أمين عام «الاتحاد من أجل المتوسط»: التعاون الأورومتوسطي ليس رفاهية

السفير كامل أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مجلس التعاون الخليجي» نموذج يحتذى به في الاندماج الإقليمي

السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط (موقع الاتحاد)
السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط (موقع الاتحاد)
TT

أمين عام «الاتحاد من أجل المتوسط»: التعاون الأورومتوسطي ليس رفاهية

السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط (موقع الاتحاد)
السفير ناصر كامل أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط (موقع الاتحاد)

أكد الأمين العام لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، أن التعاون الأورومتوسطي أصبح احتياجاً ماساً وليس رفاهية، مشيراً إلى أن عمل الاتحاد الذي انطلق في منتصف عام 2008، قد شهد في بداياته عقبات كبرى نتيجة ما شهده العالم من أزمة اقتصادية عالمية؛ ثم أحداث جيوسياسية أدت إلى اضطراب في عدد من الدول العربية؛ ما أدى إلى تأخر نشاط الاتحاد... لكن أنشطة التعاون تشهد اليوم تحسناً كبيراً، نتيجة لوجود «إرادة سياسية» واسعة لدى الدول الأعضاء، وبخاصة بعد استقرار الأوضاع في أغلبها.
ويضم الاتحاد من أجل المتوسط 43 بلداً، منها 28 دولة أوروبية و15 دولة جنوب وشرق البحر المتوسط. ونظم الاتحاد بالعاصمة المصرية هذا الأسبوع أول منتدى مخصص للتجارة، الذي شهد مشاركة فاعلة من أكثر من 150 من ممثلي الحكومات والجهات المعنية ومجتمعات الأعمال ومراكز الفكر ودوائر التفاوض التجاري، وكذلك المنظمات الإقليمية والدولية.
وعلى هامش المنتدى، قال السفير ناصر كامل، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، إن نظرة الاتحاد إلى تجربة «مجلس التعاون الخليجي» إيجابية للغاية، كونه نموذجاً يحتذى به في الاندماج الإقليمي، إضافة إلى التعاون الكبير بين الطرفين. كما أشار إلى أن المنطقة هي الأكثر تعقلاً حالياً وسط حرب تكتلات شرسة ومعارك تجارية عنيفة. وأوضح كذلك، أنه لا يخشى من تأثيرات سلبية لتصاعد الموجة «الشعبوية» في عدد من الدول الأوروبية على التعاون الأورومتوسطي.
وإلى نص الحوار...

> بصفتك أميناً عاماً لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، ما هي أهمية التعاون بين دول المنظمة من وجهة نظرك؟ وكيف تقيّم التقدم المحرز؟
- التعاون الأورومتوسطي ليس رفاهية، فهو مبني على عنصر موضوعي مبني بدوره على حقائق جغرافية وتاريخية وسياسية... فالتكامل المتوسطي ما بين أوروبا وجوارها جنوب المتوسط هو واقع جيو-استراتيجي، فنحن يجمعنا «بحيرة» وليس بحراً، وتاريخ مشترك (بسلبياته وإيجابياته)، ويجمعنا أيضاً أننا نحيا في عالم يحكمه منطق التكتلات... وبالتالي، فنحن نعكس «احتياجاً» وليس «رفاهية».
ومن خلال هذا المنظور، فإن نجاح الاتحاد من أجل المتوسط أو تراجع دوره، هو بمثابة «ترمومتر لحال المنطقة»... ومن الممكن أن نقول إن الاتحاد في بداياته كان يعاني كثيراً؛ لأن أوروبا من جهة كانت تمر بضائقة وأزمة مالية غير مسبوقة، وبخاصة في جنوب القارة، والعالم العربي على الجانب الآخر كان في حالة سيولة غير عادية؛ لأنه كان يمر بـ«ما يسمى» «الربيع العربي» بكل تداعياته على المنطقة وأوضاعها سياسياً واقتصادياً، التي أدت بعدد من دولنا إلى أن تصل إلى مرحلة «الدولة الفاشلة».
وبالتالي، كان التعاون الأورومتوسطي يواجه تحديات كبرى، حيث لم يكن هناك استقرار بالأساس، سواء على الشطر الشمالي أو الجنوبي؛ كل لأسبابه ودوافعه، وانشغال كل طرف بأزماته الحادة، من موجات هجرة غير مسبوقة إلى نزاعات مسلحة، إلى آخره.
> وماذا عن الوضع اليوم؟
- في الأعوام الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، يوجد تحسن نسبي في المناخ العام، أولاً عادت عدد من الدول إلى الاستقرار وإلى النمو، ومصر نموذج في هذا الشأن، وكذلك المغرب والأردن، وحتى تونس اليوم في سبيلها إلى الاستقرار... والاقتصاد بدأ يلتقط أنفاسه... بالطبع لا تزال دول مثل ليبيا وسوريا تحتاج إلى وقت، لكن الوضع الجيو-استراتيجي بشكل عام أفضل كثيراً الآن مقارنة بسنوات سابقة.
حتى إذا تحدثنا عن النمو الاقتصادي، فمتوسط النمو الاقتصادي في دول جنوب المتوسط عند معدلات 1.7 إلى 2 في المائة، وهي نتائج إيجابية على كل حال وتخطت مرحلة النتائج السلبية. وإذا أضفنا إلى ذلك نتائج الدول سريعة النمو مثل مصر والمغرب، يتضح أن هناك صورة أفضل، وبالتالي انتظمت اجتماعات هذا الكيان (الاتحاد من أجل المتوسط) على مستوى وزراء الخارجية، وكذلك الاجتماعات الوزارية القطاعية، وزراء التجارة والعمل والمرأة والبنية التحتية والنقل وغيرها، وأصبح هناك انتظام في أنشطة الاتحاد على المستوى القطاعي.
أيضاً، أنشطة الاتحاد شهدت انتعاشاً فيما يتصل بمنصات الحوار، حيث جمعنا خلال السنوات القليلة الماضية ما بين 150 و200 ألف ممن نطلق عليهم مسمى «أصحاب المصلحة» stakeholders، سواء رجال أعمال أو مسؤولين أو شباباً وشابات أو مجتمعاً مدنياً، وإذا أضفنا إلى ذلك أن اجتماعات كبار المسؤولين تسير بانتظام شديد يدل على أن هناك إرادة سياسية، وزيادة عدد المشروعات التي تبنيناها خلال العامين إلى الثلاثة الماضية إلى درجة أننا نعاني حالياً من صعوبة في التعامل مع كثرة المشروعات التي تردنا وتريد أن تأخذ فرصتها، من خلال دعمها سياسياً وأمام مؤسسات التمويل، فكل هذه مؤشرات على أن الاهتمام عاد مرة أخرى؛ لأننا «مرآة لإرادة الدول الأعضاء»؛ ما يدل على أن الدول الأعضاء أصبحت الآن في مرحلة أكثر قدرة على المزيد من التعاون المشترك.
> هناك من يرى أن دول شمال المتوسط، أقل اقتصادياً من دول شمال القارة الأوروبية الغنية، فهل يمثل هذا دافعاً إيجابياً لهذه الدول لزيادة التعاون مع دول جنوب المتوسط؟
- لا أتفق مبدئياً مع الفرضية الأولى، فمثلاً إيطاليا هي الاقتصاد الرابع أوروبياً، وإسبانيا الخامس في الاتحاد، وقدرتهما على الابتكار وإسهامها الاقتصادي في أوروبا وحركة التجارة مع جنوب المتوسط كبيرة جداً. ولو نظرت إلى دولة مثل إيطاليا لوجدت أنها الشريك الاقتصادي الأول لمصر في الاتحاد الأوروبي ككل، وربما تنافسها ألمانيا، وإذا قارنا حجم الاقتصادين يتضح أن إيطاليا نشطة جداً في هذا المجال.
أيضاً، هذه الدول بنيتها الاقتصادية أقرب - مقارنة بدول الشمال - للتعاون مع دول جنوب المتوسط؛ لأن الكثير من الثروة المتولدة في هذه الدول قادمة من المشروعات المتوسطة والصغيرة، وبالتالي فقدرتها كبيرة على نقل تجاربها إلى دول الجنوب... ولذلك؛ فأنا أتصور أن دول جنوب أوروبا هي الجسر الطبيعي للعلاقة بين دولنا في جنوب المتوسط والشمال الأوروبي.
أضف إلى ذلك أن دول الشمال الأوروبي – وهو أمر غاية في الأهمية - مؤمنة جداً بالتعاون الأورومتوسطي، وأكبر الداعمين الماليين لمنظمة الاتحاد من أجل المتوسط هي مؤسسات مانحة من ألمانيا والسويد والنرويج.
> وما مدى استفادة دول الشمال من تعزيز التعاون؟
- الفكرة هي أن خلق منطقة رخاء مشترك، هي مسألة إيجابية؛ من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية من منطلق المصلحة الذاتية.
فبناء منطقة رخاء مشترك تجنّب أوروبا مخاطر عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الجنوب، من هجرة وإرهاب ونزاعات داخلية. كما أنها تمنحها سوقاً مستقرة قادرة على استيعاب جزء من صادراتها. وثالثاً، فهي تهيئ لها الفرصة لاستيعاب جزء من الطاقات الإنتاجية الموجودة في أوروبا والتي لا يمكن أن تستمر نتيجة للديموغرافيا الحالية؛ نظراً لأن سوق العمل الأوروبي تتقلص وتنكمش، وأمامها حالياً إما أن تستورد عمالة أو أن تصدر صناعة أو تتكامل صناعياً، من خلال أن تنقل جزءاً من مدخلات إنتاجها إلينا... وبالتالي، فإن خلق وظائف في دول الجنوب هي مصلحة اقتصادية له.
والبعض يتصور أن «المعادلة صفرية»... بمعنى أن ما أكسبه يخسره الآخر، لكن الواقع أن المعادلة في الاقتصاد والتعاون الاقتصادي لم تكن أبداً صفرية على مدار التاريخ. والحروب التجارية والانغلاق التجاري وسياسات الحماية - تاريخياً - كانت دائماً ما تتزامن مع مراحل تدهور في تاريخ الأمم والشعوب.
وبالتالي، جنوب المتوسط الأوروبي مهم نظراً لقربه وتشابه أطره الإنتاجية، ومصالحه المباشرة معنا... والشمال أيضاً مهم لأنه مدرك لأهمية بناء فضاء أورومتوسطي ناجح من النمو والرخاء.
> في ظل الحرب التجارية متعددة الاتجاهات والأطراف والمحاور... ما هي رؤية الاتحاد من أجل المتوسط لهذه المعركة، وهل هناك فرص يراها موائمة لصالحه؟
- سأنظر إلى الأمر من ناحية أخرى، فالمنطقة الأكثر تعقلاً وحكمة اليوم هي المنطقة الأورومتوسطية بشقيها... فصانع القرار سواء في شمال أو جنوب المتوسط مقتنع بأهمية تعزيز وتطوير التعاون.
وعندما ننظر لسياسة الجوار الخاصة بالاتحاد الأوروبي وحجم المخصصات الأوروبية التي توجه لدول جنوب المتوسط، والتي ستزيد بما لا يقل عن 20 إلى 25 في المائة خلال بضع سنين مقبلة، فإن ذلك يدل على مستوى هذا الإدراك.
وإذا اضفنا إلى ذلك أن الرؤية الأوروبية تنظر للأمر في الإطار الأشمل، إنه نتيجة لهذا التوتر على المسرح الدولي، فهناك حاجة إلى أن منطقتنا بما تشمله من جوار تكون منفتحة بشكل أكبر على بعضها، ويكون لديها سوق قادرة إلى حد كبير على المنافسة مع تكتلات قوية، وفي بعض الأحيان «عنيفة»... وبالتالي، كلما زاد حجمي واندماجي مع جيراني، فإن قدرتي تزداد على المنافسة في هذا العالم الصعب.
ويحسب لأوروبا وكذلك لدولنا أننا لا نزال مؤمنين بفوائد التكامل وتحرير التجارة، في وقت البعض للأسف لا يؤمن بهذه القيم.
> مصر تسعى جاهدة لتنفيذ خطتها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، بما يخدم دول المتوسط وأوروبا والشرق الأوسط بالتبعية، لكن توجد عوائق جيوسياسية قد تؤثر على ذلك، فهل للمنظمة دور؟
- لدينا في الاتحاد من أجل المتوسط قطاع يدعى «الطاقة والطاقة المتجددة»، وداخل هذا القطاع لدينا منصات للغاز، وكنا منذ أيام في باريس مع وزير البترول المصري المهندس طارق الملا في اجتماع حول الغاز، وأستطيع أن أقول إن مداخلات كل كبار العاملين في هذا المجال من مسؤولين وشركات دولية كبرى، تتحدث عن أن الإنجاز الذي حققته مصر، سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد بناء قاعدة إقليمية للتعاون، أمر غير مسبوق و«قصة نجاح يحتذى بها».
وعلى البعد الإقليمي، فهذه القاعدة ومنتدى الغاز الذي تقوده مصر، لها أبعاد جيو- استراتيجية إيجابية لأوروبا؛ لأنها تزيد من مصادر حصول القارة الأوروبية على احتياجاتها من الطاقة، وتقلل من التكلفة الاقتصادية، وتقلل من الكلفة السياسية والجيو-استراتيجية للحصول على الطاقة... وبالتالي، أصبح لدى أوروبا اليوم مصدر جديد مستدام وآمن للطاقة، فعندما ننظر إلى الدول أعضاء المنتدى نجدها «دولاً صديقة لأوروبا»، وبخاصة أن الغاز يعد أحد مصادر الطاقة التقليدية الأقل تلويثاً للبيئة، والذي يعد أحد مصادر الطاقة الانتقالية ما بين الطاقة الأحفورية التقليدية، والطاقة النظيفة أو الخضراء المنتجة من الطاقة المتجددة.
وبالتالي، فإن غاز المتوسط ينظر له في أوروبا على أنه تطور إيجابي للغاية، وله فوائد كبرى للمنطقة بمعناها الشامل، وفوائد فيما يتعلق بالتكامل الاقتصادي الإقليمي؛ لأنه سيحقق تجارة بينية بين عدد من الدول وأيضاً مع بقية أوروبا، وبخاصة مع ترقب دخول دول مستقبلاً أخرى مثل لبنان وسوريا وفلسطين، فإننا نتحدث عن فرص واعدة جداً للجميع.
> بخبراتك الدبلوماسية السابقة... تنامي الموجة الشعبوية في دول أوروبا المتوسطية، كما نرى في إيطاليا وفرنسا مثلاً، هل يمكن أن يؤثر سلباً على مستقبل التعاون المتوسطي؟
- سأتناول الموضوع من منظور إيجابي، حيث إن أكثر الأصوات التي تتبنى هذا الفكر في أوروبا، لا تجادل أبداً في أهمية التعاون الأورومتوسطي... على العكس، البعض منها يرى أن هذا التعاون قد يكون مفيداً؛ لأن تنمية ورخاء جنوب المتوسط ستحدّ من ظاهرة الهجرة وما لها من جوانب يرونها سلبية.
وحينما أتحدث مع بعضهم، أجد أنهم يفكرون أن تنمية أفريقيا جنوب الصحراء وتقديم يد العون لهذه المنطقة والتعامل مع تأثيرات التغير المناخي في دول الساحل والصحراء، هي خطوات مهمة للغاية للتعامل مع قضية الهجرة... وبالتالي، فإن حتى أكثر الأصوات التي تنادي بـ«عزلة أوروبا» لا تشكك في أهمية التعاون الأورومتوسطي.
> كيف يتعاون الاتحاد من أجل المتوسط مع دول الخليج العربي؟
- هناك 3 محاور للأمر، أولاً فإن دول مجلس التعاون الخليجي تنخرط مع الاتحاد من أجل المتوسط في الكثير من الأنشطة... مثلاً في مشروع محطة تحلية المياه في غزة، فإن البنك الإسلامي للتنمية التابع لمنظمة التعاون الخليجي هو أحد الممولين الرئيسيين لهذا المشروع، بعدما تبناه الاتحاد من أجل المتوسط. وبالتالي، حينما ترى دول مجلس التعاون الفوائد التي تعود على منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فإنها تنخرط بإيجابية شديدة.
ثانياً، هناك الكثير الذي يمكن أن نتعلمه من دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتصل بالتكامل الإقليمي، حيث إن المجلس له تجربة ناجحة جداً في هذا المجال، فكل الحريات مكفولة، وكذلك حرية انتقال السلع والخدمات... ولذلك؛ نحن في الاتحاد من أجل المتوسط ننظر لدول مجلس التعاون الخليجي بصفتها نموذجاً يحتذى به، ونتعلم منه، ونستفيد من تجربته في مواجهة وتجاوز بعض التحديات.
ثالثاً، فإن عدداً من دول الاتحاد من أجل المتوسط، وبخاصة مصر والأردن، لديها حجم تبادل تجاري واقتصادي واستثماري ضخم مع دول مجلس التعاون الخليجي؛ ما يجعلنا في الاتحاد داعمين لأي نشاط وتعاون مع دول المجلس، وأيضاً نروّج لديهم للاستثمار في المتوسط؛ لأن في النهاية، أمن ورخاء المتوسط يرتبط بالإطار الأشمل، حيث إن رخاء المتوسط والخليج «منظومة مترابطة».
وبالتالي، فإن الخليج عنصر داعم، ومتعاون تنموياً وتمويلياً، ونموذج قريب نتعلم منه فيما يتصل بالاندماج الإقليمي.



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.