الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

«صفعة عثمانية» طالب أنصاره بتوجيهها للمعارضة وارتدّت إليه

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه
TT

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

وضعت الحرب على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى أوزارها... وكتب الناخبون لها نهاية مثيرة، على الرغم من أنها كانت متوقعة، كما أوحى بها سياق وترتيب الأحداث منذ الجولة الأولى للانتخابات المحلية التركية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي. يومذاك، انتهت «المعركة» بفوز بفارق ضئيل لصالح مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو يقترب من 14 ألف صوت. إلا أن هذه النتيجة لم تعجب الرئيس رجب طيب إردوغان وقادة حزبه الحاكم (العدالة والتنمية)، فترجموا اعتراضهم إلى ضغوط وحملة تشكيك أفضت، في النهاية، إلى انتزاع قرار من اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع على منصب رئيس البلدية فقط.
وكأن إردوغان وحزبه أرادوا خسارة بفارق يؤكد لهم أن الشعب التركي ما زال ينبض بالحياة، وأنه كما رفعهم من قبل عندما ارتدوا ثوب المظلوم، كان قادراً على أن يقول لهم «توقّفوا» عندما ارتأى أنهم يستخفون بإرادته.
يعود الفوز الساحق الذي حققه أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، في جولة الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول، يوم الأحد الماضي، إلى جملة من الأسباب. بيد أن السبب الأهم هو أن الناخبين الأتراك أرادوا أن يعبّروا عن رفضهم السطو على إرادتهم والاستهانة بها، من خلال قرار للجنة العليا للانتخابات لم يروا فيه إلا استعلاءً على إرادتهم وسلباً لها... فكان ردهم بتوسيع الفارق إلى نحو 800 ألف صوت بين إمام أوغلو ومرشح حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم. وإذا بـ«الصفعة العثمانية»، التي طالب إردوغان أنصار حزبه بتوجيهها إلى المعارضة في انتخابات الأحد الماضي ترتد إليه قوية مزلزلة بنتيجة لم تحدث في تاريخ الانتخابات المحلية بإسطنبول منذ إعلان الجمهورية التركية عام 1923.
فاز إمام أوغلو بنتيجة كاسحة، محققاً نسبة 54.2 في المائة مقابل 44.9 في المائة لمنافسه... وهي نتيجة قيل إنها تطوي صفحة انتخابات إسطنبول – كبرى مدن تركيا – التي تحوّلت إلى «ماراثون» شاق استمر لأكثر من 6 أشهر. لكن الحقيقة أنها فتحت صفحة جديدة في تاريخ السياسة التركية، كما عبّرت عن ذلك المعارضة وجموع المراقبين خارج تركيا.

فوز نادر
لم تخرج رئاسة بلدية إسطنبول منذ عودة الديمقراطية إلى تركيا في عهد الرئيس الراحل تورغوت أوزال في تسعينات القرن الماضي عن سيطرة أحزاب الإسلام السياسي. إذ تناوبت هذه الأحزاب على حكمها منذ عام 1994، عندما تولى الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان هذا المنصب مترشحاً عن حزب الرفاه الإسلامي، بزعامة نجم الدين أربكان، الذي جرى حله لاحقاً.
وبعد ظهور حزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية احتفظ هذا الحزب ببلدية إسطنبول إلى أن فقدها لصالح المعارضة يوم الأحد الماضي. والواضح أن هذا الأمر حصل بعدما وصل الناخبون إلى قناعة بأن البلاد، وليس إسطنبول فحسب في حاجة إلى «دم جديد». وأن إمام أوغلو نجح في التقاط هذه الرغبة وتقديم نفسه على أنه الأمل الذي يبحث عنه الناس للخروج من سلسلة الأزمات التي هزت تركيا في السنوات الأخيرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على الرغم من كونه مرشحاً لمنصب رئيس بلدية... وليس منصب رئيس الجمهورية.
قابل شعار «كل شيء سيكون جميلاً جداً»، الذي أطلقه إمام أوغلو في جولة الإعادة شغف الشارع إلى التغيير. كذلك ساعده استخدامه لغة تصالحية تقوم على احتضان الجميع وتستبعد لغة الاستقطاب والقومية والاستعلاء... التي باتت لغة النخبة الحاكمة في العدالة والتنمية، يتقدمهم رئيس الحزب رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان. وحقاً، وصفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول للمرة الثانية بأنه «توبيخ مذهل» لإردوغان، مضيفة أن «إرغام إردوغان اللجنة العليا للانتخابات على إلغاء نتيجة الانتخابات التي أجريت مارس الماضي اتُخذ بشكل صادم وأثار غضب سكان المدينة». وتابعت، أن الخسارة الثانية فاقمت الضرر السياسي الذي لحق بإردوغان، وأن إخفاق الرئيس في الفوز بالمدينة يعبّر عن الوضع الذي وصل إليه حكمه الذي استعاض عن التكنوقراطيين وشركائه السياسيين بأفراد عائلته والمتملقين.

إخلاص للديمقراطية
من ناحية ثانية، عد عدد كبير من المراقبين نتيجة انتخاب الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول دليلاً على الإخلاص العميق الذي يكنّه الشعب التركي للديمقراطية. لكنهم رأوا أنها لا يمكن اعتبارها حتى الآن انتصاراً كاملاً للمعارضة، على الرغم من أنها قد تكون «بداية انهيار» حزب إردوغان.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار السبب الحقيقي لنتائج انتخابات الإعادة هو مشاعر أهالي إسطنبول تجاه إمام أوغلو، الذي نجح في الوصول إلى كل ركن في المدينة ليذكرهم بإردوغان في بداياته السياسية الأولى انطلاقاً من إسطنبول، بل قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع... الذي أثار سخط كثرة من سكان المدينة غاضبين للغاية ودفع بعضهم إلى تغيير اتجاه تصويتهم.
هذا، ورغم وجود الكثير من أوجه القصور في تجربة تركيا الديمقراطية، مثل: غياب استقلال القضاء، وضعف المجتمع المدني، وتدجين وسائل الإعلام لتكون صوتاً في أغلبها للحزب الحاكم، وتنامي الانتهازية في جوانبها بسبب بحث غالبية العاملين فيها عن المصلحة الذاتية وتحاشي الصدام مع السلطة، يظلّ إيمان الأتراك بفكرة صندوق الاقتراع وأخذه على محمل الجد دائماً هو الوجه الناصع لهذه التجربة. ولذا؛ يمكن اعتبار نتيجة انتخابات الإعادة في إسطنبول، بشكل أساسي، عقوبة على محاولة تجاوز صندوق الاقتراع.
حتى داخل حزب العدالة والتنمية، كانت هذه الفكرة حاضرة بقوة من جانب قيادات الحزب التاريخية البارزة ومؤسسيه، مثل الرئيس السابق عبد الله غل، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، اللذين شجبا قرار اللجنة العليا للانتخابات، في خطوة أظهرت بذور الشقاق بين الرفاق في حزب العدالة والتنمية. ومعلوم أنه في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، يجري الترحيب بمثل هذا النقد الذاتي بين الأعضاء في الحزب الواحد وينظر إليه على أنه أمر طبيعي وحيوي، لكن في نظام تركيا الذي يحكمه حزب العدالة والتنمية يعد هذا النقد أشبه بالانقلاب أو التمرّد، على رئيس الحزب الذي حرص طوال مسيرته منذ عام 2001 وحتى الآن على إظهاره بمظهر الحزب المتماسك.
وهذه المشكلة ليست قاصرة على حزب العدالة والتنمية، فحسب، بل هي أيضاً مشكلة كل أحزاب تركيا، حيث لا يمكن التسامح مع نقد الأوضاع في الحزب أو تجاوز سلطة الرئيس، وهنا يكون الحل الطبيعي الخروج وتشكيل حزب جديد أو الانضمام إلى حزب منافس.

تشرذم حزب إردوغان
لعل من الأسباب التي لم ينتبه إليها كثيرون، والتي قد تحمل إجابة عن السؤال المُلحّ حول الزيادة الكبيرة في فارق الأصوات بين أكرم إمام أوغلو وبن علي يلدريم غير غضب الناخبين من محاولات سرقة إرادتهم، ذلك التشرذم في حزب العدالة والتنمية الحاكم نفسه. فهذا الحزب يفتقد رموز الوحدة منذ جولة الانتخابات المحلية الأولى في 31 مارس الماضي، حين خسر الحزب الحاكم وشريكه في «تحالف الشعب»، حزب «الحركة القومية»، الانتخابات في 4 من أكبر مدن البلاد بينها إسطنبول وأنقرة.
وبعدها، انخرطت الأوساط السياسية والإعلامية داخل تركيا وخارجها في تحليل الجدل الدائر بين إردوغان وغل وداود أوغلو، ولا سيما، سعي الأخيرين إلى تأسيس حزبين سياسيين جديدين سيكونان منافسين بالطبع لحزبهما الأصلي. وتردد أن عبد الله غل سيشكل حزبه بالتعاون مع علي باباجان، نائب رئيس الوزراء السابق، الذي نُسب إليه ما تحقق من نجاحات اقتصادية في المراحل الأولى لحزب العدالة والتنمية.
عند هذه النقطة استشعر إردوغان خطر بوادر الانقسامات الخطيرة التي بدأت تظهر بالفعل على الحزب الحاكم. وتجسّد ذلك في خطابه الاسترضائي بعد الانتخابات المحلية. إلا أن قرار إلغاء انتخابات بلدية إسطنبول نسف كل الفرص، وقد يكون الثمن الفادح الذي سيدفعه إردوغان قريباً – كما يرى بعض المحللين – هو تفكك حزبه إلى 3 أحزاب. إذ باتت المقولة الأكثر رواجاً في تركيا الآن، وخارجها أيضاً، أن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها.

تماسك المعارضة
في المقابل، من أهم الأسباب لما تحقق في إسطنبول هو تماسك المعارضة وحفاظها على بنية «تحالف الأمة» بين حزبي الشعب الجمهوري و«الجيد»، ونجاح التحالف في جذب الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها حزب الشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد). فالملاحظ أن معظم الأكراد الذين يعيشون في إسطنبول اختاروا التصويت لصالح المعارضة، ليس لأن المعارضة كانت تعنى بهم، بل لأنهم فقدوا كل آمالهم في حزب العدالة والتنمية.
وللعلم، حاول إردوغان خلال الأيام التي سبقت انتخابات بلدية إسطنبول تشتيت أصوات الأكراد، وكسب تأييد قسم منهم. وعمل على الاستعانة بطريقة غير مباشرة بالزعيم الكردي عبد الله أوجلان - المعتقل في سجن إيمرالي مدى الحياة، منذ عام 1999، ونقل رسالة على لسانه من قبل أكاديمي كردي زاره في سجنه، وطلب من أنصاره التزام الحياد في الانتخابات. وتحدث إردوغان شخصياً، وكذلك وسائل إعلام رسمية عن رسالة مزعومة وجهها الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، أوجلان، من سجنه داعياً فيها أنصار حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، إلى الحياد.
لكن الحزب ندّد بـ«مناورة تقوم بها السلطات وتهدف إلى تقسيم الناخبين». ودعا، كما فعل في مارس الماضي، إلى التصويت لإمام أوغلو، واستجاب الناخبون الأكراد لدعوة الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي - السجين أيضاً - بالتصويت لمرشح المعارضة.
وبالتالي، أكد الأكراد في إسطنبول أنهم الرقم الصعب في الانتخابات التركية، وأنهم لا ينخدعون بمناورات السياسيين، كما ضربوا مثلاً ديمقراطياً مهماً على قدرتهم على الاختيار، من دون السماح باللعب على وتر ما يوصف بأنه تقديس لأقوال وآراء أوجلان.
وحقاً، من النتائج المهمة التي تمخّضت عنها الانتخابات في إسطنبول هي أن المعارضة التركية برهنت على قدرتها على القفز فوق انقساماتها وحشد قواها في الوقت المناسب من أجل تحقيق أهدافها. واستطاعت من خلال حشد أنصارها وتنظيم لاحتفالات جماهيرية واسعة في شوارع إسطنبول إظهار الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها. وأنها كما كسبت إسطنبول فإنها يمكن أن تكسب تركيا كلها... وهذا ما عبّرت عنه رئيسة حزب «الجيّد» ميرال أكشنار عندما قالت عقب الانتخابات في إسطنبول إن نتيجة انتخابات إسطنبول «تشكل صفحة جديدة في تركيا وإنه لا شيء سيعود إلى ما كان عليه من قبل».

البحث عن مخرج في خضم المشاكل
> رويداً رويداً تقترب تركيا من مشاكل ضخمة قد تتسبب في اضطرابات اقتصادية وسياسية واسعة. فهناك الكثير من المشاكل العاجلة كالعقوبات الأميركية المحتملة بسبب شراء الصواريخ الروسية «إس - 400»، والصراع على الموارد الطبيعية لشرق البحر المتوسط، وملف سوريا، والاضطراب الإقليمي على مستوى الشرق الأوسط، والعلاقة المتوترة مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي لتركيا الذي يتأثر بشدة بهذه القضايا.
صحيح أنه بعث إردوغان برسالة تصالحية عقب الهزيمة الثانية في إسطنبول عبر «تويتر» قال فيها، بعد تهنئته لإمام أوغلو: «سنواصل معالجة جميع قضايا تركيا الداخلية والخارجية بعناية». وبدا واضحاً أن إردوغان يسعى عقب الهزيمة القاسية في إسطنبول، إلى تحويل الأنظار إلى قضايا السياسة الخارجية من خلال الحديث عن رحلة حاسمة سيقوم بها إلى آسيا قريباً، تشمل زيارة الصين بعد «قمة مجموعة العشرين» في اليابان، تعقبها جولة أوروبية.
ولكن السؤال الذي يشغل الساحة السياسية في تركيا حالياً هو ما إذا كان إردوغان سيواصل أسلوبه القديم في التعامل مع المشاكل من خلال إجراء تغييرات شكلية في حزبه وحكومته... أم سيحاول أن يوضح للأتراك أنه تلقى الدروس واستوعبها؟
والأهم من ذلك، هل سيكون قادراً على تحديد مهمة جديدة لحزبه... أم سيفقد السيطرة وينهار الحزب؟
يجمع المراقبون على أن رفض إردوغان الاعتراف بالهزيمة في انتخابات إسطنبول الأولى بنهاية مارس يقوّض حكم القانون في وقت يعاني الاقتصاد التركي كثيراً. لقد بدا أن إردوغان لا يأبه كثيراً لما يقال في هذا الموضوع قائلاً: «كما كنا في الماضي، سنظل نعمل نحو تحقيق أهدافنا لعام 2023 من دون تقديم تنازلات بالنسبة للديمقراطية، وحكم القانون، وسلام واستقرار بلادنا تمشياً مع مبادئ تحالف الشعب». وفي هذا إشارة واضحة إلى استمرار التحالف مع حزب «الحركة القومية».
وهو التحالف الذي يحتاج إليه للاحتفاظ بالسلطة حتى الاحتفال عام 2023 بمرور 100 سنة على تأسيس الجمهورية التركية، وهو التحالف نفسه الذي تسبب في خسائر للعدالة والتنمية منها تراجع شعبيته وخسارته للمدن الكبرى.
وبحسب أنتوني سكينر، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة «فيريسك مابلكروفت» لتحليل المخاطر، سيتابع إردوغان عن كثب الشعور السائد في صفوف حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب «الحركة القومية»، لكن مساحة المناورة أقل لديه الآن مقارنة بالسنوات الماضية. وأضاف سكينر: «لقد تحول إمام أوغلو إلى قائد وطني ملهم، وسيواجه إردوغان مهمة صعبة لتحييده من دون تحويله إلى شهيد والتسبب عن غير قصد في زيادة شعبيته».

سيناريوهات محتملة بعد نتيجة إسطنبول
> يتداول المحللون الأتراك، ومنهم دنيز زيرك، السيناريوهات المحتملة في تركيا بعد خسارة إسطنبول التي يراها أكثر بكثير من مجرد خسارة السيطرة على أكبر مدن البلاد ومركز الثقل الاقتصادي فيها. فمنصب رئيس بلدية إسطنبول كان نقطة انطلاق مسيرة العمل السياسي لإردوغان، على اعتبار أن خسارة إسطنبول، التي يقطنها نحو خُمس سكان تركيا - الذي يصل إلى 82 مليون نسمة - يضعف أيضاً موقف حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى مصدر رئيسي للدعم والتمويل. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن المدينة تستوعب رُبع إجمالي الاستثمارات العامة وتمثل ثلث اقتصاد تركيا الذي يبلغ حجمه 748 مليار دولار أميركي.
وطرح زيرك سؤالاً عن احتمالات توجه تركيا إلى انتخابات مبكرة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، مشيراً إلى أن «القناعة في حزب العدالة والتنمية أنه لا يزال يسيطر على مفاصل البلاد... وأنه، حتى في إسطنبول، بإمكانه عرقلة إمام أوغلو في إدارة بلدية إسطنبول في ظل أن غالبية أعضاء مجلس البلدية ينتمون إلى العدالة والتنمية». وأشار إلى أن إردوغان، ومعه حليفه دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، «يستبعدان خيار الانتخابات المبكرة، ويعتقدان أنه سيكون الأسوأ الآن، ولا سيما أن البلاد مرشحة للاستقرار بعيداً عن الانتخابات لمدة تزيد على 4 سنوات».
في المقابل، رأى زيرك إلى أنه مهمة إمام أوغلو في إسطنبول لن تكون سهلة على الإطلاق، بل أمامه الكثير من العراقيل على الرغم من رسائل التهاني وإبداء الاستعداد للتعاون معه، مشيراً إلى أن هذه «الكلمات والمجاملات الرسمية يمكن أن تتحول إلى العكس بين ليلة وضحاها».
وتتداول الأروقة «سيناريوهات» أخرى حول انحدار حزب العدالة والتنمية إلى مزيد من الضعف والتفكك، وبالتالي، عجز الحكومة عن السيطرة على الوضع الاقتصادي الذي يؤرق المواطنين، والذي قد تنجح الحكومة في استغلاله للدفع باتجاه الانتخابات المبكرة والمطالبة بإلغاء النظام الرئاسي الذي وسّع صلاحيات إردوغان وركّز جميع السلطات في يديه.
وبالفعل، وجَّه كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، دعوة صريحة إلى الأحزاب السياسية في البلاد للعمل معاً من أجل إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني. وقال كليتشدار أوغلو، في كلمة أمام البرلمان الثلاثاء الماضي «علينا العمل معا لإلغاء نظام الرجل الواحد، الذي يكفل للرئيس رجب طيب إردوغان جمع كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يده، كي نؤسس نظاماً ديمقراطياً قوياً».
ولفت كليتشدار أوغلو إلى أن سكان إسطنبول جميعاً، وهم 16 مليون شخص، «كتبوا ملحمة ديمقراطية عظيمة في انتخابات رئاسة بلدية المدينة»، ما اعتبر، من جانب المراقبين، دعوة للأحزاب السياسية للبناء على النجاح الذي تحقق في إسطنبول من أجل إنهاء هيمنة إردوغان وحزبه على مقاليد السلطة في البلاد.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.