«العسكري» السوداني يقبل مناصفة «الحرية والتغيير» في المجلس السيادي

دونالد بوث يلتقي البرهان وقادة «الحرية» ويحثهم على استئناف التفاوض

سودانيون مؤيدون للمجلس العسكري يحملون لافتة ترفض الوساطة الإثيوبية أمام سفارة أديس أبابا في الخرطوم أمس (أ.ب)
سودانيون مؤيدون للمجلس العسكري يحملون لافتة ترفض الوساطة الإثيوبية أمام سفارة أديس أبابا في الخرطوم أمس (أ.ب)
TT

«العسكري» السوداني يقبل مناصفة «الحرية والتغيير» في المجلس السيادي

سودانيون مؤيدون للمجلس العسكري يحملون لافتة ترفض الوساطة الإثيوبية أمام سفارة أديس أبابا في الخرطوم أمس (أ.ب)
سودانيون مؤيدون للمجلس العسكري يحملون لافتة ترفض الوساطة الإثيوبية أمام سفارة أديس أبابا في الخرطوم أمس (أ.ب)

أكد المجلس العسكري الانتقالي السوداني، أنه لا يمانع اقتسام المجلس السيادي مناصفة مع قوى إعلان الحرية والتغيير، في وقت أجرى فيه مبعوث الرئيس الأميركي دونالد بوث مباحثات مع رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، وقيادات قوى إعلان الحرية والتغيير.
وقال بوث، في تصريحات صحافية أمس، إن مشاوراته مع الأطراف الهدف منها دفع الطرفين إلى استئناف التفاوض المباشر، وإنه أبلغ رئيس وأعضاء المجلس العسكري أن «سلامة أهل السودان فوق أي شيء». وطلب بوث من المجلس العسكري عدم إجراء انتخابات خلال فترة عام، من أجل ضمان حدوث انتقال ديمقراطي في البلاد.
من جهته، قال عضو المجلس العسكري الانتقالي، ياسر العطا، في تصريحات صحافية أمس، إنهم أبلغوا المبعوث الأميركي رفضهم سيطرة قوى الحرية والتغيير على المجلس التشريعي، وعدم ممانعتهم لمناصفة «المجلس السيادي» إذا كانت التمثيل «5 + 5» أو «7 + 7» أو أي عدد يتفق عليه، مشيراً إلى صلاحيات المجلس التشريعي والحكومة التنفيذية لا تتعدى الفترة الانتقالية، وقال العطا إن مجلسه استقبل أكثر من 20 مبادرة من أساتذة الجامعات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والضباط المعاشيين، بيد أنهم يفضلون المبادرة التي توافقوا عليها مع قوى إعلان الحرية والتغيير.
وفي هذا الصدد، تواصل سيل المبادرات لحل الأزمة السودانية، ومن بينها مبادرة جديدة، دفع بها السياسي المثير للجدل مبارك المهدي، اعتبرها بديلاً للمبادرة الإثيوبية، التي قلل منها ووصفها بأنها «بلا قيمة»، منتقداً قبولها من قبل المجلس العسكري، وقال إنه «أخطأ بقبولها»، وحذّر من أي تصعيد من قبل قوى إعلان الحرية والتغيير، باعتباره سيكون لصالح النظام السابق والثورة المضادة، و«يؤدي لفوضى» في البلاد.
وانشق مبارك عن حزب الأمة القومي، بقيادة ابن عمه الصادق المهدي، وأسس حزب «الأمة - الإصلاح والتجديد»، وشارك في حكومة عمر البشير بصفته مساعداً للرئيس، قبل أن يفض تحالفه معها، ويترك بعض مؤيديه خلفه، ليؤسس حزب الأمة، وبصفته رئيساً له عمل نائباً لرئيس الوزراء الأسبق بكري حسن صالح وزيراً للاستثمار، وفي حكومة معتز موسى، قبل خروجه من الوزارة في حكومة محمد طاهر أيلا، التي انتهت بسقوط نظام البشير 11 أبريل (نيسان) 2019.
واقترح المهدي تشكيل مجلس رئاسي من 16 عضواً، 7 عسكريين (أعضاء المجلس العسكري الحالي)، و9 مدنيين، وأن يحتفظ كل من رئيس المجلس ونائبه بموقعيهما، وأن يكون هناك نائب مدني.
وقال المهدي، في مؤتمر صحافي أمس، إن مبادرته تقوم على دستور 2005 الانتقالي، وتهدف لحسم الجدل حول هياكل الحكم وصلاحياته، وباختيار رئيس الوزراء بالتشاور بين قوى الثورة والمجلس العسكري، على أن يكون شخصية مستقلة، يُكلف باختيار وزراء حكومته خلال أسبوع من غير المنتمين سياسياً لتأمين ما أسماه «مكتسبات الثورة».
ودعا المهدي من شاركوا في صناعة الثورة والمجلس العسكري لتوقيع ميثاق حكم انتقالي يستند على «إعلان الحرية والتغيير» والمبادرات الأخرى، وأن يرجأ مشروع الدستور وهيكلة القوات المسلحة والقوات النظامية لمرحلة ما بعد اكتمال ترتيبات السلام، والحكومة المنتخبة.
وشدد المهدي على التحديات التي تواجه المنطقة العربية بعد إغلاق إيران لمضيق «هرمز»، وتهدد الأمن القومي السوداني، باعتباره جزءاً أساسياً من الأمن القومي العربي ومنطقة البحر الأحمر، وقال: «دول الخليج العربي أعادت علاقتها مع السودان، بعد سقوط نظام البشير، الذي أدخل إيران وتركيا في البحر الأحمر»، وتابع: «ما تقدمه السعودية ودول الخليج من مساعدات اقتصادية، ليس تدخلاً في الشأن الداخلي لأي جهة، وإنما انحياز للشعب السوداني».
وفي سياق ذي صلة، قطع نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال ياسر سعيد عرمان، بأن أي محاولة للقول إن «السلام يمكن تحقيقه على حساب قوى الحرية والتغيير مرفوضة وغير منتجة».
وأكد عرمان في حديث لـ«الشرق الأوسط» أمس، أن تسليم السلطة لحكومة مدنية، تضع تحقيق السلام في أولى أولوياتها في الأشهر الستة الأولى، واجب على المجلس العسكري.
ورفض عرمان دعوة المجلس العسكري لما أسماه «الفصل بين السلام والعملية الديمقراطية»، وذلك في ردّه على إعلان المجلس عن بدء اتصالات من جهته، مع الحركات المسلحة لتحريك عملية السلام المتوقفة.
وقال عرمان إن «العسكري» لا يملك سياسات جديدة، إنما هو «امتداد حقيقي لنظام المخلوع عمر البشير، ولا يأخذ في الحسبان الثورة التي قامت ضده وسياساته القديمة، التي هي تكرار لتجارب الثلاثين عاماً الماضية».
ورفض عرمان ما أطلق عليه محاولات الوقيعة بين قوى الحرية والتغيير وقوى الكفاح المسلح، بقوله: «هذه السياسات جربها النظام السابق، ولم نصل إلى نتيجة، ورفضنا أساليبه في الفصل بين قضايا السلام والديمقراطية».
من جهة أخرى، شهدت الخرطوم ومدن أخرى في البلاد عدداً من المظاهرات الطلابية والعمالية، طالبت «العسكري» بتسليم السلطة لحكومة مدنية.
وقال تجمع المهنيين السودانيين، في بيان أمس، إن قوات أمنية اقتحمت المعمل القومي «أستاك»، وفضّت وقفة احتجاجية للعاملين فيه، وأدان الاقتحام، ووصفه بأنه «عمل همجي سافر يعري الغوغائية الفجة للقوات الأمنية المنتشرة في المدن».
وحذّر التجمع، الذي يمثل رأس رمح الحراك السوداني، «من مغبة تدمير مقدرات البلاد، وانتهاك حرمات الشعب، بكسر ما هو مصان لعقود، وما هو محروس بالقيم النبيلة والسلوك المتسامح للسودانيين».
وقال إن النظام دأب على القتل والسحل والاغتصاب ونشر الرعب وتعميم الإرهاب، ما جعل من «قانون الغاب هو السائد»، ووصف الأمر بأنه «مهزلة» ستنتهي بـ«نهاية المجلس العسكري الانقلابي وجنوده وكتائب ظلّه»، بحسب ما جاء في البيان.
وبحسب شهود، فإن مئات الطلاب في جامعة السودان، نظموا وقفة احتجاجية أمام مباني الجامعة، شارك فيها عدد من أساتذة الجامعة، قبل أن ينضم لهم عدد من المارة، ما سبب زحاماً عطّل حركة السير.
وحمل الطلاب المحتجين لافتات تطالب بمدنية السلطة، ومحاكمة المشاركين في «جريمة» فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم، في 3 يونيو (حزيران) الحالي.
ونقلت صفحة تجمع المهنيين السودانيين، على «فيسبوك»، أن عاملين في شركات «سايبر، مجموعة دال، سيقا الغذائية»، إضافة إلى الكوادر الصحية بمستشفى أحمد قاسم الحكومي، وكوادر مستشفى كوستي، وطلاب «ود مدني»، وعمال وموظفي وزارة الإعلام، السكة حديد، وعدداً آخر من المؤسسات والهيئات والشركات، نفذوا وقفات احتجاجية أمام مقرات عملهم، طالبت بمدنية الحكم، ونددت بمجزرة فض الاعتصام، رافعين لافتات بشعار الثورة السودانية «حرية سلام وعدالة».
من جهتهم، نظم العشرات من مؤيدي المجلس العسكري الانتقالي مظاهرة أمام السفارة الإثيوبية بالخرطوم، أعلنوا فيها رفضهم للوساطة الإثيوبية، واعتبروها تدخلاً في الشؤون السودانية.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.