فلول نظام البشير يحاولون العودة إلى السلطة عبر نافذة «العسكري»

ظلوا في نظام الإنقاذ حتى سقط ويطلبون المشاركة في بديله

الرئيس المعزول عمر البشير خلال إحدى خطبه الجماهيرية بقرية في جنوب دارفور (أ.ف.ب)
الرئيس المعزول عمر البشير خلال إحدى خطبه الجماهيرية بقرية في جنوب دارفور (أ.ف.ب)
TT

فلول نظام البشير يحاولون العودة إلى السلطة عبر نافذة «العسكري»

الرئيس المعزول عمر البشير خلال إحدى خطبه الجماهيرية بقرية في جنوب دارفور (أ.ف.ب)
الرئيس المعزول عمر البشير خلال إحدى خطبه الجماهيرية بقرية في جنوب دارفور (أ.ف.ب)

عقب سقوط نظام الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير في الحادي عشر من أبريل (نيسان) الماضي، وجدت الأحزاب التي كانت تشاركه السلطة والامتيازات نفسها منبوذة ومعزولة من الشارع السوداني وقوى الثورة، ووُصمت بـ«ـسدنة النظام». ولتعود إلى المشهد السياسي من جديد، لتجد لها موطئ قدم في السلطة خلال الفترة الانتقالية، شرعت في مغازلة المجلس العسكري.
من أبرز الأحزاب الموالية لنظام البشير الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بزعامة مولانا محمد عثمان الميرغني، المرشد الأعلى لطائفة الختمية، وهي من كبرى الطرق الصوفية في البلاد، وكذلك حزب المؤتمر الشعبي الذي يرأسه علي الحاج، وحركة «الإصلاح الآن» التي يقودها غازي صلاح الدين العتباني. وهذان الفصيلان منشقان عن الإسلاميين منذ سنوات، بالإضافة إلى عدد من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات سلام مع النظام السابق، وعشرات الأحزاب الصغيرة المنشقّة أيضاً من الحزبين الكبيرين «الأمة» و«الاتحادي»، ويطلق عليها مسمى أحزاب «الفكة»، لأنها بلا ثقل جماهيري في الشارع السوداني.
في أواخر ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، عندما بدأت رقعة الاحتجاجات الغاضبة تتسع ضد حكم البشير، وأيقن الجميع بسقوط النظام أعلن 22 حزباً، منها حركة «الإصلاح الآن»، وحزب «الأمة» بقيادة مبارك المهدي، بالإضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين، تكوين تحالف «الجبهة الوطنية للتغيير» وفضّت الشراكة مع النظام السابق وانسحبت من أجهزة الحكومة التنفيذية والتشريعية وأيدت الحراك الشعبي، ورغم ذلك لم تجد القبول من قوى الحراك الثوري التي رأت في هذا الموقف محاولة للقفز من السفينة الغارقة.
أسست هذه الأحزاب مجتمعة تحالف «تنسيقية القوى الوطنية» وأعلنت رفضها جملةً وتفصيلاً للاتفاق الذي تم بين المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير»، ووصفته بالاتفاق المجحف كونه منح الأخيرة 95% من السلطة الانتقالية، وأقصى متعمداً بقية القوى السياسية في البلاد.
ونشطت هذه القوى في أعقاب خطاب رئيس المجلس العسكري الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، وحديثه عن إلغاء الاتفاق الموقّع مع «قوى الحرية والتغيير»، والذي أكد فيه أن الحوار سيشمل جميع القوى السياسية لإشراكها في المرحلة الانتقالية، وهو ما يتماهى مع رؤية الكيانات التي ترفض أن تكون «قوى الحرية والتغيير» الممثل الوحيد للثورة.
استغلت هذه الأحزاب الخلافات بين المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير»، حول هياكل السلطة الانتقالية، لتطرح نفسها بديلاً، وأعلنت دعمها وتأييدها للمجلس العسكري لقيادة البلاد في المرحلة الانتقالية، وفي ذات الوقت وجد فيها «العسكري» ضالّته لتمكين نفسه من السلطة واستخدامها كورقة في مواجهة «قوى الحرية والتغيير».
ودفعت هذه القوى بوثيقة تدابير الانتقال، التي طالبت فيها بتشكيل حكومة انتقالية لتصريف الأعمال من (التكنوقراط) تنتهي مهامها بإجراء انتخابات عامة في كل البلاد، وهي ذات الرؤية التي يطرحها المجلس العسكري.
واقترحت الوثيقة تكوين مجلس السيادة من العسكريين يشارك فيه عدد من المدنيين المستقلين على أن تكون رئاسة «السيادي» من القوات المسلحة لتشرف على عملية الانتقال.
ويقول القيادي في حزب المؤتمر الشعبي كمال عمر: «أحزاب تنسيقية القوى الوطنية كانت من (فلول) نظام البشير حتى اللحظات الأخيرة لسقوطه، وهي مطالبة بمراجعة مواقفها السياسية لمشاركتها في السلطة، بدلاً أن تطرح نفسها بديلاً لـ(قوى الحرية والتغيير)».
ويضيف عمر لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحدث الآن من تلك الأحزاب يعبّر عن اصطفاف آيديولوجي فرضته ظروف وجود العسكريين في السلطة». وتابع: «(قوى الحرية والتغيير) هي التي قادت الثورة التي أسقطت النظام، ولكن مشكلتها الإعلان الدستوري الذي صاغته لعملية انتقال السلطة الذي أظهر إقصاء واضحاً للآخرين».
ويشير إلى أن الموقف الصحيح الذي كان من المفترض أن تذهب إليه القوى السياسية التي كانت مشاركة مع النظام، أن تدفع في اتجاه نقاط التلاقي بين المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير» من أجل السودان، وليس البحث عن السلطة.
مصادر داخل تحالف تنسيقية القوى الوطنية أكدت لـ«الشرق الأوسط»، أن المجلس العسكري أجرى اتصالات بعدد من الأحزاب الموالية للنظام السابق، وتحريك بعض الجماعات السلفية لدعم خطواته المقبلة لمواجهة الضغوط التي تمارسها عليه «قوى الحرية والتغيير»، بل وعرض عليها أن تكون جزءاً من الحكومة المقبلة.
ويضيف القيادي -الذي فضّل حجب اسمه- أن دوافع بعض الأحزاب وبقايا الإسلاميين خاصة للوقوف إلى جانب «العسكري» تأتي من تخوفها من سيطرة اليسار داخل «قوى الحرية والتغيير» على السلطة، وهي التي كانت تغذّي الثورة المضادة. وينبه إلى أن رؤية تنسيقية القوى الوطنية تكاد تتطابق تماماً مع ما يطرحه المجلس العسكري، لتدفعه إلى التنصل من الاتفاق مع «قوى الحرية والتغيير»، ويشير إلى ذلك التطابق في دعوة الطرفين تشكيل حكومة تصريف أعمال من تكنوقراط، وإجراء انتخابات خلال فترة لا تتعدى الأشهر، وهذا التخطيط يقف وراءه الإسلاميون باختلاف كياناتهم خوفاً من أن تطالهم المحاسبة.
ويقول: «تسعى هذه الأحزاب بكل قوة لأن تكون حاضرة خلال الفترة الانتقالية، في محاولة منها لإعادة إنتاج نفس وجودها في الحكومات السابقة إبّان نظام البشير، والتي تقوم على المحاصصة الحزبية». ويتابع: «وهي تدرك تماماً أن حظوظها في الفوز بالانتخابات ضئيلة جداً لأنها لا تستند إلى قواعد شعبية».
ويقول نائب رئيس حركة «الإصلاح الآن» أسامة توفيق، إن «(قوى الحرية والتغيير) تصفنا بـ(سدنة النظام السابق) وتسعى لتصفية حساباتها مع الإسلاميين». وتابع: «حسب علمنا أن كشوفات التطهير جاهزة».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تنسيقية القوى الوطنية تقترح عاماً واحداً للفترة الانتقالية تتوافق الأحزاب على ميثاق شرف مع المجلس العسكري حتى قيام الانتخابات الحرة الشفافة.
وقال إن وجود القوات المسلحة في الفترة الانتقالية أمر لا مفر منه حتى لا تؤدي الإشكالات التي تعاني منها البلاد إلى فوضى، وأضاف: «اقترحنا أن يكون المجلس السيادي مناصفة بين المجلس العسكري والأحزاب السياسية وأن يكون بلا صلاحيات تؤدي إلى تكريس السلطات في أيدي العسكريين، وأن يكون هنالك مجلس وزراء بصلاحيات واسعة».
وفي موازاة ذلك ينشط بعض الجماعات السلفية المتشددة المحسوبة على النظام السابق، تحت مسمى «تيار نصرة الشريعة» للحيلولة دون التوصل إلى اتفاق بين المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير»، وقد سيّر هذا التيار مسيرات حاشدة إلى القصر الجمهوري لقطع الطريق أمام التوافق بين الطرفين.
ويستغل هذا التيار المدعوم من بقايا النظام السابق الشعارات الدينية لخلق القطيعة بين الشعب السوداني و«قوى الحرية والتغيير» بدعوى سيطرة اليسار العلماني عليها.
وتتباين المواقف داخل «قوى إعلان الحرية والتغيير» في التعامل مع تلك القوى السياسية، بعضها يدعو إلى عزل الأحزاب التي شاركت في النظام السابق حتى زواله، وأخرى تدعو إلى التنسيق مع الأحزاب التي خرجت من النظام قبل سقوطه لسد الجبهات في الصراع مع المجلس العسكري.
كان نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان -قطاع الشمال- ياسر عرمان، قد قال فور وصوله إلى البلاد الشهر الماضي: «نمد أيادينا بيضاء إلى الإسلاميين الراغبين في نظام جديد».
زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، يبدو متشدداً في ضرورة عدم مشاركة سدنة النظام البائد في المرحلة الانتقالية، وتجريد الأحزاب المتحالفة معه من كل الامتيازات غير المشروعة التي حصلوا عليها عن طريق التمكين الجائر، ويبدي مرونة من جهة أخرى في عدم عزل الأحزاب التي كانت لها مواقف مؤيدة للثورة، ويدعو لإشراكها في على الأقل في الجهاز التشريعي.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.