يأمل النازحون السوريون إلى تركيا في أن تكون لوصول رئيس الوزراء الجديد أحمد داود أوغلو آثار إيجابية على الواقع المتوتر الذي شهدته تركيا الشهر الماضي، بعد موجة من الاحتجاجات والاعتداءات التي نفذت ضد مواطنين سوريين في أنحاء متفرقة من البلاد، خصوصا في المناطق الحدودية.
وكان الوجود السوري مادة سجال أساسية في الحملات الانتخابية خلال التنافس على مقعد رئاسة الجمهورية بين الرئيس رجب طيب إردوغان وخصمه مرشح المعارضة أكمل الدين إحسان أوغلو الذي وعد بـ«الحد من أعداد السوريين» في البلاد، وهو ما ترجمه السوريون بأنه وعد بطردهم من البلاد، خصوصا أنه ترافق مع موجات احتجاج شعبية ضد السوريين، انطلاقا من بعض الجرائم التي نفذها لاجئون سوريون، أو أعمال التسول في الميادين العامة.
«الوعود الانتخابية» لمرشح المعارضة كانت تقض مضاجع العديد من السوريين، وعلى الرغم من أن فوز مرشح المعارضة كان احتمالا ضئيلا، فإن مجرد التفكير به كاحتمال كان يقض مضجع محمد الشامي (37 سنة) الذي يعمل في ورشة للبناء، مع جمع من أبناء بلده يوجدون يوميا في إحدى نواصي إسطنبول بانتظار أن يأتيهم المتعهدون فجر كل يوم لاختيار حاجتهم من العمال.
يعيش محمد في حي قاسم باشا بالجزء الأوروبي من مدينة إسطنبول، ويقتات مع عائلته المكونة من 4 أطفال وأمهم، ووالدته العجوز، مما يجنيه يوميا. يرى محمد أن البديل عن العمل في تركيا هو الجوع أو الموت بأحد البراميل المتفجرة في قريته في ريف إدلب. يعترف محمد، كغيره من السوريين بوجود تجاوزات بين أبناء جلدته، لكنه يضيف رافعا يده: «ليست كل أصابعك مثل بعضها، ولا يجوز أن نشمل بما يقوم به بعض الخارجين عن القانون».
وفي المقابل، يقول جنك إزمرلي (32 سنة)، وهو صاحب مطعم في منطقة أك سراي في إسطنبول، إن النازحين السوريين «ينافسوننا على لقمة عيشنا»، ويشير جنك، وهو أحد مناصري حزب الشعب الجمهوري، إلى أن «السلطان (قاصدا رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان) لا يفكر إلا بمجده الذي يريد أن يبنيه في المنطقة، ولهذا ترى السوري يفتح مطعما ويعمل ويربح من دون أن يدفع ضرائب، فيما نحن نخسر وندفع».
وبدا من خلال بعض التحركات الاحتجاجية وجود استياء تركي من «التسهيلات» التي قدمتها لهم حكومات حزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن المسؤولين الأتراك ينفون، مؤكدين أن ما حصل هو مجرد «حوادث فردية». وكانت إشكالات عدة حصلت هذا العام وقبله، بدأت مع علويي منطقة أنطاكية الذين يؤيدون في غالبيتهم النظام السوري، وأدت إلى عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي، ثم تنقلت هذه الإشكالات في المناطق، حيث جرى اشتباك مطلع العام بين الشرطة التركية وشبان سوريين في العاصمة أنقرة نتج عنه قرار بعدم إسكان الشبان العازبين في المدينة، ثم جرى الترحيل الأكبر الشهر الماضي من مدينة غازي عنتاب الحدودية التي تحتضن أكبر التجمعات السورية، وامتدت هذه الظاهرة إلى مدينة إسطنبول أواخر الشهر. وفي 25 أغسطس (آب) الماضي، اشتبك مئات من سكان مدينة إسطنبول الغاضبين مع الشرطة أثناء احتجاج عنيف في إحدى ضواحي المدينة الأكبر في تركيا بسبب وجود اللاجئين السوريين في مدينتهم. واندلع الاحتجاج في ضاحية إيكتيلي شرق الجزء الأوروبي من إسطنبول، وتدخلت شرطة مكافحة الشغب بعد ذلك مستخدمة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، لتفريق المتظاهرين. وعرض التلفزيون صورا لنحو 300 شخص يحملون العصي والسكاكين والسواطير يهاجمون متاجر وسيارات تعود لسوريين ويهتفون بشعارات معادية للاجئين. وبدت السيارات وقد تحطمت وقلبت بينما تناثر زجاج واجهات المتاجر التي تعود لسوريين وظهرت عليها الكتابة العربية.
وفي 28 من الشهر نفسه، نشب شجار بين مواطنين أتراك وسوريين في مدينة كهرمان مرعش، أسفر عن إصابة شخصين، وجرى على أثره طرد السوريين من الحي الذي وقع فيه الشجار. كما نقلت العائلات السورية بواسطة مجموعة من الحافلات إلى المخيمات لحمايتهم من موجة الغضب الشعبي، وسط بكاء من بعض النساء السوريات أثناء إخراجهن من الحي.
ويرد المسؤولون الأتراك هذه الاحتجاجات إلى «حوادث فردية» كما حصل في غازي عنتاب بعد قتل نازح سوري تركيا نتيجة خلاف شخصي، تبعته مظاهرات وعمليات اعتداء على السوريين، مما استوجب ترحيلهم.
وفيما رفض والي شؤون السوريين فيصل يلماز الرد على أسئلة «الشرق الأوسط»، يبرر بعض السوريين التجاوزات التي يقوم بها بعض أبناء بلدهم بأنها ناجمة عن قلة دراية بالمجتمع التركي. وتقول وزارة الإغاثة التركية إن نحو 285 ألف لاجئ سوري يعيشون حاليا بمخيمات في تركيا، إلا أن عددا أكبر يصل إلى 912 ألف لاجئ يعيشون خارج المخيمات في عدد من مدن تركيا.
ويحمل مؤسس الجيش السوري الحر رياض الأسعد «بعض الذين دسهم النظام بين النازحين، بالإضافة إلى أشخاص لم يكونوا مع الثورة أساسا، مسؤولية بعض الممارسات الخاطئة»، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن بعض الدول تجيش ضد الحكومة التركية، وهذه عوامل أدت إلى خلق حالة من التوتر، لكنها تبقى حالات فردية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يوجد مسيئون من الطرفين (التركي والسوري)، لكن هناك أيد خفية تعبث بواقع السوريين في تركيا، ويبدو أن الائتلاف (السوري المعارض) بعيد جدا عن أي معالجة». وسأل: «أين نحن من الشباب السوري المنتشر، خاصة في تركيا، ولماذا لا يتم تشكيل لجان توجيه للشباب، لنصحهم وتأكيد احترامنا للأرض والقوانين والعادات التركية؟». وتحدث الأسعد عن تحرك يقوم به لتأمين لقاءات بين الأتراك والسوريين لمحاولة إزالة أي سوء تفاهم. وأشار إلى أن ما جرى في غازي عنتاب «حادث فردي، لم يتكرر في أي منطقة أخرى».
ويشير عبد الرحمن مصطفى، رئيس المجلس التركماني السوري إلى تحركات عدة حدثت ضد السوريين لكنها كلها بقيت تحت السيطرة، موضحا أن الحكومة التركية ووالي منطقة غازي عنتاب بذلا جهدا كبيرا لتهدئة الأمور وضبطها، و«قد نجحوا إلى حد كبير». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المسؤولون الأتراك يحاولون تهدئة الوضع، ويقومون بتوجيه الأتراك. وفي المقابل، علينا نحن السوريين أن نكون حذرين، وأن نتقيد بالقوانين والنظم ونحترم العادات التركية». وأوضح أن الدولة التركية قدمت كثيرا من التسهيلات للسوريين، وسنت قوانين جديدة للسماح لهم بالإقامة والعمل، وأسست إدارة للهجرة والجوازات تعطي بطاقات إقامة وتجول للسوريين، لكن العديد من السوريين لا يلتزمون، للأسف، بهذه الأنظمة، ويعملون من دون تراخيص، مع أنها سهلة».
ورأى مصطفى أنها «ستكون كارثة لو تحولت هذه المناوشات إلى حملة عامة ضد السوريين في الشارع التركي». وقال: «نحن لم نأت إلى هنا بإرادتنا، لكننا هربنا نتيجة القتل. وفي المقابل، علينا أن نراعي الأوضاع. وللأسف كنا فوضويين في سوريا وجلبنا معنا فوضويتنا إلى تركيا وكل البلدان التي نزورها». وأضاف: «الأتراك حياتهم منظمة، ونحن نسهر حتى ساعات الصباح، ونستأجر منزلا لعائلة فتسكنه 10 عائلات، وبهذا نعطي فرصة لمن يحاولون استغلال الوضع». وإذ أكد أن لا حقد على السوريين، قال إنه «نتيجة التسهيلات التي قدمت لنا لم نعد نعرف بأننا ضيوف وبدأنا نتصرف بشكل آخر»، ويضيف ضاحكا: «يبدو أننا لسنا معتادين كل هذا القدر من الحرية».
بدوره، يقول الدكتور محمد الحسيني، أحد الوجهاء السوريين، لـ«الشرق الأوسط»: هناك مليون سوري في تركيا، وإذا كانت هناك قلة مسيئة، فلا يمكن أن نعمم». وأشار إلى أن البعض يستثمر ما جرى ويحوله إلى مشكلة اجتماعية وعداء بين مجموعتين. ورأى الحسيني أن وصول رئيس الحكومة الحالي أحمد داود أوغلو إلى موقعه الجديد سيخفف من الصدام، «لما عرف عنه من مناصرته لقضايا السوريين، لكن المسألة ليست سهلة، فأمام الحكومة تحديات كبيرة جدا».
وأشار إلى أن بعض المحال السورية التي أقفلت نتيجة الاحتجاجات عادت لتفتح أبوابها، و«السيارات السورية عادت للتجول بعدما كان هناك شبه حظر عليها». وأضاف: «لقد تجاوزنا نقطة الخطر، لكن الخطر لا يزال قائما، ويحتاج إلى حلول واقعية». ورأى الحسيني أن «المشكلة في تركيا ليست مع الحكومة، لكنها مع المعارضة التي تستثمر وجودنا سياسيا».
وإذ جزم بأن السوريين لن يجدوا بلدا أفضل من تركيا للإقامة فيه، رأى أن «مشكلة النازح السوري هي في وضعيته غير القانونية؛ غالبا نتيجة خروجه غير القانوني من بلاده، حيث يفترض أن تؤمن له الأمم المتحدة أوراقا ثبوتية تسمح له بالتنقل والعمل». وحذر الحسيني من أن الأمور قد تنفجر في أي لحظة، مقترحا إيجاد مجمعات حرفية للسوريين تشبه المنطقة الحرة بحيث تساهم في امتصاص الأزمة الاقتصادية. وقال: «المجتمع السوري ليس عدائيا بطبعه، وأي مجتمع مرتاح ماديا لن تكون فيه أي مشكلات».
أما أمين عام «جمعية الحوار العربي - التركي» إرشاد هورموزلو، فعدّ الحوادث الأخيرة التي حدثت في بعض المدن الجنوبية «تحريضا من قبل بعض المندسين لتخريب هذه العلاقات، ولكنني واثق من حكمة إخوتنا، وسيبقى إخوتنا السوريون على اختلاف قومياتهم ومشاربهم ضيوفا مكرمين وإخوة أعزاء». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لطالما نادينا بضرورة تعميق العلاقات الأخوية والودية بين شعوب هذه المنطقة، فالعرب، ومنهم السوريون، هم إخوتنا وأحبتنا، وقد تعرضت مجموعات كبيرة من إخوتنا السوريين لظلم فادح، حيث اضطر مئات الألوف منهم لهجر وطنهم ومساكنهم. وقد كانت تركيا سباقة لاحتضان هؤلاء، ولعلكم تذكرون مقولة أن تركيا باستطاعتها إيواء 100 ألف منهم، وإذا علمنا أن عدد النازحين السوريين المقيمين على الأراضي السورية يتجاوز المليون بكثير نعرف أن الحدود بين مفاهيم شعوبنا وعلاقاتنا الأخوية زائلة وأن أخوتنا هي الباقية». وناشد تغليب المنطق السليم داعيا «الإخوة السوريين إلى ألا يصغوا إلى المندسين والموتورين، وأن يكونوا يدا واحدة مع إخوتهم الأتراك للتغلب على كل الصعاب، وأعبر عن ثقتي بأن حكومتنا ستتخذ كل الاحتياطات اللازمة لوأد أي حركة مغرضة تجاههم».
في المقابل، أكد محمد شاندار، نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الحركة القومية والنائب عن مدينة مرسين، أن ما ينشر في جميع وسائل الإعلام ما هي إلا أحداث استثنائية فردية لا يمكن أن تعمم على الجميع، «فمثلا في مدينة (مرسين) لا توجد مخيمات للاجئين السوريين، ولكن يوجد الآلاف من السوريين يسكنون في المدينة، ولا توجد هناك أي معضلات معهم، يستأجرون البيوت ويعملون في جميع المجالات في المدينة بشكل منتظم وبشكل توافقي مع حياة المدينة والشارع المرسيني، ولكن المجتمع السوري مثل جميع المجتمعات في العالم يوجد به بعض الشواذ الذي يسيئون لسمعة مجتمعاتهم». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «في الإطار العام، جميع الضيوف السوريين في جميع أنحاء البلاد يعملون بتوافق واندماج مع القوانين واللوائح التركية، ولا يمكن أن نقبل أو نقول بأنه توجد معضلة كبيرة أو عدم تناسق أو عدم قبول للسوريين في تركيا، ولا أوافق على أنه توجد معضلة اجتماعية أو عداء مسبق في البلاد كما يحاول البعض الترويج له. لقد دخلنا العام الرابع للأحداث في سوريا والآن يوجد بعض الأحياء في تركيا تحولت إلى أحياء سورية». وقال: «لا أحد ينكر أنه توجد مشكلة ما، حيث إن القادمين أتوا إلى نظام وأسلوب حياة يختلف عن الواقع الذي كانوا يعيشونه في سوريا، مما ترتب عليه عدم قبول من كلا الطرفين، ولكن الدولة والسياسيين يعملون على إقناع الشارع التركي بالتحلي بالصبر لأن هذا الوضع ليس بالوضع الدائم، بل هو وضع مؤقت، وأن هؤلاء الناس لم يأتوا بمحض إرادتهم، بل أجبروا على الرحيل لإنقاذ حياتهم وحياة أطفالهم من الهلاك».
عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي.. وصعود أوغلو لم يخفف من «التشنجات»
اللاجئون يرون أن لا بديل لديهم.. وسكان إسطنبول: هم ينافسوننا على لقمة عيشنا
عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي.. وصعود أوغلو لم يخفف من «التشنجات»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


