نازحون في شمال غربي سوريا يبيعون أثاث بيوتهم ومقتنياتهم لتأمين قوتهم

نازحون في شمال غربي سوريا يبيعون أثاث بيوتهم ومقتنياتهم لتأمين قوتهم

يقيمون تحت أشجار الزيتون هرباً من التصعيد العسكري للنظام
الأربعاء - 22 شوال 1440 هـ - 26 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14820]
مقتنيات لنازحين سوريين تحت أشجار الزيتون في أطمة بريف إدلب (أ.ف.ب)
أطمة (سوريا): «الشرق الأوسط»
اعتاد أبو علي التجارة بقطع أثاث وأدوات كهربائية مستعملة طيلة سنوات، من دون أن يتخيل أنه سيجد نفسه يوماً ما مضطراً لبيع مقتنياته بعدما شرّدته المعارك من بلدته في شمال غربي سوريا، لتأمين مصروف عائلته.

وتحت وابل القصف، نزح أبو علي (35 سنة) مع زوجته وأطفاله الخمسة من معرة حرمة، قريته في ريف إدلب الجنوبي، مطلع شهر مايو (أيار) الماضي، ومع تكثيف قوات النظام وحليفتها روسيا عملياتهما في إدلب ومحيطها. واتخذت العائلة من ظلال أشجار الزيتون مأوى لها عند تخوم بلدة أطمة القريبة من الحدود التركية، على غرار آلاف العائلات الأخرى. يقول لوكالة الصحافة الفرنسية: «بعتها لتأمين مصروف أولادي وطعامهم وشرابهم ولباسهم».

بين أشجار الزيتون، وضع النازحون أغراضهم التي حملوها معهم من أدوات كهربائية؛ بينها البرادات والغسالات، داخل خيمة مشتركة أو غطوها بالشوادر لحمايتها من المطر ثم أشعة الشمس.

قبل نزوحه، كان لدى أبو علي محل لبيع وشراء القطع المستعملة. ويقول: «كنت أذهب إلى القرى المجاورة لشراء ما يمكنني بيعه في المحل، كالبرادات وأثاث المنزل بشكل عام» ويعتمد على ذلك مورداً لرزقه. بعد يومين من فراره، عاد مجدداً إلى قريته مصطحباً سيارتين نقلتا ما أمكنه من مقتنيات منزله ومحله، وضمت «8 برادات وغرف نوم و7 غسالات وعدداً من أفران الغاز» ووضعها تحت أشجار الزيتون، بعدما دفع تكلفة نقلها أكثر من 50 ألف ليرة (114 دولار).

وبعد فترة قصيرة، اضطر إلى بيع كثير من مقتنياته، لكن بثمن أقل مما كان يرغب. وبعدما كان سعر البراد 25 ألف ليرة (57 دولاراً)، اضطر لبيعه بمبلغ 5 آلاف ليرة (11 دولاراً). ويوضح: «أُجبرت على التخلص منها أو بيعها حتى مقابل ثمن زهيد جداً»، لأنه «لا فائدة منها لو أبقيتها تحت الشمس».

ومنذ نهاية أبريل (نيسان) الماضي، تشهد منطقة إدلب تصعيداً عسكرياً؛ إذ تستهدف الطائرات الحربية السورية والروسية ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي المحاذي له، ما يسفر بشكل شبه يومي عن سقوط قتلى في صفوف المدنيين. وأجبر التصعيد نحو 330 ألف شخص على الهرب من منازلهم؛ وفق الأمم المتحدة.

مثل أبو علي، يتحسّر عوض أبو عبدو (35 عاماً)، النازح من بلدة ترملا في ريف إدلب الجنوبي والمقيم في خيمة تحت أشجار الزيتون في أطمة، على مقتنياته التي باعها «مقابل ثمن بخس». ويقول: «بعت أثاث المنزل كاملاً مقابل 50 ألف ليرة سورية، دفعت 25 ألفاً منها بدل تكلفة النقل، والنصف الآخر مصروف للعائلة من رمضان حتى اليوم».

ويضيف بحزن شديد: «بعت أغراضي وهي غالية جداً على قلبي، لأنها كل ما استطعت أن أحصل عليه لقاء عملي طيلة حياتي» مقدراً سعرها الحقيقي بـ300 ألف ليرة سورية (690 دولاراً) على الأقل.

وينتقد أبو عبدو جشع التجار الذين يترددون على حقول الزيتون حيث خيام النازحين لشراء مقتنياتهم. ويقول: «دفعوا نصف أو ربع قيمة كل قطعة»، عادّاً أن في ذلك ضرباً من ضروب «النصب والاحتيال علينا واستغلال النازح». وبعدما كان هذا الرجل يؤمن لقمة عيش عائلته المؤلفة من زوجته و6 أطفال عاملاً في قطاع البناء قبل التصعيد الأخير، يجد نفسه اليوم عاجزاً مع ندرة فرص العمل.

ويقول: «المصروف كبير هنا، وثمن كل شيء مرتفع» مبدياً أسفه لأن «أحداً لا يلتفت إلينا بمساعدة، ولا توجد منظمات تنظر في حالنا».

وباتت قرى وبلدات في ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي شبه خالية من سكانها بعد نزوح قاطنيها إلى مناطق لا يشملها القصف، خصوصاً تلك القريبة من الحدود التركية. ويعيش غالبية النازحين ظروفاً صعبة، ويعتمدون في معيشتهم على المساعدات. وعلّقت منظمات إغاثية عدة، بينها «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة، أنشطتها الشهر الماضي بمناطق التصعيد في إدلب.

بمدينة الأتارب في ريف حلب الغربي القريب من إدلب، يستقبل أبو حسين، وهو صاحب محل للمفروشات ولبيع وشراء الأدوات المنزلية المستعملة، نازحين يرغبون بشكل متزايد في بيع مقتنياتهم.

ويقول الرجل (35 عاماً): «يأتينا في اليوم الواحد أكثر من 10 سيارات محملة بأغراض يعرض علينا النازحون شراءها». ويوضح: «يجبرنا ذلك على دفع أسعار زهيدة نوعاً ما، بسبب كثرة العرض وكثرة الأغراض وصعوبة نفادها من محالنا»، بعدما كان سكان المناطق النازحة هم الأكثر إقبالاً على الشراء؛ على حد قوله. ويذهب هذا التاجر إلى حدّ التذمر من تراجع حركة البيع في محله، مع إقبال سكان المنطقة «على الشراء مباشرة في الشوارع والطرق من النازحين لحظة وصولهم».

في أحد حقول أطمة، تأمل وليدة درويش (50 عاماً) وهي أرملة وأم لثمانية أولاد نزحوا من معرة حرمة، أن تعثر على من يشتري الثلاجة والغسالة والتلفزيون بعدما أحضرتهم معها لـ«إنقاذها من القصف أو السرقة».

وتقول: «مضطرة لبيعها، كيف سنعيش ونؤمن قوت يومنا؟ لا إيراد آخر هنا نصرف منه»، قبل أن تضيف: «الحال هنا أسوأ، لأنه لا مساعدات، وعلينا أن ندفع لقاء الحصول على الطعام والشراب».
سوريا الحرب في سوريا اللاجئين السوريين

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة