94 غارة برية وجوية أفغانية أميركية على مواقع «طالبان»

عشرات القتلى والجرحى في تبادل هجمات بين المسلحين والقوات الحكومية

94 غارة برية وجوية أفغانية أميركية على مواقع «طالبان»
TT

94 غارة برية وجوية أفغانية أميركية على مواقع «طالبان»

94 غارة برية وجوية أفغانية أميركية على مواقع «طالبان»

تصاعدت المواجهات بين القوات الحكومية الأفغانية وقوات «طالبان»، مع بدء جولة جديدة من المحادثات بين وفد أميركي، برئاسة المبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد، ووفد من المكتب السياسي لحركة «طالبان» في الدوحة. وشهدت العديد من الولايات الأفغانية المزيد من المعارك وسقوط عشرات القتلى من الطرفين. فقد أعلن مسؤولون حكوميون مقتل أربعين من قوات حكومية وميليشيا موالية للحكومة في منطقة نهرين في ولاية بغلان شمال العاصمة كابل بعد هجوم شنته قوات «طالبان» على نقطتي تفتيش ومراقبة حكوميتين، مع بدء الجولة الجديدة من المحادثات بين الوفد الأميركي ووفد «طالبان» في الدوحة. ونقلت وكالة «خاما بريس» المقربة من هيئة الأركان في وزارة الدفاع الأفغانية عن مسؤولين قولهم إن عدد القتلى والجرحى وصل إلى 40 قتيلاً في هجمات «طالبان» على مواقع في منطقة نهرين، فيما وصفه مسؤول حكومي بسعي «طالبان» الدؤوب للتفاوض من موقع قوة في جميع جولات المفاوضات مع الوفد الأميركي. لكن المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد، نفى أي صلة للهجوم بجولة المفاوضات الجديدة مع الوفد الأميركي في الدوحة، مشيراً إلى أن الحركة ستواصل هجماتها وقتالها حتى يتم توقيع اتفاق سلام مقبول من «طالبان».
وكان جنديان أميركيان قتلا قبل أيام في مواجهات مع قوات «طالبان»، حيث تحتفظ القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي بقوة قوامها نحو عشرين ألف جندي، قيل إن مهمتهم تقديم الدعم والمساندة والتدريب والمشورة للقوات الحكومية الأفغانية، لكن هذه القوات، خصوصاً الأميركية، تواصل خوض مواجهات مع قوات «طالبان» في عدد من الولايات، إضافة إلى تقديم الدعم الجوي للقوات الحكومية الأفغانية في معاركها ضد «طالبان».
وتسعى الولايات المتحدة إلى نيل موافقة «طالبان» على عدم استخدام الأراضي الأفغانية منطلقاً لعمليات من أي جماعة مسلحة ضد أي دولة خارجية، فيما تصر «طالبان» على انسحاب كامل وشامل لكل القوات الأجنبية من أفغانستان، قبل الإعلان عن وقف لإطلاق النار، فيما ما زالت الحركة ترفض قطعياً إجراء أي محادثات مباشرة مع الحكومة الأفغانية الحالية، واصفة إياها بأنها دمية بيد القوات الأميركية في أفغانستان.
وكان مسؤولون حكوميون أفغان أعلنوا مقتل ثمانية من مسؤولي مفوضية الانتخابات ليل السبت داخل مركز محلي في ولاية قندهار جنوب أفغانستان، كانوا يسجلون الناخبين استعداداً للانتخابات الرئاسية التي أجلت من أبريل (نيسان) إلى يوليو (تموز)، ثم تم تأجيلها إلى الثامن والعشرين من سبتمبر المقبل.
وقال قاري يوسف أحمدي، وهو متحدث باسم «طالبان»، إن أعضاء من الحركة قتلوا موظفي مفوضية الانتخابات، فضلاً عن 57 من أفراد قوات الأمن والجيش الأفغاني. وأضاف أنهم أسروا كذلك 11 شخصاً، واستولوا على 5 سيارات وكمية كبيرة من الأسلحة خلال الهجوم على مركز المنطقة. لكن مسؤولي الحكومة الأفغانية قالوا إن «طالبان» بالغت في أرقام الضحايا.
وقال المسؤول بشرطة قندهار قاسم آزاد، إن قوات الأمن والدفاع الوطني الأفغانية منيت ببعض الخسائر البشرية، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل.
وفي إطار منفصل، ذكر مسؤول محلي أن مقاتلي «طالبان» قتلوا ثمانية جنود أفغان، وأصابوا ثمانية آخرين عند نقطة تفتيش عسكرية في منطقة بالابولاك بإقليم فراه في غرب أفغانستان. وقال محمود نعيمي نائب رئيس المجلس المحلي في فراه، اليوم الأحد، إن اشتباكات على الأرض بين الطرفين انتهت بعدما شنت القوات الأفغانية ضربات جوية. وأضاف: «كثير من مقاتلي (طالبان) لقوا حتفهم في الضربة الجوية».
كما أعلنت القوات الأفغانية مصرع 45 من قوات «طالبان» في ولاية بلخ الشمالية، بينهم ثلاثة من حكام الظل من «طالبان»، في ثلاث مديريات في الولاية. وقال بيان لوزارة الدفاع الأفغانية، نشرته وكالة «خاما بريس»، إن غارات جوية تم شنها على مواقع «طالبان» في مديرية شولجرة في الولاية. وأضاف البيان أن 11 قائداً محلياً من «طالبان» لقوا مصرعهم في غارات أخرى.
كانت وزارة الدفاع الأفغانية أعلنت أن قواتها شنت 94 غارة على مواقع لـ«طالبان» خلال الـ24 ساعة الماضية، حيث شنت قوات الجيش 13 هجوماً على مواقع «طالبان»، فيما شنت القوات الخاصة الأفغانية 81 هجوماً لوقف تقدم قوات «طالبان» في العديد من الولايات الأفغانية. وشملت الغارات 22 غارة جوية لدعم القوات البرية الحكومية، فيما توزعت الهجمات البرية على ولايات بكتيكا وتاخار ودايكوندي وفارياب وميدان وردك وهلمند وغزني وسريبول وعدد من الولايات الأخرى، وأشار البيان الحكومي إلى مقتل 73 وجرح 31 من قوات «طالبان» في هذه الهجمات والغارات الجوية، كما تمكنت القوات الحكومية، من أسر 23 من مسلحي «طالبان»، وأضاف البيان أن قوات حلف شمال الأطلسي قدم الدعم للقوات الأفغانية خلال هجماتها على مواقع «طالبان».
وشهدت مديرية سروبي، شرق العاصمة كابل، هجمات للقوات الحكومية الأفغانية، حسب بيان لوزارة الداخلية، ما أدى إلى مقتل عشرين من مقاتلي «طالبان» في المنطقة، وجرح خمسة آخرين.
وتزامن التصعيد على جبهات العديد من الولايات الأفغانية مع بدء الجولة السابعة من المفاوضات بين وفد أميركي برئاسة المبعوث الأميركي الخاص بأفغانستان زلماي خليل زاد، ووفد من المكتب السياسي لـ«طالبان» في الدوحة. وتتركز المحادثات بين الجانبين على نقطتين مهمتين هما جدول زمني مقبول لانسحاب كافة القوات الأجنبية من أفغانستان، كما تشدد عليه «طالبان»، وضمانات بعدم استخدام الأراضي الأفغانية منطلقاً لأي عمليات ضد أي دولة خارجية، كما قدمه المبعوث الأميركي لوفد «طالبان». وأحرز الطرفان تقدماً حول النقطتين، فيما يسعى الطرفان للوصول إلى مسودة اتفاق بينهما حول النقطتين المذكورتين.
وأشار المبعوث الأميركي لأفغانستان إلى أن الاتفاق مع «طالبان» يجب أن يتزامن مع «تفاهم» ببدء حوار أفغاني داخلي بين الحكومة الأفغانية والقوى السياسية في كابل من جهة، ووفد من المكتب السياسي لـ«طالبان» من جهة أخرى، والاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار. لكن وفد «طالبان» رفض حتى الآن بشدة أي محاولة للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية، أو وقف شامل لإطلاق النار قبل إعلان انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان. وكان وفد من «طالبان» التقى عدداً من القيادات السياسية الأفغانية في الدوحة وموسكو، بينهم الرئيس السابق حامد كرزاي، كما ضم وفد القيادات السياسية الأفغانية عدداً من وزراء الحكومة الأفغانية، لكن «طالبان» قالت إنها التقت بهم على أساس أنهم مواطنون أفغان، وليس بموجب مناصبهم الرسمية. وسعى الرئيس الأفغاني أشرف غني، لنيل مساعدة باكستان في الضغط على «طالبان» للجلوس مع وفد رسمي من الحكومة الأفغانية. وأجرى الرئيس الأفغاني عدداً من التغييرات في الدائرة المحيطة به تمهيداً لإمكانية التفاوض مع «طالبان»، فقد عين الرئيس أشرف غني، فيض الله كاكر، مديراً عاماً لمكتب الرئاسة، فيما عين مدير مكتبه السابق عبد السلام رحيمي مستشاراً لشؤون السلام ووزيراً مفوضاً.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».