تونس... جدل بعد تعديل قانون الانتخابات قبل الاقتراع الرئاسي

مقر البرلمان التونسي (رويترز - أرشيف)
مقر البرلمان التونسي (رويترز - أرشيف)
TT

تونس... جدل بعد تعديل قانون الانتخابات قبل الاقتراع الرئاسي

مقر البرلمان التونسي (رويترز - أرشيف)
مقر البرلمان التونسي (رويترز - أرشيف)

أثار إقرار تعديلات على قانون الانتخابات التونسي جدلا سياسيا واسعا في البلاد، لأنه قد يؤدي إلى إقصاء كثير من المرشحين الأقوياء للرئاسة قبل خمسة أشهر من موعد الانتخابات.
وصوت مجلس النواب على تعديلات مختلفة تطرح شروطا جديدة على المرشح، بينها عدم قيامه بتوزيع مساعدة مباشرة لمواطنين أو استفادته من دعاية سياسية.
والنص الجديد يمكن أن يحول بشكل خاص دون ترشيح قطب الإعلام نبيل القروي، وسيدة الأعمال ألفة التراس رامبورغ.
وتم التصويت على هذا التعديل بغالبية 128 صوتا مقابل 30. وامتنع 14 نائبا عن التصويت.
والفصل 42 مكرر من هذا القانون الانتخابي «لا يقبل الترشح للانتخابات التشريعية لكل شخص أو قائمة تبيّن للهيئة (الانتخابية) قيامه أو استفادته خلال الـ12 شهرا التي تسبق الانتخابات بأعمال تمنعها الفصول 18 و19 و20 من المرسوم عدد 87 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية»، أو «تبيّن قيامه أو استفادته من الإشهار السياسي».
وكان القروي، مؤسس قناة «نسمة» التونسية الخاصة، أعلن في أواخر مايو (أيار) ترشحه للانتخابات الرئاسية، وذلك في مقابلة بثتها القناة مباشرة، مشيدة بأعماله الخيرية في المناطق المهمشة في البلاد.
واقترحت الحكومة هذا التعديل ردا على إعلان القروي ترشيحه، ورغم الحذر إزاء استطلاعات الرأي، فإن كثيرا من الذين شملتهم الاستطلاعات أعربوا عن تأييدهم للقروي.
وقالت نسرين جلاليا من مرصد الحياة البرلمانية «نفتح الباب أمام سابقة خطيرة للغاية... سنت الأحزاب تشريعات للقضاء على المعارضين».
ويتطلب أحد التعديلات أن يكون المرشحون قد أوفوا بالالتزامات نفسها التي تعهد بها الأطراف بشكل فردي خلال الـ12 شهرا التي سبقت الانتخابات: «عدم وجود أموال أجنبية أو تبرعات من شركات، أو توزيع مساعدات أو إعلانات سياسية».
وسيدة الأعمال ألفة التراس رامبورغ معنية أيضا بهذا التعديل، بعدما عُرِفَت عبر الأعمال الخيرية والرياضية لمؤسسة «رامبورغ» وحركتها «عيش تونسي».
ويعتمد المرشحون مثل القروي ورامبورغ على التصويت العقابي ضد الأحزاب الرئيسية، كما بدا خلال الانتخابات البلدية في مايو 2018. وتعاني الطبقة الحاكمة من صعوبات في تلبية التوقعات الاجتماعية للسكان، المتضررين من استمرار البطالة والتضخم.
وبالنسبة للحكومة، فإن منظمات القروي أو رامبورغ «أحزاب فعلية» لكنها لا تحترم القانون الانتخابي.
ويحظر تعديل آخر مشاركة مرشحين في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية لديهم سجلات قضائية، وقال النائب المستقل ياسين العياري الذي كان حُكم عليه بتهمة «المس بمعنويات الجيش» لوكالة الصحافة الفرنسية: «هذه التعديلات أعدت لإقصاء خصوم سياسيين».
وهتفت النائبة أنس الحطاب من الحزب الرئاسي «نداء تونس» خلال جلسة البرلمان بشكل مباشر «أنه عار على البرلمان أن يقبل بفرض هذه العقوبات».
ومن جهته، قال مصطفى بن أحمد، زعيم الكتلة المؤيدة لرئيس الوزراء يوسف الشاهد «من المناسب تطبيق تكافؤ الفرص، هذا ليس قانونا جديدا بل توسيع للقواعد الحالية».
وتعرضت هذه التعديلات لانتقادات حادة سواء من قبل الأطراف المعنيين، أو من قبل المراقبين وجهات فاعلة سياسية، واشتكى بعض النواب من حصولهم على نصوص بعض التعديلات فقط قبل وقت قصير من عملية التصويت عليها.
وقال الرئيس السابق لمفوضية الانتخابات شفيق صرثار أمس (الاثنين) إن التعديلات ترقى إلى «علاج الشر بالشر»، وذلك في مقابلة مع إذاعة «آر تي سي آي».
وندد القروي بـ«محاولة انقلاب سياسي» بهدف منعه من ترشيح نفسه. وقال في رسالة وجهها إلى النواب (الثلاثاء) «لن أتخلى عن التزاماتي تجاه الفقراء وحقي الدستوري وحتى واجبي الأخلاقي في الترشح».



تحت رعاية ولي العهد... «الداخلية» السعودية تنظّم «القمة العالمية للأمن والتقنية»

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)
TT

تحت رعاية ولي العهد... «الداخلية» السعودية تنظّم «القمة العالمية للأمن والتقنية»

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)

تنظّم وزارة الداخلية السعودية القمة العالمية للأمن والتقنية، تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في حدث عالمي يجمع قادة الأمن والتقنية والابتكار وصنّاع القرار والخبراء والمبتكرين من مختلف دول العالم، ويُقام بالشراكة مع أكاديمية طويق، خلال الفترة من 18 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) المقبل بمدينة الرياض.

وأوضح الأمير عبد العزيز بن سعود أن القمة تمثل منصة دولية لتبادل الخبرات واستشراف مستقبل الأمن والتقنية، وامتداداً لجهود السعودية في بناء منظومة أمنية وتقنية متقدمة ترتكز على المعرفة والابتكار، وتواكب المتغيرات المتسارعة والتحديات المستقبلية.

وبيَّن وزير الداخلية السعودي أن القمة ستسهم في تعزيز التعاون الدولي، وتوحيد الجهود، وتبادل أفضل الممارسات، وتمكين المشاركين من استكشاف الفرص الواعدة واستباق التحولات في المجالات الأمنية والتقنية، بما يدعم رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز الجاهزية وصون المكتسبات الوطنية.

وتتضمن القمة حزمة من الفعاليات النوعية المصاحبة التي تُعد من الأكبر على مستوى المنطقة، وفي مقدمتها «شهر الأمن والتقنية» الإثرائي، الذي يشتمل على برامج متخصصة ولقاءات معرفية وورش عمل تقنية تُنفذ بالشراكة مع جهات عالمية رائدة، بهدف إثراء المحتوى المعرفي وبناء القدرات الوطنية في المجالات الأمنية والتقنية.

ورفع الأمير عبد العزيز بن سعود، وزير الداخلية السعودي، الشكر والامتنان لولي العهد على رعايته للقمة، مؤكداً أن هذه الرعاية تعكس حرص القيادة على تعزيز منظومة الأمن الداخلي، وتطوير الحلول التقنية التي تسهم في حماية المجتمع، وتمكين التحول الرقمي في القطاعات الأمنية الوطنية والإقليمية والدولية.

كما تستعرض القمة أحدث الابتكارات والحلول التقنية في القطاعات الأمنية، وتوفر منصة للتواصل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية، بما يعزز الشراكات الاستراتيجية وتبادل الخبرات في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتقنيات الناشئة، وتقنيات المراقبة الذكية وإدارة الأزمات، إلى جانب جلسات رئيسية وحوارات متخصصة ومعارض تفاعلية تستعرض أحدث ما توصلت إليه الصناعات الأمنية والتقنية عالمياً.

وتشهد أجندة القمة تنظيم مسابقة «سيف» العالمية للابتكار الأمني والتقني، التي تُعد الأضخم عالمياً في مجال الأمن والتقنية، وتقام بمدينة الرياض خلال الفترة من 19 إلى 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026م، بمشاركة نخبة من المبتكرين والباحثين والمواهب التقنية من مختلف دول العالم.

وتركز المسابقة على تطوير حلول مبتكرة في عدد من المجالات الحيوية، تشمل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، والتقنيات الناشئة وتطبيقاتها الأمنية، والأدلة الجنائية الرقمية والتحقيقات التقنية، والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية، والتحول الرقمي في القطاع الأمني، فيما تبلغ قيمة جوائزها خمسة ملايين ريال، بما يعزز تنافسية المشاركين ويدعم تطوير حلول تقنية نوعية تسهم في مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية.

ويأتي تنظيم القمة استكمالاً للنجاحات التي حققها مؤتمر «أبشر» 2025، الذي سجّل ثلاثة أرقام قياسية في موسوعة غينيس للأرقام القياسية لأكبر هاكاثون في العالم، وضم أكثر من 60 جلسة رئيسية شارك فيها مسؤولون وخبراء وقادة فكر، إضافة إلى 80 ورشة عمل قدّمها نحو 150 متحدثاً ومتحدثة، إلى جانب 10 مناطق تفاعلية أسهمت في إثراء تجربة الزوار والمشاركين.

ومن المنتظر أن تُرسّخ القمة العالمية للأمن والتقنية، مكانة مدينة الرياض مركزاً عالمياً للابتكار الأمني والتقني، وأن تعزز حضور المملكة بصفتها شريكاً دولياً مؤثراً في صياغة مستقبل الأمن والتقنية، ومنصة رائدة لتطوير الحلول المبتكرة وبناء الشراكات النوعية على المستوى العالمي.


العليمي: السلام يبدأ باستعادة الدولة لا تقاسمها مع الحوثيين

العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ
العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ
TT

العليمي: السلام يبدأ باستعادة الدولة لا تقاسمها مع الحوثيين

العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ
العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ

جدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي تمسك بلاده بخيار السلام، لكنه شدد على أن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تقوم على تقاسم السلطة بين الدولة والجماعة الحوثية، وإنما على استعادة مؤسسات الدولة لصلاحياتها الحصرية، وإنهاء الانقلاب، ومعالجة جذور الأزمة اليمنية.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، الذي أطلعه على نتائج اتصالاته الأخيرة المتعلقة بجهود إحياء العملية السياسية، واستكمال تنفيذ اتفاق الإفراج عن 1750 محتجزاً، إلى جانب المساعي الدولية الرامية إلى تحريك مسار السلام المتعثر.

وأفاد الإعلام الرسمي بأن العليمي استمع إلى إحاطة أممية حول الخطوات الجارية لاستكمال تنفيذ اتفاق الإفراج عن المحتجزين، معرباً عن تقديره للجهود التي بذلتها الأمم المتحدة، والشركاء الإقليميون، والدوليون، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، لإنجاز الاتفاق.

جانب من لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني مع المبعوث الأممي (إعلام رسمي)

ووصف رئيس مجلس القيادة اليمني الاتفاق بأنه خطوة إنسانية مهمة تعيد الأمل إلى آلاف الأسر اليمنية، داعياً إلى البناء على هذا الإنجاز، وعدم السماح لأي عراقيل أو مماطلات لإفراغه من مضمونه الإنساني، أو تعطيل تنفيذه الكامل.

وأكد أن نجاح الاتفاق يمكن أن يشكل مدخلاً لتعزيز الثقة في الملفات الإنسانية، شريطة عدم توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية على حساب معاناة اليمنيين.

خطر المشروع الحوثي

وتوقف العليمي خلال لقائه مع المبعوث الأممي عند التطورات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها إعلان الحوثيين انخراطهم في الدفاع عن إيران وحلفائها في المنطقة، معتبراً أن ذلك يمثل دليلاً جديداً على ارتهان الجماعة للمشروع الإيراني، واستخدامها اليمن ساحة لخدمة أجندات خارجية لا ترتبط بمصالح اليمنيين.

وقال إن المجتمع الدولي مطالب باستيعاب حقيقة الأزمة اليمنية بوصفها صراعاً بين الدولة وجماعة مسلحة انتزعت صلاحياتها بالقوة، وليست مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنافسة يمكن تسويته عبر ترتيبات لتقاسم النفوذ.

وأضاف أن الجماعة الحوثية ترتبط بمشروع إقليمي عابر للحدود، الأمر الذي يجعل معالجة الملف اليمني مرتبطة أيضاً بفهم الأبعاد الإقليمية للصراع ومخاطره على الأمن والاستقرار في المنطقة.

الحوثيون أعلنوا مساندتهم لإيران خلال أحدث هجماتها المتبادلة مع إسرائيل (أ.ب)

وجدد العليمي التزام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في بلاده بالسلام القائم على المرجعيات المعترف بها دولياً، وفي مقدمتها المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216.

وأكد أن السلام المستدام لا يتحقق عبر إعادة إنتاج أسباب الأزمة، أو شرعنة وجود الميليشيات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، بل من خلال استعادة المؤسسات الوطنية، وترسيخ سيادة القانون، وضمان العدالة، واحترام الحقوق، والحريات.

كما شدد على أن أي مقاربة لا تعالج جذور المشكلة ستؤدي إلى هدنة مؤقتة سرعان ما تعيد إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيداً، وخطورة.

وفي هذا السياق، انتقد استمرار الحوثيين في حملات الاعتقال، والإخفاء القسري، والتجنيد، وانتهاك الحريات العامة، وملاحقة الخصوم، ومصادرة الممتلكات، مؤكداً أن هذه الممارسات تمثل أحد أبرز معوقات السلام، ويجب أن تبقى حاضرة في تقارير الأمم المتحدة، وتقييماتها للوضع اليمني.

وحذر من أن استمرار ضعف مؤسسات الدولة، وتأخر استعادة سلطتها يمنحان الجماعة مساحة أكبر لترسيخ نفوذها، ويزيدان من خطر تحول اليمن إلى منصة دائمة للصراعات الإقليمية، وتهديد الملاحة الدولية، والأمن الجماعي.

دعوة لدعم الإصلاحات

وبحسب ما نقلته المصادر الرسمية، تطرق لقاء العليمي مع غروندبرغ كذلك إلى الأوضاع الداخلية، وجهود الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية، والمضي في برنامج الإصلاحات المالية والإدارية والمؤسسية الشاملة.

وأعرب العليمي عن تطلعه إلى دور أممي ودولي أكثر فاعلية في حشد الدعم لبرنامج الإصلاحات الحكومية، وحماية المرجعيات الأساسية للحل الشامل، والتعامل مع الترابط المتزايد بين الملف اليمني والتطورات الإقليمية باعتباره عاملاً رئيساً في أي مسار مستقبلي للسلام.

وفي سياق متصل، بحث فريق يمني برئاسة وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، في العاصمة المؤقتة عدن، مع وفد من البنك الدولي برئاسة المديرة الإقليمية للبنية التحتية ألمود ويتز سبل تعزيز الشراكة لدعم قطاعات النقل والطرق والصناعة والتجارة والتنمية، وفي إطار جهود الحكومة لتحسين الخدمات، ودفع مسار التعافي الاقتصادي.

اجتماع فريق حكومي يمني في عدن مع مسؤولين في البنك الدولي (إعلام رسمي)

واستعرض الاجتماع الذي حضره وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول المشاريع الممولة من البنك الدولي، وأثرها في دعم البنية التحتية، والخدمات الأساسية، إلى جانب مناقشة الاحتياجات والأولويات المستقبلية للقطاعات الحيوية، فيما أكد الوزراء المشاركون أهمية استمرار الدعم الفني والتمويلي للمشاريع ذات الأولوية بما يساند خطط الإصلاح والتنمية، ويعزز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وأكدت الزوبة –بحسب الإعلام الرسمي- أن الحكومة تعمل على إيجاد فرص تنموية واعدة، وإعداد خطة وطنية للتنمية خلال السنوات المقبلة، مشيرة إلى ما يتمتع به اليمن من موقع استراتيجي يؤهله للعب دور مهم في حركة التجارة والربط الإقليمي. من جانبها، جددت المسؤولة في البنك الدولي التزام المؤسسة بمواصلة دعم اليمن، وبناء قدرات المؤسسات الحكومية، وتطوير خطط مشتركة تسهم في جذب التمويلات التنموية، وتعزيز جهود التعافي، وإعادة البناء.


الصحافة اليمنية... مستقبل غامض وذاكرة مثقلة بالضحايا

مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)
مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)
TT

الصحافة اليمنية... مستقبل غامض وذاكرة مثقلة بالضحايا

مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)
مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)

يحل اليوم الوطني للصحافة اليمنية هذا العام في ظل واقع يوصف بأنه الأكثر قسوة في تاريخ المهنة، بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، وهي عوامل دفعت الصحافة إلى هامش المشهد العام، وحوَّلت عشرات الصحافيين إلى ضحايا للقتل والاعتقال والتشريد، فيما وجد المئات أنفسهم خارج المهنة التي شكَّلت لسنوات إحدى أهم ساحات التعبير والحياة العامة في البلاد.

ويصادف التاسع من يونيو (حزيران) ذكرى تأسيس النقابة الموحدة للصحافيين اليمنيين قبل 36 عاماً، وهو التاريخ الذي اعتُمد يوماً وطنياً للصحافة اليمنية. غير أن المناسبة جاءت هذا العام وسط مشهد مختلف تماماً عمَّا عرفته البلاد خلال العقود الماضية، مع تراجع مساحة العمل الإعلامي المستقل وانحسار المؤسسات الصحافية وتفاقم الأوضاع المعيشية للعاملين في القطاع.

وتشير بيانات نقابية إلى مقتل 45 صحافياً منذ اندلاع الحرب، إضافةً إلى اعتقال آخرين وتشريد مئات الصحافيين داخل اليمن وخارجه، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً التي مرت بها المهنة منذ عقود.

ومثّل اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014 نقطة تحول حاسمة في واقع الصحافة اليمنية، فمع سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة، أغلقت الصحف المستقلة والمعارضة، وأوقفت أنشطة عديد من وسائل الإعلام المحلية، كما أغلقت مكاتب عدد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية.

مناطق سيطرة الحكومة اليمنية تتميز بمساحة معقولة من الحريات (إعلام محلي)

وأدى ذلك إلى فقدان مئات الصحافيين وظائفهم ومصادر دخلهم، خصوصاً أولئك الذين رفضوا العمل في المؤسسات الإعلامية الرسمية بعد إخضاعها لسيطرة الحوثيين وتحويلها إلى منصات دعائية تخدم مشروع الجماعة السياسي والآيديولوجي.

وفي المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لم تنجح السلطات في استيعاب الأعداد الكبيرة من الصحافيين الذين فقدوا أعمالهم، كما تعثرت عملية إعادة بناء المؤسسات الإعلامية الرسمية وإعادة تشغيلها بصورة فاعلة، مما ترك فجوة كبيرة في سوق العمل الإعلامي.

ومع استمرار الصراع لعامه الثاني عشر، اضطر كثير من الصحافيين اليمنيين إلى ترك المهنة نهائياً والعمل في مجالات أخرى لتأمين احتياجاتهم المعيشية، بينما اختار آخرون مغادرة البلاد.

وباستثناء عدد محدود من الصحف المستقلة التي تصدر في العاصمة المؤقتة عدن، وصحيفة حكومية واحدة، تبدو الصحافة المطبوعة شبه غائبة عن المشهد، في وقت أصبح فيه ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي أكثر حضوراً وتأثيراً من المؤسسات الإعلامية التقليدية.

أكثر من ألفي انتهاك

وتقول نقابة الصحافيين اليمنيين إن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالحريات الإعلامية، مؤكدةً أنها وثَّقت أكثر من ألفَي انتهاك ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية خلال السنوات الماضية.

وتشمل هذه الانتهاكات القتل والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات ذات الدوافع السياسية والتهديدات الأمنية، إضافةً إلى إغلاق المؤسسات الإعلامية والاستيلاء على مقراتها ومصادرة ممتلكاتها وحجب المواقع الإلكترونية.

وتحمّل النقابة الجماعة الحوثية المسؤولية عن النسبة الكبرى من تلك الانتهاكات، مؤكدةً استمرار احتجاز عدد من الصحافيين حتى اليوم، في ظل مطالبات حقوقية متواصلة بالإفراج عنهم.

الحوثيون تسببوا في إجهاض تجربة صحافية واعدة في اليمن (إعلام محلي)

كما تؤكد النقابة أن عام 2025 لم يشهد تحسناً ملحوظاً، بل استمرت خلاله الانتهاكات والضغوط الأمنية والقضائية ضد الصحافيين، الأمر الذي انعكس سلباً على حرية العمل الإعلامي واستقلاليته.

وترى النقابة أن ما تعرضت له الصحافة اليمنية خلال سنوات الحرب جعل هذه المرحلة واحدة من أسوأ الفترات التي مرت بها المهنة منذ تأسيسها، ليس فقط بسبب حجم الانتهاكات، بل أيضاً بسبب تآكل البيئة المهنية التي كانت تتيح تعددية إعلامية ومساحات أوسع للتعبير.

تجويع واعتقالات

وإلى جانب الانتهاكات الأمنية، يواجه الصحافيون اليمنيون أزمة معيشية خانقة باتت تشكل تهديداً مباشراً لاستمرار المهنة.

وتشير دراسات واستبيانات حديثة أجرتها نقابة الصحافيين إلى أن غالبية العاملين في القطاع يعانون من تدني الأجور أو انقطاع الرواتب بصورة كاملة، فضلاً عن غياب الضمانات الوظيفية والاجتماعية والعمل في ظروف تفتقر إلى أبسط الحقوق القانونية والمهنية.

وتصف النقابة هذا الواقع بأنه «تجويع ممنهج» يدفع الكفاءات الصحافية إلى البحث عن مصادر دخل بديلة أو مغادرة المجال الإعلامي بشكل نهائي، وهو ما ينعكس على جودة المحتوى الإعلامي وعلى قدرة المؤسسات الصحافية على الاستمرار.

وتؤكد أن حرية الصحافة لا يمكن فصلها عن الظروف الاقتصادية للعاملين فيها، إذ يصبح الدفاع عن الاستقلال المهني أكثر صعوبة في ظل أوضاع معيشية متدهورة وانعدام الحماية الوظيفية.

آخر مؤتمر عام لنقابة الصحافيين اليمنيين عُقد في 2009 (إعلام محلي)

وترى أوساط إعلامية أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى خسارة مزيد من الكفاءات الصحافية التي راكمت خبرات طويلة خلال العقود الماضية، مما يهدد مستقبل العمل الإعلامي في البلاد.

وحسب نقابة الصحافيين اليمنيين، لا يزال تسعة صحافيين رهن الاحتجاز، بينهم ثمانية لدى جماعة الحوثي، إضافةً إلى الصحافي ناصح شاكر، المعتقل لدى المجلس الانتقالي الجنوبي منذ نهاية عام 2023.

وجددت النقابة مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحافيين المعتقلين والمخفيين قسراً، داعيةً السلطات المختلفة إلى وقف الانتهاكات واحترام حرية الرأي والتعبير.

كما طالبت الحكومة اليمنية بالاضطلاع بمسؤولياتها تجاه العاملين في القطاع الإعلامي، من خلال معالجة أوضاعهم المعيشية وصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة وتوفير بيئة عمل أكثر أمناً واستقراراً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended