مبارك المهدي: من مصلحة السودان البقاء بعيداً عن إيران و«حماس»

رئيس حزب الأمة «المنشق» قال لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الخلافات سيؤدي إلى عودة الإسلاميين

مبارك المهدي
مبارك المهدي
TT

مبارك المهدي: من مصلحة السودان البقاء بعيداً عن إيران و«حماس»

مبارك المهدي
مبارك المهدي

قال رئيس حزب الأمة «المنشق»؛ مبارك الفاضل المهدي؛ إن الاحتجاجات الشعبية والتواطؤ داخل نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، ساهمت في إحداث التغيير الحالي في السودان، داعياً إلى أن يبقى السودان محافظاً على علاقاته مع الغرب، ودول الخليج، ومصر، لما فيه من منفعة للشعب السوداني، وضرورة أن يبقى بعيداً عن المحور الإيراني، والحركات الراديكالية مثل حماس.
يقول المهدي في حوار مع «الشرق الأوسط» إن الثورة نجحت بانحياز القوات المسلحة؛ وتعاون أعمدة النظام في الأجهزة الأمنية؛ وإن مدير جهاز الأمن السابق صلاح عبد الله قوش؛ هو من سمح بوصول المتظاهرين إلى القيادة العامة للجيش في السادس من أبريل (نيسان) الماضي؛ واستخدم الثورة الشعبية لإسقاط النظام والتخلص من عمر البشير؛ لمصلحته الخاصة؛ وهذا ساعد في انحياز الجيش للثورة.
وقاد مبارك الفاضل انشقاقاً داخل حزب الأمة القومي، الذي يتزعمه ابن عمه الصادق المهدي رئيس الوزراء الأسبق في عام 2001؛ وأسس حزبا يحمل الاسم نفسه؛ وشارك مرتين في حكومات النظام السابق.
يقول المهدي: «اختلفنا مع البشير بسبب التعديلات الدستورية وقانون الانتخابات، وإعلان ترشيحه لنفسه في انتخابات 2020، وعندما بدأ الشارع يتحرك في ديسمبر (كانون الأول) الماضي؛ خرجنا لنذكي الثورة ضده».
وحول الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير؛ في التوصل إلى اتفاق حول المرحلة الانتقالية؛ يقول المهدي إن «العسكري» لا يمانع تكوين حكومة مدنية يتم من خلالها تفكيك نظام الإنقاذ القديم؛ وعلى القوى السياسية وعلى رأسها قوى الحرية والتغيير أن تقبل بالقوات المسلحة والدعم السريع كشركاء في «التغيير».
ويرى أن تحالف قوى الحرية والتغيير «هش»؛ وبداخله قوى متنافرة؛ وكلما تأخر في الوصول إلى اتفاق مع المجلس العسكري؛ حدث فرز وخلافات ستؤدي إلى انشقاقات داخله؛ وتوقع خروج حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي والمؤتمر السوداني والتجمع الاتحادي وجزء من تجمع المهنيين من التحالف والاتفاق مع المجلس.
ويضيف: «مطالب الشعب السوداني في مرحلة الانتقال بحكومة مدنية ديمقراطية؛ هنالك قوى تقول إنها تمثل الشارع وهو أمر مختلف عليه؛ لأنها لم تأت عبر صناديق الانتخابات؛ وفي مقابل ذلك هنالك قوى سياسية أخرى موجودة وحتى لو كانت صامتة في هذا الوقت يمكن أن تتحرك ضد قوى الحرية والتغيير».
ويقول المهدي إن القوات المسلحة وافقت على منح قوى الحرية والتغيير مجلس الوزراء ونسبة كبيرة في المجلس التشريعي؛ ومجلس السيادة مشترك بينهما؛ على أن يكون لها وضعية أساسية في هذا المجلس؛ وهو خلاف يخضع للتفاوض؛ ولا يمكن أن يكون سببا في نقض مبدأ الشراكة.
ويضيف: «أخطأت قوى الحرية والتغيير عندما قامت بإقصاء الأحزاب التي شاركت في الثورة؛ والتي لم توقع على إعلان الحرية والتغيير؛ وهذا الإقصاء أحدث انقساماً في الساحة السياسية؛ وعبر عن نفسه من خلال إحياء القوى السلفية والمجموعات التي كانت حليفة للنظام السابق؛ واستغلت الخلافات بين المجلس وقوى التغيير لتعود إلى الشارع؛ باسم حماية الشريعة والدين في مواجهة فصائل سياسية داخل قوى الحراك تدعي العلمانية».
ويرى المهدي أن الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه قوى الحرية والتغيير؛ هو الحملة التي شنتها على المجلس العسكري وقوات الدعم السريع؛ عقب أحداث الثامن من رمضان التي قتل فيها عدد من الثوار واتهمت فيها الأجهزة النظامية؛ وتحولت الشراكة بين الطرفين إلى العداء؛ وصرفت الأنظار عن النظام القديم ورموزه؛ إلى مواجهة مع المجلس العسكري.
وحول المبادرة الإثيوبية الأفريقية المشتركة المطروحة لحل الخلافات بين الأطراف السودانية؛ يقول المهدي: «المبادرة لا بأس بها؛ حاولت أن تجد حلولا لنقاط الخلاف بين العسكري وقوى التغيير؛ ولكن الأساس الصحيح الذي كان يجب أن ترتكز عليه الدستور الانتقالي لعام 2005 والذي يحدد الصلاحيات والهياكل ويؤمن الحقوق والحريات»؛ ويتابع: «على الوساطة المشتركة تصحيح مسار التفاوض الخاطئ؛ لأنه حتى لو وجد حل لقضية مجلس السيادة؛ فسيواجه بكثير من العراقيل خلال الفترة الانتقالية».
ويشير المهدي إلى أن صلاحيات مجلس الوزراء في الوثيقة ضعيفة ومبتسرة؛ وهنالك خلط بين السلطة السيادية والتنفيذية؛ والأنسب للشراكة الرجوع إلى الدستور؛ ويتابع: «أي شراكة من دون صلاحيات واضحة ومحددة؛ تذهب إلى التقليل من صلاحيات مجلس السيادة، فستحدث خلافات بين الشركاء».
ويفضل المهدي منح المجلس العسكري الإشراف على السياسة الخارجية لأنه الأقدر على تمثيلها ويجد القبول في الداخل والخارج؛ وكذلك الإشراف على الأمن والدفاع والحكم الاتحادي، ويقول: «الاستناد إلى الدستور أمر لا غنى عنه؛ وإذا لم نلتزم به فسنواجه بكثير من المشاكل خلال الفترة الانتقالية».
ويشير إلى أن دعم المجتمع الدولي لتلك المبادرة مربوط بتحقيق الاستقرار في السودان؛ دون التفريط في المؤسسة العسكرية؛ والمجتمع الدولي يريد من الطرفين أن يتوصلا لاتفاق؛ ولكن ما يهمه في المقام الأول أن يكون الجيش موحدا؛ وألا يكون هنالك صراع عسكري ومدني.
وحذر رئيس حزب الأمة؛ من أن استمرار هذه الخلافات والصراعات سيؤدي إلى عودة الإسلاميين إلى السلطة؛ كما قال مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية تيبور ناجي؛ والنظام القديم يعمل على إذكاء الفتنة والاقتتال بين الأجهزة العسكرية؛ حتى يتسنى له الاستيلاء على السلطة مرة أخرى.
ويقول إن تصفية النظام السابق مسؤولية الحكومة الانتقالية؛ وقوى الحرية والتغيير؛ التي لم تجتهد في تشكيل الحكومة الانتقالية والبدء في ضرب مراكز القوى للنظام القديم؛ واتجهت لتصفية المؤسسة العسكرية التي انحازت للشارع والثورة؛ وتنازعه في مجلس السيادة؛ ودفعت المجلس العسكري دفعاً لأن يختار التحالف مع بقايا النظام القديم؛ وأن يعيد كل الأجهزة والجهات التي قام بحلها؛ لحماية نفسه في مواجهة قوى التغيير التي تريد تصفيته.
ويضيف مبارك المهدي: «على قوى الحرية والتغيير أن تصحح مسيرتها؛ وأن تقرر إما أن يتوحدوا لإسقاط المجلس العسكري أو الشراكة معه؛ ومعروف أن أحزاب داخل قوى التغيير لا ترغب في شراكة مع العسكري؛ وكل الخلافات التي حدثت بين الطرفين كان يمكن حلها بالتفاوض؛ وليس استعداء القوات المسلحة»؛ ويتابع: «مشكلة قوى التغيير أنها لا تدرك طبيعة المرحلة والأوضاع في البلاد؛ وأن الشراكة بين المؤسسة العسكرية والمدنيين ليست بجديدة في السودان فقد حدثت في أعقاب ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل 1985».
ويرى المهدي؛ أن بالساحة قوى إسلامية وحركات مسلحة يمكن أن تدخل في اتفاقات مع المجلس العسكري، وأن تكون بديلا للحرية والتغيير؛ التي أهملت قضايا السلام والاقتصاد؛ وأصبحت تتصارع في المناصب؛ ويشير إلى لقاء نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دلقو «حميدتي»، رئيس حركة جيش تحرير السودان مني أركو مناوي في العاصمة التشادية أنجمينا الأسبوع الماضي؛ واستعداده للمفاوضات والمشاركة في السلطة؛ والاتصالات الأخرى التي يجريها المجلس مع بقية الحركات المسلحة.
ويقول مبارك المهدي إن المرحلة الانتقالية تتطلب برنامج أكثر تفصيلا؛ نواجه به مرحلة سقوط النظام ونقوي به تكتل المعارضة؛ واقترحنا ميثاق إعلان دستوري يفصل القضايا؛ سلمناه للحزب الشيوعي والمؤتمر السوداني والإسلاميين المعارضين وقوى المجتمع المدني؛ ورغم موافقتهم المبدئية فلم يتقدموا فيه؛ وكان هدفنا أن نواجه المجلس العسكري بقوى سياسية موحدة.
وتقدم المهدي بمبادرة لتجاوز الأوضاع الحالية والانتقال السلس؛ اقترح فيها أن يترأس رئيس المجلس العسكري ونائبه رئاسة ونيابة المجلس السيادي، وقال: «نأخذ على المجلس، دعوته لأحزاب صورية حليفة للنظام حتى لحظة سقوطه، في وجود قوى ساندت الثورة في اليمين واليسار»، ويضيف: «تقدمت بهذه المبادرة ليست لموالاة للعسكريين؛ ولا رغبة لي بأي دور في الفترة الانتقالية؛ ما نريده إنجاح الانتقال حتى نصل إلى الانتخابات».
ويشير المهدي إلى أن السياسة الخارجية للسودان في مسارها الصحيح؛ وهو يرتبط بعلاقات قوية مع الغرب ودول الخليج ومصر؛ بما يخدم مصالح الشعب السوداني؛ بعيدا عن مغامرات النظام السابق الذي كان مرتبطا بأجندة الإسلاميين في السلطة بالتحالف مع إيران وحماس الحركات الإسلامية الراديكالية ودعم الجماعات المتطرفة وعدم الاستقرار في ليبيا ومصر والخليج؛ و«بالتالي لا يوجد في الوقت الحالي صراع في السياسات الخارجية التي يفترض أن يتبعها السودان».



«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.


الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)

أعلنت الجماعة الحوثية في اليمن عن تخصيص نحو 10 ملايين دولار للإنفاق على عائلات قتلاها وجرحاها ومفقوديها في التصعيد العسكري خلال أسبوع واحد، في إجراء يثير استنكاراً واسعاً داخل مناطق سيطرتها التي تشهد أزمة معيشية حادة وانقطاع رواتب الموظفين العموميين منذ سنوات.

ودشنت الهيئة العامة لرعاية أسر قتلى الجماعة، أواخر الشهر الماضي، برنامجاً واسعاً للإنفاق على أتباع الجماعة وأسر قتلاها وجرحاها، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 9.34 مليون دولاراً (5 مليارات و443 مليون ريال يمني، حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 530 ريالاً)، ضمن فعالياتها السنوية التي تطلق عليها «أسبوع الشهيد».

ويشمل الإنفاق مشروعات غذائية وطبية وتقديم معونات نقدية. ووفقاً لكلمة القيادي الحوثي صالح حمزة، نائب رئيس الهيئة، خلال فعالية التدشين، فإن المشروعات المُعلنة تستهدف إحياء الذكرى السنوية لقتلى الجماعة، فضلاً عن تنفيذ برامج الرعاية الدورية والتمكين الاقتصادي، وتوسيع مجالات الدعم الموجهة لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

وإلى جانب ذلك، تهدف الجماعة إلى توزيع سلال غذائية بقيمة 3.36 مليون دولاراً (1.8 مليار ريال)، وهدايا رمزية بقيمة 2.61 مليون دولاراً (1.4 مليار ريال)، بالإضافة إلى مشروعات تمكين اقتصادي ورعاية دورية موجهة حصراً لمنتسبي الجماعة وعائلاتهم.

غالبية الموارد المالية الخاضعة للحوثيين تذهب لصالح التعبئة والحشد والدعاية (إعلام حوثي)

وضاعفت الجماعة الحوثية، خلال الأعوام الأخيرة، من تسخير الموارد المالية والاقتصادية في خدمة مشروعها، حيث تحدث القيادي حمزة عن تسخير مليارات الريالات خلال العام الماضي، لتنفيذ مشروعات نقدية وصحية وغذائية موجهة حصراً لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

حصر المساعدات بالولاء

تُتَّهم الجماعة بتوظيف موارد الدولة وعائدات هيئتي «الزكاة» و«الأوقاف»، وهما كيانان موازيان أنشأتهما خلال السنوات الماضية، لتعزيز التعبئة العسكرية والولاء السياسي، بدلاً من توجيهها لتخفيف المعاناة الاقتصادية العامة.

ويرى سكان في صنعاء أن الجماعة تواصل تبديد الأموال على مشروعات تستهدف ذوي قتلاها وجرحاها، بالتوازي مع إحياء مناسبات تروج لأفكارها الطائفية، بينما تتجاهل معاناة الملايين الذين يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية، في ظل أزمة إنسانية تتفاقم عاماً بعد آخر.

قيادات حوثية أثناء تدشين برنامج الرعاية الاجتماعية الخاص بأتباع الجماعة (إعلام حوثي)

ويقول موظف عمومي في صنعاء، طلب إخفاء اسمه، إنه، وبينما بات عاجزاً عن توفير الاحتياجات الأساسية لعائلته التي تضم 5 أطفال، تذهب الجماعة إلى تخصيص المليارات لعائلات قتلاها، وبرامج لا تتجاوز أتباعها، ما يثير شعوراً بالغاً بالمرارة لديه والآلاف الذين لا يستطيعون تلبيه احتياجات عائلاتهم.

ويستنكر حرمان ملايين اليمنيين من الطعام والعلاج والتعليم، مقابل تخصيص هذه المبالغ لعدد محدود من العائلات بسبب ولائها.

استمالة العائلات الفقيرة

يرى مراقبون أن الجماعة تسعى إلى استمالة الأسر الفقيرة واستثمار أوضاعها المعيشية لتعزيز ولائها، وإقناعها بدفع مزيد من أبنائها للانخراط في القتال على الجبهات.

من جهته، يبدي رب عائلة فقيرة حسرته من سماعه عن إنفاق المليارات على فعاليات ومشروعات الجماعة، بينما توضع الأسر الفقيرة أمام خيارات قاسية؛ بين تقليص احتياجاتها الأساسية أو الاستدانة، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة وتراجع فرص الحصول على المساعدات.

عناصر حوثيون بينهم طفل في فعالية مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني في صنعاء (أ.ف.ب)

وفي ريف العاصمة المختطفة صنعاء، يقول موظف تربوي إن استمرار انقطاع الرواتب دفع آلاف المعلمين إلى البحث عن أعمال بديلة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، في وقت تتواصل فيه الحملات التعبوية والإنفاق الحوثي على الأتباع، مشيراً إلى عجز المعلمين عن توفير احتياجات أبنائهم بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة التعليم.

ويأتي هذا الإنفاق الموجه في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة الوضع في اليمن بوصفه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين من انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.


التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

سجّلت منظمات طبية محلية ودولية عاملة في اليمن ارتفاعاً ملحوظاً في المعدل اليومي لضحايا التصعيد العسكري الحوثي إلى 132 شخصاً، مقارنة بنحو 93 ضحية خلال الأسبوع الماضي، وتصدرت محافظة لحج قائمة المحافظات المتضررة نتيجة استمرار المعارك وقصف الحوثيين للتجمعات السكانية بالصواريخ والمسيّرات.

وأظهر أحدث تقرير لـ«كتلة الصحة» أن إجمالي الضحايا المسجلين لدى مركز عمليات الطوارئ الصحية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 9730 شخصاً (7959 مصاباً و1771 وفاة)، بزيادة قدرها 658 حالة خلال 5 أيام فقط.

وشهدت محافظة لحج (الجنوب الغربي) 309 حالات تشكل 47 في المائة من إجمالي الضحايا الجدد، في حين سجلت محافظة مأرب أعلى معدل للوفيات بـ36 حالة وفاة من أصل 172 ضحية (بنسبة 21 في المائة)، من بينها 117 ضحية (شملت 20 وفاة) سُجلت في يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وحده بمديريتي الجوبة وحريب وجبهة الجوف.

الحوثيون تسببوا في مقتل وإصابة أكثر من 9.7 ألف يمني (إعلام محلي)

وعلى الصعيد الميداني والإنساني، حذّر التقرير الصادر عن الكتلة (التي تضم 31 قطاعاً صحياً) من تدهور الخدمات في الساحل الغربي؛ حيث توقفت المرافق الصحية الثلاثة المدعومة من الشركاء في مديرية الوازعية، وتَعذّر جمع بيانات شهر أكتوبر في مديرية ذباب جراء قيود الوصول.

وتزامن ذلك مع تجاوز أعداد النازحين 320 ألف شخص، وفق منظمة الهجرة الدولية، تركز معظمهم في الشهرين الماضيين.

مؤشرات وبائية

وشهدت مديرية المضاربة والعارة بلحج نزوح 43 ألف شخص منذ مطلع العام الماضي، وتستضيف عدن حالياً أكثر من 56 ألف نازح، بينما تضاعفت أسعار السلع الأساسية في تعز بين 3 إلى 5 أضعاف.

21 ألف نازح يعيشون في مخيمات لا تخضع لأي إشراف (الأمم المتحدة)

ورصد التقرير ظهور 28 موقعاً جديداً أو معاد فتحها للنازحين تؤوي 21273 شخصاً دون أي إدارة متخصصة أو إشراف إنساني، إلى جانب 105 مواقع تضم 74456 شخصاً في مديريات غرب تعز، التي انتقلت السيطرة عليها إلى الحوثيين خلال الشهر ذاته.

وتواجه الاستجابة الإنسانية عجزاً حاداً؛ إذ تموِّل منظمة الصحة العالمية 9 فرق طبية متنقلة فقط من أصل 30 إلى 40 فرقة مستهدفة، و4 مراكز ثابتة من أصل 25 إلى 35 مركزاً، وسط حاجة ملحة للتنسيق مع الوحدة التنفيذية للمخيمات لتحديد نقاط تجمع مناسبة لتقديم الخدمات.

وفي الجانب الوبائي، سُجل انخفاض مستمر في إصابات الكوليرا بالمحافظات الخمس الأكثر تضرراً، متراجعة من 639 حالة في الأسبوع الأربعين إلى 443 حالة في الأسبوع الثالث والأربعين، مع الإشارة إلى أن بيانات الأسبوع الرابع والأربعين غير مكتملة بنسبة 23 في المائة.

تراجع في الإصابة بالكوليرا بنحو 200 حالة خلال أسبوع (الأمم المتحدة)

وبناءً على ذلك، حدّدت منظمة الصحة العالمية 23 مديرية، يقطنها 2.25 مليون نسمة كأولوية لطلب جرعة واحدة من لقاح الكوليرا الفموي من المجموعة التنسيقية الدولية.

فجوات الرعاية الصحية

وعلى مستوى الإمدادات والتمويل، تسببت القيود بتعطيل حركة المساعدات، حيث أُلغيت رحلات الجسر الجوي إلى صنعاء، المقررة يومي 29 أكتوبر و3 نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا تزال الشحنة الطبية التجريبية الثانية للمنظمة (بوزن 10 أطنان) بانتظار التنسيق مع برنامج الأغذية العالمي لنقلها إلى تعز.

ويأتي ذلك في ظل أزمة تمويل خانقة، حيث لم يتم تمويل سوى 12 في المائة فقط من الخطة الإنسانية التي تغطي 90 يوماً؛ إذ تلقت منظمة الصحة العالمية 3.7 مليون دولار من أصل 31 مليون دولار مطلوبة، ما يترك عجزاً قدره 27.3 مليون دولار.

يمنيون نزحوا بسبب الهجمات الحوثية في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات بضواحي عدن (أ.ب)

حتى في حال إقرار دعم إضافي بقيمة 7.3 مليون دولار يجري نقاشه مع الجهات المانحة الأوروبية والصندوق المركزي للطوارئ، فإن 65 في المائة من الخطة سيبقى بلا تمويل، ما يهدد استمرارية الاستجابة لما بعد نهاية العام.

واختتم التقرير بالإشارة إلى 4 حلقات مفقودة وغير ممولة في سلسلة رعاية المصابين. تشمل: نظام إحالة المرضى، وتوفير موقع جراحي من المستوى الثاني، وتوسيع وحدات العناية المركزة (بما في ذلك توفير الوقود لـ77 مرفقاً صحياً)، إلى جانب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج.

وبين أن غياب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج يؤدي إلى تكدس المرضى في الأقسام الجراحية لعدم إمكانية تسريحهم بأمان، ما يقلص القدرة الاستيعابية للمستشفيات ويحرم الحالات الجديدة من تلقي العلاج.