أوباما يستعد لتوسيع الضربات الجوية ضد «داعش» إلى سوريا

الرئيس الأميركي لديه صلاحية إصدار أوامر عملية موسعة.. والكونغرس لا يزال منقسما حول التصويت على عمل عسكري

أوباما يستعد لتوسيع الضربات الجوية ضد «داعش» إلى سوريا
TT

أوباما يستعد لتوسيع الضربات الجوية ضد «داعش» إلى سوريا

أوباما يستعد لتوسيع الضربات الجوية ضد «داعش» إلى سوريا

صرح مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية بأن الرئيس باراك أوباما مستعد لإصدار أوامره بتوجيه ضربات جوية في سوريا، منتقلا بالحملة العسكرية ضد تنظيم داعش إلى ساحة جديدة وغير متوقعة.
لكن أوباما لا يزال يواجه مجموعة من التحديات، بما في ذلك كيفية تدريب وتجهيز قوة برية حيوية وناجحة لمحاربة «داعش» داخل سوريا، وكيفية التدخل من دون تقديم المساعدة إلى الرئيس السوري بشار الأسد، وكذلك كيفية حشد الشركاء مثل تركيا والسعودية. وكان خطاب أوباما، المقرر أن يكون ألقاه مساء أمس، مخصصا لتوضيح استراتيجيته إلى المواطنين الأميركيين حيال «إضعاف ثم تدمير الجماعة الإرهابية في النهاية»، على نحو ما صرح به البيت الأبيض في بيان صدر أخيرا. أما الأشخاص المُطّلعون على خطط الرئيس الأميركي فقد وصفوها بحملة طويلة الأجل وأكثر تعقيدا من الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة ضد أهداف تخض تنظيم القاعدة في اليمن وباكستان وغيرهما من الدول. وقاوم أوباما التدخل العسكري في سوريا لما يربو على ثلاث سنوات، خشية أن يؤدي التسليح المبكر للمتمردين المعارضين للسيد الأسد إلى الفشل في تغيير التوازن في الحرب الأهلية، في حين أن المزيد من التدخل العسكري من شأنه أن يأتي بآثار ممتدة في المنطقة المضطربة.
وعندما هدد أوباما سوريا بالضربات الصاروخية العام الماضي، بعدما استخدمت قوات الأسد الأسلحة الكيماوية، قادته المعارضة الشرسة داخل الكونغرس الأميركي إلى التخلي عن تلك الخطة. أما الآن، وعلى الرغم من كل شيء، فإن التهديد الذي يشكله «داعش» غيّر من المناخ السياسي الأميركي ومن حسابات الرئيس كذلك.
في يوم الثلاثاء، أطلع الرئيس زعماء الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، على خططه. وأخبرهم أوباما بأنه يعتقد أن لديه السلطة اللازمة لإصدار أمر بتنفيذ عملية موسعة، على الرغم من أنه «سوف يرحب بأي خطوة من جانب الكونغرس من شأنها أن تساعد في الجهود الشاملة الجارية»، حسبما أفاد بيان البيت الأبيض. غير أن الكونغرس الأميركي يشهد حالة من الانقسام حول الحاجة إلى التصويت على العمل العسكري قبل انتخابات التجديد النصفي، ويبدو أن كلا الجانبين يبحث عن وسيلة لحشد التأييد داخل الكونغرس من دون منح تفويض صريح باستخدام القوة. وإحدى الوسائل قيد المناقشة حاليا هي قيام المشرعين في الكونغرس بالموافقة على تمويل قدره 500 مليون دولار من أجل تدريب وتسليح المتمردين الذين يقاتلون «داعش» في سوريا، وهو التشريع الذي طال انتظاره في كابيتول هيل. يعد خطاب الرئيس أوباما للأمة، عشية الذكرى السنوية الثالثة عشرة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية، تتويجا لأسابيع من المداولات الداخلية المطولة، والتي تلتها أيام من الحشد والضغط الشديد من قبل حلفاء الرئيس - في اجتماع حلف شمال الأطلسي في مدينة ويلز الإنجليزية، ومع الكونغرس، وحتى خلال العشاء الذي استمر لثلاث ساعات ليلة الاثنين الماضي مع الأعضاء الديمقراطيين والجمهوريين في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية. وقد تحرك البيت الأبيض متحفزا إثر حوادث قطع رؤوس الصحافيين الأميركيين، جيمس فولي وستيفن جيه سوتلوف، على يد مقاتلي «داعش» الملثمين. وحولت الصورة المروعة، التي التقطت من مقاطع الفيديو وانتشرت في جميع أنحاء العالم، الرأي العام الأميركي لصالح تنفيذ العمل العسكري ضد المسلحين، كما يظهر في استطلاعات الرأي الأخيرة، ويبدو أنها حفزت كذلك الرئيس الذي قاوم طويلا التدخل العسكري في سوريا.
لكن أوباما يواجه بعض التعقيدات أثناء عمله على حشد الدعم في الداخل وتكوين التحالف في الخارج. فالحكومة التركية، على سبيل المثال، تخشى من الهجمات الانتقامية من جانب «داعش» نظرا لقلقها من أن تقوم الجماعة المتطرفة بإيذاء المواطنين الأتراك المحتجزين لديها وعددهم 49 مواطنا، بمن فيهم القنصل التركي العام، عقب قيام «داعش» بالهجوم على القنصلية التركية في مدينة الموصل العراقية.
التقى وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، أول من أمس، مع القادة الأتراك لمناقشة مساهماتهم في الجهد المزمع القيام به، غير أنه خرج من دون الحصول على التزامات ملموسة، حيث أعرب أحد المسؤولين الأتراك عن قلقه من أن تقع الأسلحة المرسلة إلى المتمردين السوريين لمحاربة «داعش» في أيدي المقاتلين الأكراد الذين تصنفهم تركيا ضمن الجماعات الإرهابية. وأرسل البيت الأبيض جون كيري وزير الخارجية إلى السعودية هذا الأسبوع لضمان تأييد السعوديين.
وخلال العشاء الذي جرى يوم الاثنين، تحدث العديد من المشاركين، وأعرب الرئيس أوباما عن ثقته في تكوين تحالف قوي ضد «داعش» مع مرور الوقت. وقال المشاركون إنه عرض عليهم خطة شاملة تتضمن المكونات العسكرية، والدبلوماسية، والآيديولوجية، استنادا إلى محاولة مواجهة مسار الأحداث الذي عمل «داعش» على الترويج له في العالم العربي. وقال أحد الضيوف، صامويل آر بيرغر، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، إن الصورة الكبيرة تشير إلى أنه سوف يكون مشروعا طويل الأجل بالفعل، وإنه من الضروري أن تقوده أميركا، وإن ذلك الصراع لا يمكن أن يتحول إلى صراع أميركي سني. وأضاف «يجب أن يكون الأمر واضحا: أننا نساعد المعتدلين السنة في محاربة المتطرفين منهم». وصرح أحد الحضور أيضا، وهو ستروب تالبوت، وكان يشغل منصب نائب وزير الخارجية الأميركية سابقا ومدير معهد بروكينغز حاليا، قائلا «إن الرئيس ينظر إلى (داعش) بصفته ظاهرة جديدة تستلزم عدم التفكير فيها من زاوية أن بعضا منهم هنا وبعضا منهم هناك، لكن أيا كان الأمر فلا بد من قتالهم». وقالت جين هارمان، رئيسة مركز وودرو ويلسون، إنه في حين احتلت حكومة الأسد جانبا كبيرا من المناقشات، فإنها وغيرها من المشاركين أخبروا أوباما بأنه بإمكانه إصدار تفويض بتنفيذ عمل عسكري في سوريا من دون الخوف من مساعدة الأسد، نظرا لأن «داعش» يحتل أراضي ليست تحت سيطرته، وأنه من غير المرجح لقواته إعادة احتلال تلك المناطق.
لكن هارمان، وهي نائبة ديمقراطية سابقة عن ولاية كاليفورنيا، قالت إنها أصرت وبشدة على وجوب حصول الرئيس أوباما على تفويض من الكونغرس حيال أي عمل يقوم به. غير أن دعوتها تلك لم تلق ترحيبا من قبل العديد من النواب الديمقراطيين الحاليين في الكونغرس. وصرحت نانسي بيلوسي، من ولاية كاليفورنيا، وزعيمة الأقلية في مجلس النواب، للصحافيين بأن الموقف العام تجاه العمل العسكري كان شديد التباين منذ عام مضى، حينما واجه السيد أوباما معارضة شديدة في الكونغرس إزاء شن الهجمات الصاروخية ضد حكومة الأسد ردا على استخدامها للأسلحة الكيماوية. وأشارت بيلوسي إلى أن التصويت الوحيد الذي من المرجح أن يجريه الكونغرس سوف يكون قبل انتخابات الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) حول تمويل الحملة العسكرية، لكن الزعماء الجمهوريين لم يعدوا بذلك حتى الآن.
ومن المتوقع طرح التصويت على مشروع قانون للتمويل المؤقت في مجلس النواب يوم الخميس، والذي يشتمل على الإنفاق على العمليات العسكرية في الخارج من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) وحتى الحادي عشر من ديسمبر (كانون الأول)، لكن الأموال سوف تظل قيد القانون الشامل حتى تتمتع الحكومة بحرية التصرف. وقال مساعدون جمهوريون في مجلس النواب، إن ما يسمى بعمليات الطوارئ في الخارج سيتم تمويلها على نفس مستوى تمويل مثل تلك الجهود في السنة المالية الحالية. وقد أضاف الجمهوريون بالفعل 88 مليون دولار في صناديق جديدة لمكافحة فيروس إيبولا.
وقال السيناتور ميتش ماكونيل، القيادي الجمهوري من ولاية كنتاكي، إنه يُفضل إصدار تفويض من الكونغرس على تنفيذ العمل العسكري. لكنه أضاف أن الأمر يرجع إلى الرئيس في عرض خطة واضحة لهزيمة «داعش» على الكونغرس قبل إجراء أي تصويت على التفويض المذكور. وقال متحدث باسم السيد جون إيه بوينر، رئيس المجلس، إنه سوف يدعم نشر القوات العسكرية الأميركية «للمساعدة في تدريب القوات العراقية والقيام بدور استشاري لصالحها ومساعدتها على استهداف» قادة «داعش». غير أنه لم يشر إلى التصويت في مجلس النواب. وقبل الخطاب، أرسل البيت الأبيض وفدا للقاء النواب في جلسة إحاطة سرية. ومن بين الوفد الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة، وماثيو أولسن مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وأنتوني جيه بلينكن نائب مستشار الأمن القومي.
* خدمة «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.