حكومة تركيا ترفع أسعار سلع أساسية بعد خسارة إسطنبول

خبراء: الإدارة تحمل المواطنين نفقاتها... وتوقعات بالمزيد قريباً

سجلت الليرة ارتفاعا أمام الدولار بأكثر من 1% ويجري تداولها حاليا عند مستوى 5.76 ليرة للدولار (رويترز)
سجلت الليرة ارتفاعا أمام الدولار بأكثر من 1% ويجري تداولها حاليا عند مستوى 5.76 ليرة للدولار (رويترز)
TT

حكومة تركيا ترفع أسعار سلع أساسية بعد خسارة إسطنبول

سجلت الليرة ارتفاعا أمام الدولار بأكثر من 1% ويجري تداولها حاليا عند مستوى 5.76 ليرة للدولار (رويترز)
سجلت الليرة ارتفاعا أمام الدولار بأكثر من 1% ويجري تداولها حاليا عند مستوى 5.76 ليرة للدولار (رويترز)

في الوقت الذي تحسن فيه مؤشر الثقة في الاقتصاد التركي على أساس شهري في يونيو (حزيران) الجاري، مع تحسن مؤشرات بعض القطاعات، أقرت الحكومة التركية زيادات في أسعار عدد من السلع الأساسية، وهي الزيادة التي كان الخبراء يتوقعونها منذ أسابيع، ويعتقدون أن تأجيلها كان يعود لخوف الحزب الحاكم من خسارة أصوات الناخبين في إسطنبول، وهو المبرر الذي فقد صلاحيته، بعد خسارة المدينة الأكبر في تركيا بالفعل.
وتم إعلان زيادة على أسعار الديزل بمقدار 23 قرشا، والشاي بنسبة 15 في المائة، والسكر بنسبة 16 في المائة. ويتوقع أن تقر الحكومة زيادات أخرى جديدة قريبا.
وأعلنت شركة الشاي الوطنية (تشايكور) تطبيق زيادة بنسبة 15 في المائة على الشاي الجاف اعتبارا من الثلاثاء الماضي، وأرجعت القرار إلى زيادة تكاليف العمالة وتكاليف إنتاج الشاي الطازج المتزايدة.
وقال رئيس غرفة زراعة ريزا، نوزات باليتش، إن «الزيادة لن تكون الأخيرة»، مؤكدا أن «الزيادة تعتبر متأخرة، و15 في المائة ليست كافية. ستطبق زيادات باستمرار بالتأكيد. زادت نفقات التكلفة».
وتوقع خبراء أن تكون هناك زيادات في الأسعار من القطاع الخاص والحكومة أيضاً. وأرجع الخبير أرهان أوزار السبب إلى النفقات غير الطبيعية التي تمت قبل الانتخابات، وقال إن عجز الميزانية زاد كثيرا، وإنه يجب سداد هذا العجز، وإن هذا يعني زيادة في الضرائب.
وأعرب أوزار عن اعتقاده بأن الشركات ستطبق زيادات في الأسعار، لأنهم ينتجون اليوم باستخدام المنتجات التي اشتروها بأسعار الصرف المرتفعة.
وشهدت تركيا عقب الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) الماضي زيادات كبيرة في أسعار السلع والأغذية، حاولت حكومة العدالة والتنمية تأجيل ظهورها منذ مطلع العام خوفا على تأثر نسبة التصويت. وكذلك الأمر عقب انتخابات البرلمان والرئاسة التركية في 24 يونيو 2018.
وتحسن أداء الليرة التركية وبورصة إسطنبول غداة انتخابات الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول التي أجريت الأحد الماضي، وتمكن مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو من حسمها مجدداً لصالحه بفارق 9 نقاط مئوية عن منافسه مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم بن علي يلدريم.
وطمأن هذا الفوز المريح المستثمرين، الذين كانوا أبدوا قلقاً من احتمال وقوع توتر واضطرابات سياسية حال عدم فوز إمام أوغلو وبدء احتجاجات من المعارضة التي كانت ستلجأ لذلك بعد أن سلبت اللجنة العليا للانتخابات الفوز من مرشحها في الجولة الأولى التي أجريت في 31 مارس الماضي، بعد 18 يوماً فقط من تسلمه منصبه بسبب طعون من جانب حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وسجلت الليرة ارتفاعا أمام الدولار بأكثر من 1 في المائة، ويجري تداولها حاليا عند مستوى 5.76 ليرة للدولار، كما ارتفع مؤشر بورصة إسطنبول بنسبة 1.8 في المائة. وكانت الليرة فقدت نحو 15 في المائة من قيمتها أمام الدولار منذ بداية العام الحالي، في حين يرجع أحدث تراجع لها إلى قرار إلغاء نتيجة رئاسة بلدية إسطنبول في 31 مارس الماضي، الذي اتخذته اللجنة العليا للانتخابات في 6 مايو (أيار) الماضي.
وتراجع معدل نمو الاقتصاد التركي شهد تدهورا ملحوظا نهاية العام الماضي، ليبلغ 2.6 في المائة، مقابل 7.4 في المائة في 2018، فيما فقدت الليرة 30 في المائة من قيمتها منذ العام الماضي، ودخل الاقتصاد مرحلة الركود للمرة الأولى منذ 10 سنوات مع انكماش بنسبة 3 في المائة وبلغ معدل التضخم السنوي 18.7 في المائة.
وخفضت وكالة «موديز» الدولية للتصنيف الائتماني التصنيف السيادي لتركيا مؤخرا، إلى درجة عالية المخاطر، وقررت تخفيضه من درجة «بي إيه 3» إلى «بي 1»، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية سلبية.
وأرجعت «موديز» قرارها إلى ارتفاع مخاطر استمرار أزمة ميزان المدفوعات، وارتفاع مخاطر عجز الحكومة عن السداد. وقالت إن «تركيا لم تعانِ خلال الفترة الماضية من أزمة انخفاض الليرة فحسب، لكن مصيراً مؤلماً ينتظر اقتصادها في الفصول المقبلة».
لكن من جهة أخرى، ارتفع مؤشر الثقة في الاقتصاد التركي على أساس شهري في يونيو الجاري بنسبة 7.6 في المائة، ليسجل 83.4 نقطة. وأرجعت هيئة الإحصاء التركية، في بيان لها أمس، هذا الارتفاع إلى التحسن في مؤشرات ثقة المستهلك وقطاعات الخدمات وتجارة التجزئة والبناء والقطاع الصناعي، إلى مستويات 57.6 و99.6 و85.4 و93.2 و50.4 نقطة على التوالي.
وسجل مؤشر ثقة الخدمات أعلى ارتفاع بين المؤشرات الفرعية الأخرى، حيث ارتفع بنسبة 7.5 في المائة في يونيو الجاري، مقارنة مع مايو الماضي، تلته مؤشرات ثقة القطاع الحقيقي والمستهلك بنسبة 5.2 و4.3 في المائة على التوالي. وارتفع مؤشر الثقة في قطاع تجارة التجزئة بنسبة 3.7 في المائة، وفي قطاع البناء بنسبة 1.3 في المائة.
في سياق متصل، ارتفعت صادرات قطاع الموبيليا في تركيا خلال السنوات الـ19 الماضية بمقدار 18 ضعفا، وارتفعت عائدات القطاع منذ عام 2000 وحتى العام الحالي من 180 مليون دولار إلى 3.2 مليار دولار.
وقال أحمد غولتشه، رئيس اتحاد جمعيات الموبيليا والأثاث في تركيا، إن بلاده حققت نجاحا كبيرا في صناعة الأثاث خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا رغبة القطاع بتحقيق نسبة 1.5 في المائة من حجم التجارة العالمية في العام 2023. ولفت إلى أن واردات القطاع ارتفعت خلال الفترة المذكورة من 260 إلى 800 مليون دولار، لافتا إلى أن الصادرات تمثل 4 أضعاف الواردات، مشيرا إلى أن للحكومة التركية دورا في تحقيق هذه النجاح من خلال الاستقرار السائد في البلاد من 17 عاما، إضافة إلى منح تخفيضات على ضريبة القيمة المضافة لقطاع الموبيليا منذ العام 2010، وأضاف غولتشه أن بلاده تصدر الأثاث إلى 179 دولة حول العالم، مؤكدا أن حصتهم في السوق العالمية تزداد تدريجيا.
إلى ذلك، طالبت غرفة تجارة إسطنبول الحكومة التركية بتمديد فترة التخفيضات المتواصلة في بعض القطاعات مثل الأثاث، والآلات المنزلية والسيارات. ودعا بيان صادر عن رئيس الغرفة، شكيب أوداغيتش، أمس، إلى تمديد فترة التخفيضات 6 أشهر أخرى، بعد أن شارفت على الانتهاء في 30 يونيو الجاري.
وأوضح البيان أن تمديد فترة التخفيضات ستعزز من النشاط الذي شهدته قطاعات الإنتاج منذ بداية سريان التخفيضات قبل أشهر. وأشار إلى أن التخفيضات تشمل ضرائب القيمة المضافة في قطاعات الأثاث والآلات المنزلية والسيارات، وتصل إلى 8 في المائة، وفي حال تم تمديد فترة التخفيضات لـ6 أشهر أخرى، ستكون التخفيضات في القطاعات المذكورة، سارية حتى نهاية العام.



قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.