معرض «بعلبك أرشيف الخلود» يروي حكاية «مدينة الشمس»

معرض «بعلبك أرشيف الخلود» يروي حكاية «مدينة الشمس»

بعد سنتين من التحضيرات المكثفة
الثلاثاء - 28 شوال 1440 هـ - 02 يوليو 2019 مـ رقم العدد [ 14826]
بيروت: فيفيان حداد
للوهلة الأولى سيشعر زائر معرض «بعلبك أرشيف الخلود» الذي يستضيفه وينظمه «متحف سرسق» في بيروت بأنّه يتجول في متحف مصغّر يحكي عن «مدينة الشمس»؛ فلقد حاول فالي محلوجي القيّم على هذا المعرض، أن يقدّمه ضمن مروحة فنية غنية تشمل المرئي والمسموع والتجهيزات المتحركة والتحف واللوحات والمخطوطات والصور الفوتوغرافية والكتب وغيرها، واضعاً التاريخين القديم والجديد لها بمتناول مشاهدها.

ووفقاً للأسهم والشارات التي تدلك على مسار المعرض في الطابق السفلي الثاني لـ«متحف سرسق»، ستستهلّ جولتك هذه بمعلومات عن بعلبك عبر التاريخ تحت عناوين متفرقة كـ«عشرة آلاف سنة من زمن المستوطنات الأولى إلى الوقت الحاضر»، و«الثورة الزراعية ومهد الحضارة». مروراً بحقب تاريخية أخرى تشمل الآرامية والأشورية والفارسية والسلوقية والهلنستية والرومانية، وصولاً إلى الحقبة الحديثة.

وبين تماثيل نصفية وأوانٍ فخارية ولوحات زيتية وقصاصات ورقية جُمعت من مصادر مختلفة، وبينها المديرية العامة للآثار ومتحفا الجامعتين الأميركية واليسوعية، تسترعي نظرك لوحات زيتية ضخمة تحكي عن هذه المدينة بريشة فنانين أجانب وآخرين لبنانيين. وقد تمت استعارتها من أصحابها، كبيرت، ورونالد شاغوري، وفيليب جبر، وهالة، ومارك سرسق كوكرن، وفندق بالميرا، ومجموعة «رفيق شرف»، وغيرهم.

أما العمل الفني الذي ستتوقف أمامه لدقائق طويلة تتأمله لمشهديته المرسومة بإتقان بريشة نبيل نحاس، فهو بعنوان «مدينة الشمس»، الذي يقدّم أعمدة قلعة بعلبك الشهيرة بعين شغوفة بهذا المعلم. «إنّها اللوحة التي سيجري عليها في سبتمبر (أيلول) المقبل، مزاداً علنيّاً يعود ريعه لمتحف سرسق ومهرجانات بعلبك»، توضح زينة عريضة مديرة «متحف سرسق» المنظّم لهذا الحدث.

وتتابع في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «وهي تُعدّ أحدث لوحة فنية تتناول مدينة بعلبك. فلقد دأب الفنان نبيل نحاس على تنفيذها خصيصاً لهذا الحدث، ولقد طلبناها منه و(مهرجانات بعلبك) منذ نحو شهر واحد فقط». وهذه اللوحة التي قد تكون في المستقبل فاتحة لمجموعة أعمال تحكي عن هذه المدينة العريقة وموقَّعة دائماً من الفنان نحاس، مشغولة بتقنية الأكليريك على الكانفاس وتصوّر معبد جوبيتر في قلعة بعلبك الأثرية.

وتشير عريضة في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ المعرض استغرق نحو سنتين من التحضيرات، بما في ذلك الأبحاث الخاصة فيه على مستويات كثيرة، شملت تاريخ بعلبك والناحية الأركيولوجية لها التي تكشف عن أنّها بُنِيت منذ نحو 10 آلاف سنة، وليس منذ 8 آلاف سنة في الحقبة الرومانية، وهو معتقَد خاطئ لدى كثيرين.

«لقد حاولنا تسليط الضوء على هذه النقطة من خلال التاريخ الأركيولوجي للمدينة والقلعة معاً»، تقول زينة عريضة، وتضيف: «كانت الفكرة الأساسية لهذا الحدث الإضاءة على هذه المدينة أيضاً، من خلال سكانها. وكان لنا شهادات حية مع كثيرين منهم معروفين، أمثال الرئيس حسين الحسيني وسهام وجورج عوض وأميمة وحماد ياغي وغيرهم، وكذلك الشاعر طلال حيدر الذي استعرنا منه قصائد شعرية بصوته يحكي فيها عن بعلبك، كتلك التي ألقاها بمناسبة الذكرى الـ60 لتأسيس مهرجاناتها الفنية، وبإمكان زائر المعرض الاستماع إليها».

ويتناول المعرض أهمية المدينة للبنان الحديث، وكيف تحولت مع الزمن إلى واحدة من رموزه الوطنية الأساسية. فنراها تتصدر ملصقات سياحية ترويجية معروضة للخطوط الجوية اللبنانية، ووزارتي السياحة والثقافة، إضافة إلى طوابع أميرية احتلَّت مساحة كبيرة منها تماماً كأرزة لبنان.

وعن الصعوبات التي واجهها منظموه، توضح عريضة: «لقد استطعنا تأمين مادة غنية جدياً، ولكن السؤال الكبير تمحور حول كيفية تنسيقها وعرضها. فكلفنا شركة فنية ألمانية مختصة بهذا الموضوع بتنفيذه حسب رؤيتها الفنية».

وعما إذا سيسافر هذا المعرض إلى دول أوروبية ترد زينة عريضة: «إننا نفكر في وضعه ضمن كتاب، وكذلك أن نحمله كنزاً يجول في العالم، ويستكشفه الناس من كل حدب وصوب، والمستقبل سيحدد هذه الأمور. فهو، إضافة إلى كونه غنياً بمادته التاريخية، يتضمن نحو 80 قطعة أثرية قدمتها لنا مديرية الآثار في لبنان، وهي سابقة لم تحصل من قبل. ومن الفنانين الأجانب الذين ترتفع لوحاتهم في هذا المعرض لويس فرنسوا كاساس، الذي يقدم منظراً لبعلبك مع معبد (جوبيتر) من القرن الثامن عشر. وويليام هنري بارتليت الذي رسم المعبد نفسه بالحبر البني. وكذلك نشاهد زيتية لبروسبر ماريلهات عن آثار بعلبك، وأخرى من نوع الزيت على الخشب لوالتر جون حول منظر للرياق. أمّا المجموعة الأكبر من اللوحات المرسومة لفنان محلي فتعود إلى رفيق شرف ابن هذه المدينة الذي كان شغوفاً ببعلبك، فجاء المعرض كتحية تكريمية له. ومن الصور الفوتوغرافية التي يحتضنها المعرض مجموعة «المؤسسة العربية للصورة»، من حقبة الطباعة الورقية، من تظهير بالفضة الهلامية، وملونة باليد.

وتنتهي جولتك في «بعلبك - أرشيف الخلود» على وقع صوت فيروز الصادح في أنحاء قاعة جانبية؛ فتعرض بصورة مستمرة على شاشة ضخمة حكاية مهرجانات بعلبك منذ تأسيسها في عام 1956 حتى اليوم.
لبنان متحف

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة