رئيس لجنة تحقيق حرب غزة: إسرائيل ضدي.. ولن أستقيل

ويليام شاباس يدعو شهود العيان لتقديم معلوماتهم

ويليام شاباس
ويليام شاباس
TT

رئيس لجنة تحقيق حرب غزة: إسرائيل ضدي.. ولن أستقيل

ويليام شاباس
ويليام شاباس

قال ويليام شاباس، الخبير الكندي في القانون الدولي، الذي يرأس لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي ستحقق في حرب إسرائيل في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة في الشهرين الماضيين، إنه رغم الضغوطات الشديدة التي تمارسها إسرائيل حكومة وإعلاما، ومطالبتهم إياه بالتنحي عن رئاسة اللجنة فإنه لن يستقيل، وقال لـ«الشرق الأوسط»، «لا لن أستقيل إلا إذا رأى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن وجودي على رأس اللجنة سيعطل سير التحقيق، وإلا فلن أستقيل».
وأضاف «أنا لم أسمع هذه الدعوات إلا من الإسرائيليين، وإعلامهم والمؤيدين لهم، ولن أفسح المجال لأي منهم ليزعجني، فأنا هنا من أجل القيام بعمل كلفت به ولن أتراجع، والتحقيق يجب أن يجري».
وأكد أن الاتهامات الموجهة له بمواقفه المعادية لإسرائيل لا أساس لها من الصحة وقال «أنا لا أكره إسرائيل، ولا أريد الدخول في جدل حول مواقفي السابقة حول إسرائيل، وقد كانت لي مواقف في الماضي حول فلسطين وإسرائيل ولا صلة لها بواجبي الآن، وسأضع آرائي جانبا ليستمر التحقيق، ولن تؤثر على سير لجنة التحقيق».
وقال رئيس اللجنة الدولية في حديث خص به «الشرق الأوسط»: «نحن مستعدون لبداية العمل وسينزل المحققون على الأرض في القريب». وأشار شاباس إلى أن اللجنة ستجتمع في الأيام القليلة المقبلة، وأن الأمم المتحدة تعمل حاليا على توظيف المحققين الذين سينزلون في الميدان وهذا لن يأخذ الكثير من الوقت. ومن المتوقع أن ترفع تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مارس (آذار) 2015.
وعن معارضة عمل اللجنة قال رئيس المحققين الدوليين «اللجنة لم تلق معارضة سوى من إسرائيل والولايات المتحدة، والعالم كله يريد تسليط الضوء على ما وقع في غزة منذ شهرين، وتوضيح الحقائق وهذا دور لجنة التحقيق».
موضحا «عملنا هو البحث عن الحقيقة وإبرازها، وحتى وإن لم تؤد إلى عقوبات فإظهار الحقيقة يكفي وإذا تمكنا من تحديد مسؤولين عن جرائم ومحاسبتهم سيكون هذا ممتازا».
وحول الهجوم الإسرائيلي والاعتراض عليه شخصيا قال «نعم إسرائيل هاجمتني بشدة، وأنا أعتقد أن هذه الهجومات جاءت أساسا من المعارضين للجنة التحقيق أساسا، والذين يعارضون مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أيضا، وأرى أنه فعليا المشكلة ليست معي وحتى ولو عين (سبايدرمان) رئيسا لهذه اللجنة كانوا سيهاجمونه، ولا آخذ الأمر بشكل شخصي».
وبخصوص موقفه من نتنياهو وما تناقله الإعلام الإسرائيلي عن موقف شاباس منه والذي طالب في السابق بضرورة محاكمته أمام محكمة الجنايات الدولية قال شاباس «أدعو المحرضين ضدي إلى العودة إلى التقرير الذي نشرته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 2012 وقراءته بدقة فلم أكن أعني إسرائيل وفلسطين بشكل مباشر، لكن كنت أتحدث عن أولويات القانون الجنائي الدولي، وتركيزه على الدول الأفريقية دون سواها، وقد ضربت وقتها مثالا بنتنياهو في تقريري ولا أرى مانعا لذلك بما أني أكاديمي ومن حقي من وقت لآخر تقديم رأيي ولا أرى حرجا في ذلك، كما أرى أن كل واحد في العالم له رأيه في القضية الإسرائيلية الفلسطينية، ومن حقه التعبير عنه».
وعن عدد المحققين الذين خصصتهم الأمم المتحدة لهذه المهمة قال «عني شخصيا أحتاج إلى 500 شخص على الأرض لكن ميزانية الأمم المتحدة لن تسمح لي بهذا العدد، وفقط سيكون لي 6 أو 7 محققين وهم من سيقومون بمتابعة العمل، وندعو الناس الذين شهدوا الحرب لمساعدتنا بالمعلومات، وهذا سيكون من طرف من كانوا ضحايا أو شهود عيان، ونطمح لأن يتعاونوا معنا، بالتقدم بالمعلومات وسنحاول أن يكون من السهل التواصل معنا قدر الإمكان، ونتمنى ألا يبخلوا علينا بوقتهم وجهدهم لإنجاح مهمتنا، وطبعا نحن نقدم هذا العمل من أجل الآخرين والمجتمع الدولي ونطمح أن يتعاون الآخرون معنا بنفس القدر».
مشددا على أنهم سيأخذون بعين الاعتبار وبجدية أي صور أو وثائق أو معلومات تقدم لهم من مختلف الأطراف، لدعم التحقيق طبعا بعد التحقق من مصداقيتها وتاريخها، ويمكن اعتبارها دعوة مفتوحة بمناسبة هذا الحديث لـ«الشرق الأوسط» ليتقدم كل من يحتفظ بمعلومات أو وثائق للجنة التحقيق.
وأضاف أن ما عليهم فقط سوى الانتظار بضعة أيام وسنطلق موقعنا على الإنترنت الذي سيكون جزءا من الموقع الرسمي للأمم المتحدة، وقد طلب شاباس أن يكون للموقع نسخة باللغة العربية والعبرية كي يتمكن الناس في المنطقة من الإفادة بما لديهم من معلومات. وأوضح «سننشر كل التفاصيل عن طريق إرسال المعلومات إلينا، وما هي طبيعة المعلومات التي نحتاجها».
وحول الاعتداء على حقوق الإنسان في غزة، وعن تأثير السياسة في عمل الأمم المتحدة قال شاباس إنه «بالتأكيد العوامل السياسية تؤثر على عمل الأمم المتحدة، وأطمح بعد جيل أو جيلين أن يصل العالم إلى مزيد من العدالة والديمقراطية، ولدي أمل في تحقيق هذا لأنه وقبل 75 عاما لم تكن الأمم المتحدة موجودة».
وشكلت اللجنة بعد معارضة شرسة من إسرائيل والولايات المتحدة، بعد أن صوت 47 عضوا من مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وقرر مجلس حقوق الإنسان إنشاء هذه اللجنة خلال جلسته الاستثنائية الـ21 في 23 يوليو (تموز) الماضي «لتحديد وقائع وظروف الانتهاكات والجرائم المرتبكة وتحديد المسؤولين عنها وتقديم توصيات تفاديا للإفلات من العقاب والحرص على محاسبة المسؤولين».
وستشمل لجنة التحقيق «دودو ديين» من السنغال، الذي شغل سابقا مراقب الوكالة الدولية للعنصرية وما بعد صراع ساحل العاج. كما انضمت إليها الحقوقية النيويوركية السابقة ماري ماكغاون ديفيس حسب مجلس حقوق الإنسان.
وقال المجلس في بيان إن «رئيس مجلس حقوق الإنسان بودلير ندونغ ايلا أعلن أنه اختار الحقوقية الأميركية ماري ماكغاون ديفيس العضو الثالث في لجنة التحقيق حول غزة بعد أن أعلنت المحامية البريطانية اللبنانية أمل علم الدين أنها لن تتمكن من تولي هذه المهمة».
وكانت هذه الخبيرة شاركت في لجنة الأمم المتحدة المكلفة تقييم تنفيذ تحقيق سابق للأمم المتحدة حول العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في ديسمبر (كانون الأول) 2008.
وكان السفير الإسرائيلي رون بروسور رئيس بعثة إسرائيل لدى الأمم المتحدة قد طالب في خطاب وجهه إلى الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون بإبعاد القانوني الدولي وليام شاباس عن عضوية ورئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي شكلها رئيس مجلس حقوق الإنسان للتحقيق في الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية وغزة خصوصا منذ 13 يوليو الماضي.
ونقل عن بروسور قوله: «إن شاباس له مواقف سابقة معادية لإسرائيل وبما يعني أنه سيكون الخصم والحكم»، كما اتهم السفير الإسرائيلي مجلس حقوق الإنسان بتبني أجندة معادية لإسرائيل دائما. وتوقع سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة رون بروسور، ألا تتعاون إسرائيل مع ما يسمى بـ«لجنة شاباس» التي جرى تشكيلها للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبت أثناء عملية «الجرف الصامد» بقطاع غزة.
وأضاف بروسور وقتها أن تشكيل لجنة التحقيق برئاسة شاباس «تشبه دعوة داعش إلى تنظيم أسبوع للتسامح الديني في الأمم المتحدة»، على حد تعبيره.
ومنذ تعيين اللجنة شن الإعلام الإسرائيلي هجوما كبيرا عليها، وشكك في حيادها خاصة أنها برئاسة شاباس، الذي رأوا أنه يحمل «تحيزا واضحا من اللجنة ضد إسرائيل».
وأعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، أن تعيين شاباس لرئاسة اللجنة أثبت أن إسرائيل «لا يمكنها أن تتوقع العدالة من هذه المنظمة».
ومن جانبها تابعت منظمة «يو إن ووتش» ومقرها في جنيف والمعروفة بدفاعها الدائم عن إسرائيل حملة ضد اختيار وليام شاباس، وقالت في بيان وزعته في جنيف: «إن القانوني الدولي (شاباس) كان قد أعرب في أكثر من مناسبة عن رغبته في أن يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس إسرائيل شيمعون بيريس في قفص الاتهام أمام محكمة الجنايات الدولية».
ومن المرجح فحص التقرير من قبل الكثيرين، باعتباره تكرارا جديدا لتقرير غولدستون عام 2010، ونتيجة تحقيق مجلس حقوق الإنسان، برئاسة القاضي الجنوب أفريقي السابق «ريتشارد غولدستون» الذي اتهم إسرائيل بسياسة استهداف المدنيين عمدا خلال عام 2009 في عملية «الرصاص المسكوب» من خلال حملة عسكرية سابقة ضد حماس في قطاع غزة.
إسرائيل التي رفضت التعاون مع التحقيق في ذلك الوقت، رفضت بشدة هذا الادعاء في عام 2011، سحب غولدستون الاتهام وهو السياسة المتعمدة لاستهداف المدنيين.
وكانت السلطة استفسرت من محكمة الجنايات عن شروط الانضمام وتبعات ذلك. ويفترض أن يلتقي وفد من المحامين الفلسطينيين بمحامين من كل الدول العربية في القاهرة بعد غد الخميس، لبحث سبل توثيق الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة والخروج بتوصيات حول الوضع القانوني لفلسطين وجدوى الانضمام إلى الجنايات. وسيزور الوفد قطاع غزة كذلك لرصد وتوثيق الجرائم الإسرائيلية.
وطالبت حماس السلطة بالانضمام للجنايات فورا بعد توقيعها على ورقة داخلية اشترطها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لذلك، لكن الأخير لا يبدو متعجلا في الأمر.
وفي تقرير سابق نشرته «الشرق الأوسط» قال مسؤول فلسطيني إن «الانضمام إلى الجنايات الدولية سيف ذو حدين، إذ سيتضمن كذلك قدرة بعض الدول على محاكمتنا، محاكمة حماس مثلا».
ويعمل عشرات من القانونيين في إسرائيل حاليا على تحضير ملفات لإدانة السلطة وتبرئة إسرائيل في أي مواجهات قانونية محتملة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.