شعراء عراقيون يكتبون نصوصهم على جدران «فيسبوك»

أهم شاعر لا يطبع أكثر من 500 نسخة في بلد يسكنه 35 مليون إنسان

شعراء عراقيون يكتبون نصوصهم على جدران «فيسبوك»
TT

شعراء عراقيون يكتبون نصوصهم على جدران «فيسبوك»

شعراء عراقيون يكتبون نصوصهم على جدران «فيسبوك»

أخذت كتابة الشعر على جدران «فيسبوك»، تزداد بازدياد عدد المدونين والمتفاعلين في هذا الفضاء الأزرق، بغض النظر عن غثه وسمينه وهي ظاهرة تستحق وقفة متأملة، في طبيعة القصيدة واستجابة المتلقي لها. وفي الوقت الذي ازدحمت فيه الصفحات بخواطر يتبادلها المدونون ولا تستحق التوقف عندها، والتعاطي معها (شعرا)، نجد عدداً من الشعراء المعروفين وجدوا في الفضاء الإلكتروني نافذة يطلون منها على قرائهم، هاجرين تقريباً المنابر الورقية. هل لذلك علاقة بمحدودية منافذ النشر التقليدية، أم بسبب سرعة انتشار النص وزيادة حجم قرائه في هذا الفضاء؟
هنا آراء عدد من الشعراء العراقيين:

إبراهيم البهرزي: الحرية المطلقة في التعبير
من المؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي صارت منافسة للمطبوعات الورقية في مجال الاتصال الثقافي ولكن ليست الأسباب المتعلقة بمحدودية منافذ النشر أو سرعة الانتشار أو عملية تسويق النص وحدها ما يدفع إلى ذلك، وأعتقد أن لكل أسبابه ودوافعه.
على صعيد شخصي، يمكنني الزعم أنه ما من سبب من الأسباب المذكورة أعلاه كان دافعي لاختيار هذه الوسيلة تحديدا منصة وحيدة (تقريبا) للتعبير، وإنما سبب آخر، وأظن ثمة من يشترك معي بهذا السبب، وهو الحرية المطلقة في التعبير وتجنب إحراج المسؤول الثقافي في المطبوعة الورقية بسبب مضامين ربما لا تتوافق مع سياسة هذه المطبوعات. فمن اليقين أن لكل مطبوع ثقافي سياسة عامة، وبعض الشعر قد يجنح عن كل سياسة عامة لما ينطوي عليه من تأويلات ذات حساسيات مريبة للبعض!
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التواصل البيني المباشر بين الكاتب وقرائه هو أكثر حميمية وحرارة لتوفر خاصية التعليق والردود على التعليقات أولا بأول ما يمنح الحالة طبيعة الندوة الأدبية الحية خاصة للأدباء الذين تمنعهم ظروفهم الشخصية من فرص التواصل المباشر مع قرائهم في عالم الواقع الفعلي.
مع ذلك لا بد من الإقرار أن للأمر جانباً سلبياً يتمثل في التراكم المجاني للشعر عبر هذه الوسائل ما يقود إلى رثاثة الشعر، خاصة بالنسبة للقراء الذين لا يمتلكون الحس النقدي المؤهل للفرز بين العادي والاستثنائي.
التراكم يفسد الذائقة الشعرية من منطلق أن الكثرة تغلب النوع، ولكن شأن كل تكرار يقود إلى الملل، إلا أن الملل نفسه سيقود يوما إلى ضرورة الاختيار الجيد وفقا لقانون الديالكتيك.

حميد قاسم: أنشر بلا اشتراطات
بالنسبة لي، صفحات «فيسبوك» أكثر فاعلية من الصحف والمجلات، على الرغم من غياب المكافأة المادية التي يتلقاها الشاعر عن نصه، لكنه يكسب ما هو أهم... الحرية.
في «فيسبوك» أنشر نصوصي بلا اشتراطات محرر ثقافي قد يكون مزاجه وذائقته لا تستسيغان كتابتك، وربما عمد بعضهم إلى التلاعب بنصك أو تشويهه... ويبقى العامل الأهم هو الانتشار.
لدي 5000 صديق ونحو 7000 متابع... أضمن أن عددا جيدا منهم يتابع ما أنشره من نصوص، في حين أن أكثر صحفنا انتشارا لا تبيع خمسة آلاف نسخة!
أهم شاعر عراقي لا يطبع أكثر من 500 نسخة من مجموعته الشعرية، ولا تسلني كم يوزع أو يبيع منها، وإذا صدرت مجموعته عن دار الشؤون الثقافية (الدار الحكومية للنشر) التي لا تطبع أكثر من 500 نسخة كذلك، فإنه سيأخذ منها 50 نسخة هدية من الدار فيما تبقى 450 نسخة تحت رحمة الغبار في مخازن الدار... في بلد يوصف بأنه بلد القراءة الأول عربيا لا توزع أكثر من 500 نسخة... وهذا يعني أنه لا قراء للشعر في أي محافظة عراقية، وإلا فماذا يعني أن تبيع 100 نسخة من كتابك في بلد يقطنه 35 مليون إنسان؟

علاوي كشيش: صرت محرراً لصفحتي
نشرت كثيرا من قصائدي في الصحف والمجلات بأنواعها. وكان النشر في هذه الصحف يتطلب التعرف على مسؤول الصفحة أو مخاطبته أو الاتصال به والرضوخ لوعوده، وربما تنشر القصيدة ويفوتني الحصول على نسخة، أو تنشر مع مواد أخرى تهبط فيها قيمة الصفحة، ثم إن القصيدة المنشورة ربما لا تصل إلى القارئ الذي أطمح إلى أن يقرأ قصيدتي، ناهيك من فترات الانتظار، إذ إن أغلب الصحف محكومة بتسلسل المواد الثقافية، وربما يتطلب هذا الأمر مني الانتظار لمدة شهر أو أكثر، فضلا عن مزاجية معينة تحكم محرر الصفحة، وربما رفض القصيدة من دون الاتصال بي. هذا في السابق. أما الآن فقد صرت أنا محررا لصفحتي في «فيسبوك»، وأجد أن قصيدتي تطير إلى قراء غير متوقعين فضلا عمن يتابعونني في النشر سابقا، مع ضمان أن قصيدتي تعبر الحدود وليس كالصحيفة الورقية، كما أنني أستطيع أن أضيف ما أشاء إلى قصيدتي أو أحذف منها ما أريد، والأجمل في الأمر أن تفاعل القراء بمختلف طبقاتهم وذائقتهم تأتيني استجابتهم من خلال إعجاب أو تعليق أو الاتصال بي لخوض حديث يخص القصيدة وفي هذا كله فوائد تتعدى مبدأ التشجيع وتطفر إلى الاهتمام وإبداء الرأي أو النقد النافعين.
فضلا عن أن نشر القصيدة لهذا اليوم يجعلها قد تحققت وأخذت ما تريد، وهذا يجعلني أشعر بولادة القصيدة القادمة التي تأخذ عددا من الأيام وتستمر بهذا لذة الكتابة على العكس مما كان في الصحف الورقية التي تجعلني أفقد أياما بانتظار نشر القصيدة بحيث أفقد أحيانا حماسي في الكتابة، فالقصيدة تأخذ وقتا حتى تولد ثم تنشر لتعقبها فترة قراءة واستراحة بانتظار القصيدة القادمة.
لقد حققت لي صفحتي في «فيسبوك» صداقات وعلاقات نافعة وناضجة مع شعراء عراقيين في الوطن وخارجه وعلاقات طيبة مع شعراء ونقاد عرب يعيشون في شتى بقاع العالم، وأنتفع بآرائهم وتزيدني وعيا بمسار تجربتي، هذا من الناحية النوعية، أما من الناحية الكمية فإن النشر في صفحتي يجعلني ذا تحفز مستمر للكتابة ولتطوير قصائدي وبهذا يزداد الكم ويصير أمامي الخيار واسعا إذا أردت إصدار مجموعة شعرية لأنني سأختار من القصائد أنضجها وأكثر تعبيرا وتجريبا وتأثيرا.

الشاعر سلام دواي: السبب الوحيد هو العزلة
بالنسبة لي، تجربتي مع «فيسبوك» لها أسباب مختلفة ولا تنحصر في محدودية منافذ النشر، أو الانتشار السريع، كان سببها الوحيد، هو العزلة، فأنا أقيم في أستراليا، وهذه الإقامة فرضت علي شروطها الصعبة، وأصعبها بالتأكيد هي العزلة عن الوسط الثقافي العربي والعراقي، هذا الحصار أدى إلى قطيعة مع النشر، والحضور والتفاعل، ثم وجدت نفسي تدريجيا أنقطع عن الكتابة لصالح الحياة العملية.
لقد كاد يكون هذا المصير نهائيا لولا دخولي هذا العالم الأزرق. «فيسبوك» أنعش علاقتي بالوسط الثقافي، ولبى حاجتي للتفاعل الثقافي مع أصدقائي المثقفين الأصليين وأضاف إليهم كثيرا من المثقفين الافتراضيين، أي أنه انتشلني من عزلتي وأعادني مثقفا فاعلا في وسطه من جديد، ليس على صفحتي الشخصية فقط، بل في الصحافة الورقية أيضا، فهي الأخرى أصبح لها حضورها القوي في هذا المجال وأصبحت تختار ما يناسبها لنشره على صفحاتها.
من جهة أخرى، فإن «فيسبوك» مساحة نشر واسعة، وكونية إذا كان المستخدم يجيد أكثر من لغة، وهذه خاصية تغري لاستغلالها مثقفين راسخين أو جدد على حد سواء.
إذا نظرنا من زاوية الشعر، فإن «فيسبوك» يمثل حلا، أو ردا على حصار النشر المفروض عليه من قبل دور النشر. لقد عانى الشعر منذ تسعينات القرن الماضي، من تهميش كبير ومنظم من قبل دور النشر، فصار من المستحيل أن تنشر هذه الدور كتابا شعريا حتى لو كان لأهم الشعراء، لكنها لا تتورع من نشر أي شيء يقرر كاتبه أنه شعر، إذا دفع الثمن، فأدى هذا إلى نشوء تلال من الكتب الشعرية السيئة، التي ساهمت أكثر في تهميش الشعر والإساءة إليه.
ومن وجهة نظر شاعر، أعتقد أن «فيسبوك» أعاد الاعتبار للشعر وجعله بالمواجهة التفاعلية بين المثقف النخبوي والعادي. إنه وسيلة نشر سريعة وفعالة تعزز الجيد، وتسقط الغث في لحظة نشره نفسها من خلال ردود الفعل الحية التي يتلقاها النص من قارئيه، بعكس دور النشر التي تنشر للذي يستطيع دفع الثمن، فشكلت منشوراتها الرديئة حاجزا عزز سوء الفهم لدى المتلقي.



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.