مينو رايولا... حلم اللاعبين وكابوس المدربين

وكيل الأعمال الشهير أشرف على أكبر صفقات اللاعبين في تاريخ كرة القدم... لكنه شخصية مثيرة للجدل

رايولا ربح الملايين من صفقة انتقال بوغبا إلى مانشستر يونايتد
رايولا ربح الملايين من صفقة انتقال بوغبا إلى مانشستر يونايتد
TT

مينو رايولا... حلم اللاعبين وكابوس المدربين

رايولا ربح الملايين من صفقة انتقال بوغبا إلى مانشستر يونايتد
رايولا ربح الملايين من صفقة انتقال بوغبا إلى مانشستر يونايتد

في صباح أحد الأيام في أواخر عام 1992، وفي ملعب التدريب القديم بنادي أياكس أمستردام الهولندي، وصل اللاعب الهولندي السابق بريان روي لكي يودع زملاءه في الفريق. وبعد أربع سنوات من اللعب مع أياكس أمستردام، كان روي في طريقه للانضمام إلى فوجيا الإيطالي في أول صفقة من الصفقات العديدة التي أشرف مينو رايولا على إتمامها بين أندية كرة القدم. وفي الليلة السابقة لهذا اليوم، عندما كان أياكس أمستردام يلعب أمام فينورد، رفع أحد أنصار الفريق لافتة مكتوب عليها بخط اليد: «شكراً بريان».
لكن لم يكن جمهور كرة القدم يعبر دائماً عن امتنانه لرحيل أحد اللاعبين الذين يعمل معهم رايولا كوكيل أعمال. وخلال الصيف الحالي، واعتماداً على الكيفية التي تسير بها الأمور، من غير المرجح أن يودع جمهور مانشستر يونايتد، نجم خط وسط الفريق بول بوغبا، بتمنيات حارة عند رحيله إلى ريال مدريد الإسباني أو يوفنتوس الإيطالي. وقد أصبحت الصفقة، التي يتوقع أن تصل قيمتها إلى أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني، أكثر احتمالاً، الأسبوع الماضي، عندما عبر اللاعب الفرنسي، خلال زيارة ترويجية لليابان، عن استعداده لقبول «تحدٍ جديد» بعيداً عن «أولد ترافورد». وقد يعتقد البعض أن مساعدة المدير الفني النرويجي أولي غونار سولسكاير على إنقاذ مانشستر يونايتد من وضعه المتردي في الوقت الحالي يمثل «تحدياً» لأي شخص، لكن لا يبدو أن هذا هو التحدي الذي يبحث عنه بوغبا ووكيل أعماله مينو رايولا!
ويعد رايولا شخصية مثيرة للجدل، لا سيما في مدينة مانشستر، حيث يكرهه كل من المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون (الذي وصفه ذات مرة بألفاظ نابية خلال مفاوضات وجهاً لوجه) وجوسيب غوارديولا. ويحق لرايولا أن يتفاوض نيابة عن بوغبا، نظراً لأن محكمة التحكيم الرياضية قد قبلت استئنافه ضد القرار الذي أصدره الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في مايو (أيار) الماضي بإيقافه عن جميع أنشطة كرة القدم لمدة ثلاثة أشهر. وكانت العقوبة قد فرضت في البداية من قبل الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، لكن لم يتم الكشف رسمياً عن طبيعة المخالفات المزعومة بحقه.
من ناحية أخرى، ربما يكون نادي أياكس أمستردام الهولندي ممتناً للغاية لرايولا، نظراً للدور الذي لعبه في التفاوض بشأن الوصول لمقابل مادي خرافي للمدافع الهولندي الشاب ماتييس دي ليخت، البالغ من العمر 19 عاماً. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «صنداي تايمز» في عطلة نهاية الأسبوع، فإن يوفنتوس - النادي الذي غالباً ما يبرم معه رايولا بعض الصفقات - هو الأوفر حظاً للحصول على خدمات دي ليخت مقابل 75 مليون جنيه إسترليني، مع العلم بأن العمولة التي سيحصل عليها رايولا من الصفقة كانت عاملاً حاسماً في المفاوضات.
وهناك الكثير من وكلاء اللاعبين البارزين في عالم كرة القدم - على سبيل المثال، حصل وكلاء اللاعبين على 260 مليون جنيه إسترليني من قبل أندية الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي وحده - لكن يمكن القول بأن رايولا، البالغ من العمر 51 عاماً، يعد أحد أبرز وكلاء اللاعبين الذين أحدثوا نقلة نوعية في العلاقة بين الأندية واللاعبين. فبعد انتقاله وهو طفل من بلدة صغيرة بالقرب من نابولي إلى هارلم في هولندا، حيث كان يعمل في مطعم البيتزا المملوك للعائلة، دخل رايولا في علاقات مع اللاعبين تتجاوز اجتماعات العمل. ومنذ عامين، وبعد أن نقل بوغبا من يوفنتوس إلى مانشستر يونايتد مقابل 89 مليون جنيه إسترليني، أوضح رايولا هذا النهج في مقابلة صحافية مع سايمون كوبر من صحيفة «فاينانشال تايمز»، حيث قال عن بوغبا: «أنا لا أراه كعميل على الإطلاق، لكن في الحقيقة أجرؤ أن أقول إنه أحد أفراد العائلة».
وتقع «العائلة الكروية» لرايولا، إن جاز التعبير، في قلب اهتماماته وأنشطته خلال الصيف الحالي. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الصحف والتقارير الإعلامية عن اهتمام كل الأندية الكبرى في العالم بدي ليخت، فهل ينضم بوغبا إلى مواطنه زين الدين زيدان في ريال مدريد من أجل تكوين فريق قوي بعد النتائج السلبية للفريق الملكي الموسم الماضي، أم يعود مرة أخرى إلى يوفنتوس، الذي فاز معه بأربعة ألقاب متتالية للدوري الإيطالي الممتاز ويشعر بأنه وطنه؟
وإذا كانت أساليبه قد جعلته مكروهاً من بعض الرجال الأقوياء في اللعبة، فإن شبكة العلاقات والاتصالات التي كونها رايولا على مدى عقود قد منحته نفوذاً كبيراً. وقبل أكثر من ربع قرن من الزمان، عزز رحيل روي من أياكس أمستردام علاقة وكيل الأعمال الشاب آنذاك مع زدينيك زيمان، المدير الفني لنادي فوجيا. وبعد ذلك بعامين، عندما انتقل زيمان إلى لاتسيو، ساعده رايولا في الحصول على خدمات بافيل نيدفيد، الذي كان مطلوباً من كبرى الأندية في أوروبا بعد الأداء الاستثنائي الذي قدمه مع منتخب جمهورية التشيك في بطولة كأس الأمم الأوروبية عام 1996.
وفي عام 2001، لعب رايولا دوراً حاسماً في انتقال نيدفيد إلى يوفنتوس، الذي حصل معه على لقب أفضل لاعب في العالم. وفي عام 2004 قدم رايولا لاعباً آخر للنادي وهو النجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش، الذي قدم مع «السيدة العجوز» أداءً رائعاً قبل أن ينتقل إلى كل من إنتر ميلان وبرشلونة وميلان وباريس سان جيرمان ومانشستر يونايتد ولوس أنجيليس غالاكسي.
وقد وجد رايولا في إبراهيموفيتش، الذي كان في بداياته الكروية عندما التقيا سوياً في أياكس، العضو الجديد المثالي لعائلته الكروية. وقال رايولا في مقابلة لأحدث نسخة من السيرة الذاتية للاعب بعنوان «أنا كرة القدم»: «لقد أدركت على الفور أنه لاعب متعجرف - بعبارة أخرى، مثلي تماماً». وعلم رايولا، إبراهيموفيتش، كيف يتحكم في أعصابه داخل الملعب، وساعده في يوفنتوس على أن يحذو حذو نيدفيد، وأن يتدرب بكل قوة وإصرار من أجل تطوير مستواه. وقال رايولا: «الأشياء التي تعلمتها من نيدفيد نقلتها إلى زلاتان، والأشياء التي تعلمتها من زلاتان نقلتها إلى بوغبا. بول بوغبا يرى في زلاتان ما يراه في نفسه - فتى جاء من الشوارع ووصل لمكانة عالية ويمتلك مهارة كبيرة للغاية، وأدرك أنه يتعين عليه دائماً أن يعمل من أجل تحقيق الفوز».
لكن لم يظهر بوغبا هذا القدر من الالتزام والعمل الجاد في المراحل الأخيرة من الموسم الماضي مع مانشستر يونايتد. لكن هناك اختلافات بين اللاعبين. لكن الفشل الرئيسي لرايولا يتمثل في لاعب آخر جاء من الشوارع، ووصل لمكانة كبيرة ويمتلك مقومات وفنيات كبيرة، لكنه للأسف لم يجعل كرة القدم همه الأول والأخير وتعامل معها على أنها شيء ثانوي في حياته، وهو اللاعب الإيطالي ماريو بالوتيللي. لكن الشيء المؤكد هو أن بالوتيللي وبوغبا ودي ليخت وإبراهيموفيتش يعتمدون بشكل كامل على رايولا. أما بالنسبة لرايولا نفسه، فيعد هذا صيفاً آخر للتحرك بقوة في سوق انتقالات اللاعبين، واكتشاف نقاط الضعف التي يمكنه استغلالها على النحو الأمثل لتحقيق أفضل عائد ممكن.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.