«قمة العشرين» تشهد مخاض النظام العالمي الجديد

حضور أميركا وصعود الصين و«يقظة» روسيا وارتباك أوروبا

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ خلال لقائهما في قمة أوساكا السبت الماضي (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ خلال لقائهما في قمة أوساكا السبت الماضي (رويترز)
TT

«قمة العشرين» تشهد مخاض النظام العالمي الجديد

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ خلال لقائهما في قمة أوساكا السبت الماضي (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ خلال لقائهما في قمة أوساكا السبت الماضي (رويترز)

قمة «مجموعة العشرين» في أوساكا التي تضم 85 من الناتج العالمي، كانت مفصلية. فيها إشارات لمخاض عالمي جديد. انحسار النفوذ الغربي وتقدم الشرق. اليابان خط التماس بين الحضور الأميركي، والصعود الصيني، واليقظة الروسية، والارتباك الأوروبي.
الدولة المضيفة، صاحبة الاقتصاد الثالث في العالم بعد أميركا والصين. سلوك اليابان فيه دلالات إلى التحولات الكبيرة في العالم. اليابان، المهزومة بالقنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية، يقيم فيها الجيش الأميركي بعدما ألقى فرض الهزيمة في ناغازاكي وهيروشيما. بين واشنطن وطوكيو اتفاقية أمنية تعود لعام 1960 حلت محل الاتفاقية العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1952 التي أعادت السيادة إلى اليابان. تضع أساس التحالف بين واشنطن وطوكيو.
في اليابان، عشرات آلاف من الجنود الأميركيين. فيها دستور مقيد لدور الجيش، «قوات دفاع ذاتي». لكن الجزر اليابانية محاطة بروسيا والصين وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. يعرف شينزو آبي، الذي قد يدخل قريباً التاريخ بأنه الأكثر الإقامة في رئاسة الحكومة، أن «العلاقة مع أميركا وحدها لم تعد كافية» وأنه لا بد من «تغيير البيئة الأمنية» في المحيط المعقد. هو لا يريد جواره أسير التاريخ ومخلفات النزاعات الجغرافيا. لا يريده عقبة أمام الولوج إلى المستقبل، حيث «يقظة روسيا» و«صعود الصين».

ست أولويات
لليابان في عهد آبي، ست أولويات: الأولى، «تعزيز الحلف الأميركي - الياباني». الثانية، «تطوير العلاقات مع دول الجوار»، إضافة إلى «ترويج الدبلوماسية الاقتصادية»، و«مبادرات عالمية»، و«الانخراط في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط»، والعمل لتحقيق «محيط هندي - باسيفكي مفتوح وحر».
آبي، الذي زار 167 منطقة، بينها ٨٠ دولة منذ تسلمه منصبه في يونيو (حزيران) 2012، كان أول القائمين بزيارة رسمية إلى البيت الأبيض للقاء دونالد ترمب بحضوره ابنته ومستشارته إيفانكا في 2016. أيضاً، كان ترمب أول المهنئين للإمبراطور الجديد نارو هيتو في مايو (أيار) الماضي. دشن «عهد الانسجام الجميل» للإمبراطور الجديد. أيضاً، سيحضر حفل تنصيب الإمبراطور في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. آبي يلعب غولف مع ترمب كضمانة رياضية. ويقيم معه «علاقة شخصية غير موجودة بين أي زعيم عالمي وسيد بيت الأبيض الأميركي».
لكن أميركا، بحسب خبراء يابانيين ومسؤولين سابقين، مع ترمب ليست كغيرها. آخر، انتقاداته كانت للاتفاقية الأمنية الأميركية - اليابانية: «لو اندلعت حرب، فإننا سنقاتل دفاعاً عن اليابان. لكن لو هوجمنا، فإن اليابانيين سيشاهدون الحرب علـى شاشة تلفزيون سوني». تقريباً، هذا ما قاله ترمب عشية وصوله إلى أوساكا. لم يكن هذا التصريح مفاجئاً لطوكيو. ترمب، كان قال: إن أميركا لا تريد أن تكون شرطي العالم. «أميركا أولاً». أيضاً، انسحب من الاتفاقيات والتحالفات الدولية. ترمب يعتقد، أن حلفاء أميركا «عبء عليها». اليابان بين «الحلفاء».
حاول صحافيون جر المسؤولين اليابانيين إلى تعليق على كلام ترمب. طوكيو تعرف ثمن التصعيد مع ترمب. خلاصة القول الياباني: لم يجر رسمياً نقاش أي تعديل بالاتفاقية الأمنية بين أميركا واليابان. طوكيو ملتزمة بها. آبي يعرف أن العلاقة مع أميركا - ترمب «استراتيجية وحيوية»، لكنها ليست كافية في العالم. العالم تغير الآن عما كان عليه قبل 70 سنة.
«لكن العلاقة مع أميركا، لم تعد كافية». المسؤولون اليابانيون لا يتحدثون بوضوح عن القلق من أميركا الحالية والمستقبلية. وفي السلوك الدبلوماسي لآبي خلال «قمة العشرين»، الكثير من الدلالات: عشية القمة، أولم لرئيس الصين شي جينبينغ بعد محادثات رسمية. في اليوم التالي، تناول الإفطار مع ترمب بعد لقاء ثنائي. اختتم القمة، بقمة ثنائية مع الرئيس فلاديمير بوتين. بين هذا وذاك، التقى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.
الأمر الطبيعي أن يلتقي زعيم الدول المضيفة زائريه في أي قمة موسعة، لكن هنا الأمر مختلف لسببين: آبي، لم يقم بالجهد ذاته مع قادة الدول الغربية، مع رئيس وزراء بريطانية المتنحية تيريزا ماي أو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ولا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. الآخر، هناك نزاعات وتاريخ مأزوم بين طوكيو وعواصم الدول المجاورة.

«عقد» صينية
إذ يتجاوز آبي ذلك بحثاً عن «بيئة آمنة» مع الجوار، فيه الكثير من الدلالات. هناك الكثير من «العقد» في ذهن صانع القرار الياباني عن الصين: «عقدة» قبول حقيقة أن الصين أصبحت قوة هائلة. مشكلة التاريخ بسبب المشاعر العدائية في الصين ضد «الاستعمار» الياباني. لغز السلوك المستقبلي لبكين. موقف الصين العسكري في مياه جزيرة سينكاكو في بحر الصين الشرقي وسلوكها في الجزيرة نفسها. علاقة الصين الجيدة مع كوريا الشمالية شي جاء إلى أوساكا من بيونغ يانغ. لكن الصين جارة وصاعدة وثاني أكبر اقتصاد واليابان الثالث. العلاقة الثنائية كانت متعثرة.
الصين زادت موازنتها الدفاعية «بطريقة غير شفافة». وتواصل «سياسة العدائية» في جزيرة اليابان في بحر الصين الشرقي. لكن بعد تبادل الزيارات الصينية - اليابانية العام الماضي، أعاد العلاقة. آبي زار الصين في أكتوبر الماضي بعد زيارة رئيس الوزراء الصيني لطوكيو. شي الذي زار أوساكا في «قمة العشرين» قادم بـ«زيارة دولة» إلى طوكيو في الربيع.
العلاقة الرسمية مع كوريا الجنوبية معقدة، لكنها قائمة بين الشعبين، حيث زار 7.5 مليون كوري اليابان العام الماضي. 2.5 مليون ياباني زاروا كوريا. هذا التبادل الإنساني فيه أساس لتطوير العلاقات. والخيار هو بـ«الدبلوماسية الهادئة». العلاقة مع كوريا الشمالية، طوكيو فتحت بوابة التفاوض بين واشنطن وبيونغ يانع عبر «الأطراف السداسية» في 2004، لكن ترمب الذي ذهب من أوساكا إلى المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين ليعقد القمة الثالثة مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ - أون يسير بسرعة تفوق اليابانية وبسقف أقل من «شجرة السماء» في طوكيو. هو يريد من بيونغ يانغ «تجميد» البرنامج النووي، وعدم إجراء تجارب لتطوير الصواريخ طويلة المدى تصل إلى «أميركا الوطن الأم». آبي طلب منه إدراج ملف المخطوفين اليابانيين الـ13 في كوريا الشمالية على جدول الأعمال. وضع برنامج زمني للتخلص من البرنامج النووي لبيونغ يانغ. كوريا الشمالية «أحد أكبر التحديات الأمنية لليابان بسبب النووي». في 2016 و2018 أطلقت صواريخ 40 مرة بعضها مر فوق اليابان. أقصر صواريخ بيونغ يمكن أن يصيب اليابان. «هذا تهديد وجودي لنا. ليست لنا علاقة دبلوماسية، لكن نريد التطبيع وبحث ملفات: النووي، الصواريخ، المخطوفين»، بحسب خبير.

يقظة روسيا
ماذا عن روسيا؟ هناك نزاع على 4 جزر يعود إلى عام 1945 احتلها الاتحاد السوفياتي. في خريف العام الماضي فاجأ بوتين ضيفه آبي باقتراح اتفاق سلام. منذاك، استمرت المفاوضات للوصول إلى الاتفاق بين الطرفين. آبي وبوتين يريدان اتفاق سلام. روسيا، دولة مهمة ولديها دور بما فيها قضية كوريا الشمالية وفي العالم. لكن «القضية الرئيسية إعادة جزر هوكايدو الأربع». موسكو لا تريد إعادة الجزر لطوكيو. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال: «يجب أن تعترفوا بنتائج الحرب العالمية الثانية. إنها قضية حساسة لطوكيو وآبي ابن وزير الخارجية الأسبق شينيرتو الذي حاول فتح ثغرة مع موسكو. هذا يعني أن روسيا ترمي كرة حارة إلى اليابان».
عشية «قمة العشرين»، قال بوتين إنه لن يعيد الجزر. هذا لم ينسف قمة بوتين - آبي غداة ختام القمة. لقاء ثنائي. حفل موسيقي. اتفاق صداقة. محادثات حول شؤون العالم وآسيا. بالنسبة إلى طوكيو، فإن توقيع «اتفاق السلام» مرتبط بإعادة الجزر، لكن العجلة لن تتوقف إلى حين تحقيق ذلك. «نلجأ إلى نهج خطوة - خطوة. فيزا لتدفق الناس. اقتصاد. إجراءات بناء الثقة».
في اليابان خط التماس الانكفاء الأميركي مع الصعود الصيني. تحت مظلة الحفاظ على الحلف الاستراتيجي مع واشنطن، يحاول آبي «تغيير البيئة الأمنية» في الجوار. تطبيع واتفاقيات مع دول الجوار وتقوية القدرة الدفاعية الذاتية. كثير من حلفاء أميركا في الشرق الأوسط والعالم يقومون بصمت بالشيء ذاته. «العلاقة مع واشنطن لم تعد كافية». النظام العالمي الذي ولد بعد انتصار أميركا في الحرب العالمية الثانية يتغير. مخاض لولادة نظام عالمي جديد.
في أوساكا، كان الصحافيون يترقبون لقاء ترمب - شي لمعرفة مصيرهم. لم يكن الاهتمام منصباً على مصير هونغ كونغ والاحتجاجات فيها أو حقوق الإنسان أو الحرب السيبرانية. لم يكن الاهتمام بـ«القيادة بالنموذج» من أميركا. الملاحقة هي لمصير «هواوي» و«الحرب التجارية». يومان في «قمة العشرين» فيهما الكثير من الدلالات لتحولات عقود مقبلة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...