زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون

بعد 25 شهراً من دخوله قصر الإليزيه

زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون
TT

زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون

زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون

قبل 25 شهراً، وصل إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية. وفي حينه، اعتبر المراقبون ما حدث «زلزالاً» سياسيا هز فرنسا، ذلك أن وزيراً سابقاً شاباً دون سن الأربعين من عمره، لا يدعمه حزب سياسي بل «حركة» حديثة العهد، تضم خليطاً من اليمين واليسار، نجح في تهميش الحزبين الرئيسيين في البلاد. لقد تمكّن ماكرون وحركته الوليدة يومذاك من إلحاق الهزيمة بحزب «الجمهوريون» - وريث الديغولية التاريخية - والحزب الاشتراكي اللذين تعاقبا على حكم فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة على يدي الجنرال شارل ديغول في العام 1958. ونشير إلى أن الحزب الأول أعطاها خمسة رؤساء هم ديغول وجورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وجاك شيراك، والثاني أعطاها رئيسين هما فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند.
ولكن، ها هو الرئيس الجديد يعلن أنه لا ينتمي لا إلى اليمين ولا إلى اليسار. ويقول بأن ما يريده حقيقة هو إجراء إصلاحات جذرية للمجتمع الفرنسي وإطلاق اقتصاده من عقاله، وهو ما عجز سابقوه إلى قصر الإليزيه عن القيام به... إما لقصور في الرؤية أو للتحجر الإيديولوجي أو، أخيراً، للخوف من النتائج والتداعيات.
ما وعد به إيمانويل ماكرون قبل الانتخابات الرئاسية التي حملته إلى الإليزيه قبل سنتين سارع إلى وضعه موضع التنفيذ بعد فوزه المفاجئ بالرئاسة. إذ شكل حكومة مختلطة سياسيا، وأدخل «المجتمع المدني» إلى مجلس الوزراء وإلى «الجمعية الوطنية» (البرلمان) بالتساوي بين الجنسين، وراهن على عنصر الشباب.
ومن ثم، حصل على أكثرية برلمانية ساحقة، ولجأ خلال الأشهر الأولى من حكمه إلى المراسيم التي تعفيه من المرور بالدورة التشريعية التقليدية، وفرض أسلوب الحكم «العامودي» الذي يوفّره دستور «الجمهورية الخامسة» لرئيس الجمهورية وأبدى «سطوة» في إدارة شؤون البلاد.
وتوالت الإصلاحات التي وعد الرئيس الشاب بها الفرنسيين بسرعة عالية: قانون العمل، والشفافية، والرعاية الاجتماعية، والنقلة البيئوية، وإلغاء الضريبة على الثروة وإصلاح النظام الضريبي، والنظام التعليمي، والصحّة، والضريبة على الشركات الرقمية الكبرى، وقانون المحافظة على الأمن، واللامركزية الإدارية...
كل ذلك أعطى انطباعاً بأن الرئيس الجديد، الذي لا ينام إلا ساعات قليلة، لا يترك وزراءه ومستشاريه يرتاحون إلا لماماً، وأنه يتمتّع بدينامية وإرادة تميّزانه عن غيره من الطاقم السياسي.

البُعد الأوروبي
كما جاء ماكرون إلى السلطة حاملاً مشروعاً إصلاحيا على الصعيد الداخلي، كذلك تأبط مشروعاً إصلاحيا للاتحاد الأوروبي. وهو في ذلك لم يغشّ أحداً، بل أبرز قناعاته الأوروبية ورغبته في دفع «القارة القديمة» إلى مزيد من الاندماج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي حتى لا تبقى رهينة للخارج. وكان رهانه على التعاون مع ألمانيا، وهنا ربما دغدغ مخيلته حلم الاستفادة من تراجع شعبية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب أزمات الهجرة وأيضاً انشغال بريطانيا بالخروج من الاتحاد، ليفرض نفسه زعيماً أوروبياً... ومحاوراً ندّاً لقادة القوى العظمى الثلاث الولايات المتحدة والصين وروسيا. ولعله نجح في ذلك إلى حد بعيد.
بيد أن الأهم من ذلك كله - على الصعيد الداخلي - أن ماكرون، بوصوله إلى الرئاسة، همّش بالطبع الحزبين الرئيسيين... بل إنه أصاب من الحزب الاشتراكي مقتلا.
هذا الرئيس كان قد جاء إلى السياسة بفضل الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي عيّنه بداية مستشاراً اقتصاديا، ثم مساعدا لأمين عام الرئاسة... فوزيرا للاقتصاد، لكنه - أي ماكرون - لم يتردّد في الترشح ضد «معلّمه» وتهميش حزبه الذي كان يسيطر على الرئاسة والبرلمان ومفاصل الإدارة جميعاً.

انهيار الحزب الاشتراكي
حقاً، حضور الحزب الاشتراكي، بعد خمس سنوات من رئاسة هولاند، تقلّص إلى درجة أن مرشحه الرسمي للرئاسة بونوا هامون حل في المرتبة الخامسة في انتخابات الرئاسة حاصلاً على نسبة 6.36 في المائة من الأصوات. ورغم الجهود التي بذلها «كوادر» الحزب لإنعاشه وتنشيطه فإنه بقي رميماً... والدليل على ذلك أنه في الانتخابات الأوروبية الأخيرة حلّ في المرتبة السادسة ولم يحصل إلا على نسبة 6 في المائة من الأصوات. وخلاصة المحللين السياسيين أن الاشتراكيين دخلوا مرحلة «الموت السريري» وما عاد أحد يحسب لهم حساباً. وبين مَن التحق بحزب ماكرون الناشئ الوسطي «الجمهورية إلى الأمام» أو بحركة جان لوك ميلونشون «فرنسا المتمرّدة» اليسارية ومَن ترك السياسة، سيكون من الصعوبة بمكان على هذا الحزب التاريخي العودة إلى الصف الأمامي في المستقبل المنظور.
كان وأد الحزب الاشتراكي أحد معالم الزلزال السياسي الأول الذي تسبب به بروز ماكرون على المسرح السياسي وانتخابه رئيسا. وكانت ارتداداته تُنبئ عن قرب حصول زلزال جديد يقضي على الإرث السابق ويؤسّس لمسرح سياسي مختلف تماماً عمّا ألفه الفرنسيون خلال السنوات الـ60 المنقضية. ولعل أبرز ظاهرة تنم عن ذلك أن اليمين المتطرّف ممثلاً بمرشحته مارين لوبن، ابنة مؤسس الحزب وزعيمه التاريخي جان ماري لو بن، كانت منافسة ماكرون في الدورة الانتخابية الثانية الحاسمة من معركة الرئاسة. وهو ما أسس لـ«ثنائية» صورتها على الشكل التالي: قوتان سياسيتان رئيسيتان، في الجانب الأول قوة وسطية تجمع اليمين واليسار، ليبرالية، أوروبية وإصلاحية. وفي الجانب الآخر، قوة من اليمين المتطرّف الرافض للاندماج الأوروبي والساعي إلى استقطاب اليمين الكلاسيكي سياسيين وحزبيين والملتزم بأقصى المواقف إزاء الهجرات والإسلام.

اليمين المعتدل
و«السترات الصفراء»
إرهاصات هذه الصورة بدأت، في الواقع، بالظهور مع الانتخابات الرئاسية. إلا أن اليمين الكلاسيكي - أو المعتدل - ممثلاً بـ«الجمهوريون» لم يكن قد اندثر بعد على غرار الحزب الاشتراكي، منافسه السابق. ذلك أن فرنسوا فيّون، مرشحه الرئاسي ورئيس الوزراء الأسبق، رغم صعوباته وفضائحه، كان على مسافة نقطة واحدة من مارين لو بن جامعاً ما يزيد على 20 في المائة من الأصوات. وإذا كان صحيحاً أن مجموعة من نوابه التحقت بماكرون وأن الأخير اختار رئيس حكومته (إدوار فيليب) وعدداً من أبرز وزرائه (الاقتصاد والمالية...) من صفوفه لشقّها ولإضعافه، إلا أن نواة صلبة بقيت متمسّكة به. ولقد عمل رئيس الحزب الجديد، لوران فوكييه، الذي نُظر إليه على أنه «الرجل المنقذ» على إعادة إحياء شعلة الحزب ومنع النزيف الذي يعاني منه معوّلاً على الصعوبات التي يواجهها ماكرون وعلى تضعضع أكثريته.
وبالفعل، كثيرون نظروا إلى الحركة الاحتجاجية المُسمّاة «السترات الصفراء» على أنها «نقمة» لماكرون و«نعمة» لمعارضيه، وعلى رأسهم حزب «الجمهوريون» الذي عوّل عليها للاستفادة من الضعف السياسي الذي ألمّ بالسلطات وبماكرون شخصياً، وراهن على استغلالها من أجل إعادة شد عصب مناصريه.
والحقيقة أن الأشهر الستّة التي شهدت أعمال عنف استثنائية في العاصمة باريس والعديد من المدن الفرنسية، سبتاً بعد سبت وتعبئة وراء تعبئة، نسفت هيبة الرئيس الفرنسي وكادت أن تطيح به وبحكومته.
إلا أنه نجح، من خلال «التنازلات» التي قدّمها للمحتجين، ومن خلال ابتداعه ما سمّاه «الحوار الوطني الكبير» للتعرّف على ما يريده المواطنون... وأخيرا من خلال الخلاصات والإصلاحات التي قرّرها وطلب من الحكومة وضعها موضع التنفيذ، في أن يحد من خسائره السياسية ويطفئ جذوة الحركة التي تلاشت من ذاتها، مع أن بضعة آلاف من المتظاهرين ما زالوا ينزلون إلى الشوارع للتذكير بوجودهم كل يوم سبت.

امتحان الانتخابات الأوروبية
كان السواد الأعظم من المراقبين في فرنسا ينتظر الانتخابات الأوروبية لتبيان ميزان القوى السياسي الحقيقي في البلاد، وليرى ما إذا كان ماكرون سيقع أرضاً، وإذا كانت الانتخابات الأوروبية ستشكّل نتائجها معاقبة له وللسياسات التي اتّبعها خلال أكثر من سنتين... والتي وصفت بأنها كانت لحساب الأثرياء ورجال الأعمال والشركات وعلى حساب الطبقتين الوسطى والشعبية.
وخلال الأشهر الستة المنقضية كانت هذه المعالم القضايا الرئيسية التي رفع المتظاهرون لواءها مطالبين بسياسة مختلفة تقدّم العمل على رأس المال وعلى أصحاب الأسهم في الشركات. وما أثار شهية الأحزاب أن ماكرون جعل من الانتخابات الأوروبية «معياراً» ليس فقط داخلياً، وإنما أيضا أوروبياً، لأنه نصّب نفسه «مدافعاً» عن أوروبا وممثّلاً لمعسكر «التقدميين» في مواجهة «غلاة القومية». والخلاصة أن الأحزاب التقليدية، التي أصيبت بكبوة في الانتخابات الرئاسية، كانت تعوّل على الانتخابات الأوروبية للنهوض من كبوتها ولتوفير انطلاقة جديدة.
غير أن نتائج الانتخابات الأوروبية جاءت مخيبة لآمال هؤلاء.
صحيح أن حزب الرئيس الفرنسي «الجمهورية إلى الأمام» لم يحلّ في المرتبة الأولى، إلا أنه لم يُصبْ بنكسة... لا بل اعتبر ماكرون أن نتائج لائحة حزبه، التي أسندت قيادتها إلى وزيرة الشؤون الأوروبية السابقة ناتالي لوازو، حققت «نتائج مشرّفة». وبالأرقام، فإنها حصلت على نسبة 22.41 في المائة في حين حلت لائحة «التجمع الوطني» لليمين المتطرّف في المرتبة الأولى بحصولها على 23.31 في المائة.

ثلاث علامات فارقة
ثلاث علامات فارقة يتعين التوقّف عندها، والتي تبين اليوم صورة المشهد السياسي الفرنسي وما يحبل به من إرهاصات وتحوّلات للمستقبل.
تبين العلامة الأولى أن الخارطة السياسية الفرنسية التقليدية قد اندثرت إلى غير رجعة. وبعد الزلزال السياسي الأول الذي أطاح بالحزب الاشتراكي وهزّ أركان اليمين الكلاسيكي، جاء الزلزال الثاني ليبيّن أن اليمين الوسطي قد يكون أيضاً في طريق الانحدار... وربما الزوال. والدليل على ذلك أن لائحته في الانتخابات الأوروبية حلت في المرتبة الرابعة ولم تحصل إلا على 8.48 في المائة من الأصوات، أي أقل من نصف ما حصل عليه فيون في الدورة الرئاسية الأولى. والتفسير السياسي لهذا النزيف أن ناخبي اليمين الكلاسيكي قد هجروه، وانتقل المعتدلون منهم إلى الحزب الرئاسي بينما شدّ المتشددون رحالهم باتجاه حزب مارين لو بن. وهذه النتيجة بدأت تظهر آثارها لجهة التحضير للانتخابات البلدية المقرّر أن تجرى في العام المقبل. وليس أدلّ على ذلك أن رؤساء بلديات من حزب «الجمهوريون» حملوا حقائبهم ونزحوا باتجاه حزب «الجمهورية إلى الأمام» الماكروني متخوفين من زلزال ثالث يطيح بهم وبمناصبهم التي اعتادوا عليها منذ سنوات. وأخيراً، وقّع 60 رئيس بلدية بياناً يفسرون فيه الأسباب التي دعتهم إلى هجر حزبهم واختيار حزب آخر.
وتبيّن العلامة الثانية في صيغتها الحالية، والمؤهلة لأن تدوم لسنوات، وجود «ثنائية» حزبية قوامها من جهة الحزب الرئاسي ومن جهة ثانية اليميني المتطرّف حزب «التجمع الوطني» بقيادة لو بن. وثمة من يقول إن هذه الصيغة تلائم ماكرون تماماً، فهو بعدما «فجّر» الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية، ها هو اليوم يقضي على منافسه الأخطر أي حزب «الجمهوريون»... وبذا يكون قد أحلّ ثنائية جديدة محل الثنائية القطبية التقليدية. وعندما يقال إن الصيغة الجديدة تلائم ماكرون، فإن المقصود بذلك أنها تخدم طموحاته الرئاسية.
ألم يقل ماكرون في أكثر من مقابلة صحافية بأن انتخابه رئيساً في فرنسا «وضع حداً» لتقدم اليمين المتطرف في أوروبا؟ وبالتالي، فإنه من المشروع اعتبار أنه يرى لنفسه «رسالة» عليه أن ينفذ مضمونها، ألا وهو الوقوف بوجه اليمين المتطرف في بلاده أولاً... وعلى المستوى الأوروبي ثانياً.

الفرنسيون أمام خيار: ماكرون أو لوبن
> يجمع المحللون السياسيون اليوم على أن خصم الرئيس إيمانويل ماكرون المرجح جدا في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستحل في العام 2022 ستكون زعيمة اليمين المتطرف مارين لو بن. ذلك أن المشهد السياسي يظهر أن الحزبين «الكلاسيكيين» (الديغولي والاشتراكي) لن يعودا إلى سابق عهدهما إلا بعد مرور سنوات طويلة وربما بحلة جديدة.
فضلا عن ذلك، فإن الخطر الذي كان يمثله جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا المتمرّدة» اليساري المتشدد الذي حصل على نحو 20 في المائة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ونجح في الوصول مع مجموعة من نوابه إلى الندوة البرلمانية، تراجع وهجه خلال الأشهر الماضية. فهو من جهة، لم يستطع أن يفرض نفسه «معارضاً أول» للرئيس الحالي، كما كان يطمح لذلك. ويضاف إلى ما سبق وجود نزاعات إيديولوجية وسياسية داخل الحركة التي نجحت في وقت ما بتهميش الحزب الشيوعي والحركات اليسارية الأكثر تطرفاً. بيد أن الانتخابات الأوروبية الأخيرة كشفت عن تراجعها ونزولها دون حاجز الـ10 في المائة. ولاكتمال الصورة من المفيد الإشارة إلى أن ميلونشون يعاني - وحزبه - من مشاكل مع القضاء، الأمر الذي شوّه صورته لدى الرأي العام وعرقل صعوده السياسي.
هكذا، لم يبقَ في ميدان التنافس مع ماكرون - كما تشي بذلك صورة الوضع السياسي الفرنسي - سوى مارين لو بن. والحقيقة أن الرئيس الحالي فعل كل ما كان في مقدوره كي تغدو الأمور على هذه الصورة. لقد أوجد بينه وبين لو بن الفراغ. وهذا الوضع يُريحه رغم أن حزب مارين لو بن احتل المرتبة الأولى في الانتخابات الأوروبية.
ويرى المحللون أن هذه «الثنائية» سيكون لها أثرها على التموضعات السياسية في غضون الأشهر المقبلة، ولذا نرى أن شخصيات من اليمين والوسط تلتحق بالركب الماكروني كونها راغبة في الحفاظ على مواقعها. وفي المقابل، ثمة من يجد أن لديه قرابة فكرية محافظة أو إيديولوجية يمينية مع حزب لو بن الذي يرى البعض أن صورته ما عادت تتطابق تماماً مع صورة الحزب النازي الفاشي. والقصد أن «التجمع الوطني» بات – كما يعتقد هؤلاء اليوم – حزباً يمينياً «عاديا» ولم يعد من المخجل في فرنسا ادعاء الانتماء إليه. لكن رغم ذلك كله، فإن الرأي السائد أن فرنسا ما زالت غير متقبلة لفكرة إيصال ابنة جان ماري لو بن إلى رئاسة الجمهورية. ومن ثم، في الدورة الثانية من أي منافسة رئاسية، سيميل الميزان لصالح منافس لو بن، أي إيمانويل ماكرون الذي عادت شعبيته إلى الارتفاع - خصوصاً لدى اليمين – بعدما صارت أزمة «السترات الصفراء» وراءه... وعاد ليطل على أوروبا وليلعب دورا على المستوى العالمي كما - على سبيل المثال - في أزمة الملف النووي الإيراني.
هل هذا السيناريو مؤكد؟
واضح أن لا شيء في السياسة نهائي، وأن حادثة ما أو قراراً خاطئاً من شأنهما تغيير المزاج الشعبي وإعادة خلط الأوراق. لكن إذا استمر ماكرون على سياسته، وعمد حقيقة إلى العمل ببرنامج الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والضريبية الذي وعد به بمناسبة استخلاص النتائج من «الحوار الوطني»، الذي دام شهرين ونصف، فإنه يتمتع بحظوظ كبيرة بأن يبقى في قصر الإليزيه حتى العام 2027.
الوضع الاقتصادي في فرنسا تحسّن، والبطالة بدأت بالتراجع والاستثمارات الخارجية تتدفق من جديد، وكلها عناصر تجير لصالحه.
أيضاً في أوروبا، ما زال ماكرون الرئيس الأكثر دينامية، رغم العداء الذي يثيره في إيطاليا والمجر وتشيكيا وغيرها. وبينما المستشارة الألمانية تتأهب لترك المسرح السياسي، ويبدو البريطانيون عاجزين عن الاتفاق على خطة للخروج من الاتحاد، عاد نجم الرئيس الفرنسي إلى اللمعان في السماء الأوروبية... وها هو يسعى لفرض شروطه بالنسبة لاختيار المسؤولين الكبار الخمسة (رئيس المجلس الأوروبي، ومدير المصرف المركزي الأوروبي، ومسؤول السياسة الخارجية...)، والتخلي عن القواعد التي كان معمولا بها سابقاً... بحيث تأتي التعيينات الجديدة متناسبة مع رؤيته ومشاريعه الأوروبية.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.