويتين حجم 40 قدما معبأة بأطنان من الأسلحة والذخائر القادمة من تركيا. وتعد هذه الواقعة الثانية خلال أقل من سنة، بعدما أُعلن في يناير ضبط سفينة تركية كانت متجهة إلى ليبيا بنحو 500 طن من المتفجرات.
> أعلن الناطق الرسمي باسم «الجيش الوطني» الليبي اللواء أحمد المسماري، في 17 مايو الماضي، أن كثيرا من قادة الإرهابيين في درنة موجودون في تركيا، ومن هناك يتلقون تعليماتهم.
> ضُبطت شحنة أسلحة مكونة من ثلاثة آلاف مسدس تركي الصنع، في ديسمبر الماضي، ما يؤشر وفقاً لمتابعين إلى أنها «لم تكن مخصصة للجيش النظامي، بل للأنشطة الإرهابية للجماعات المسلحة».
> التقى خالد المشري، الرئيس الحالي للمجلس الأعلى للدولة، يوم 19 أبريل الماضي، الرئيس التركي بقصر الرئاسة التركي. وناقش الطرفان الجهود المبذولة لتنسيق الموقف الدولي، وسبل إنجاح الحل السلمي للأزمة في ليبيا.
> استقبل إردوغان، وفدا من لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في مجلس النواب الليبي، يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وجرى اللقاء بعيداً عن عدسات وسائل الإعلام، واستغرق ساعة و20 دقيقة، ولم يصدر بعد أي بيان عن الرئاسة حول ما تناوله الجانبان خلال الاجتماع.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.