عباس يفتح النار على حماس: لا شراكة بالوضع الحالي.. ولا أعول عليها في إقامة الدولة

قال إن 27 وكيل وزارة يديرون غزة.. وإن الضفة دفعت ثمنا لخطف المستوطنين الثلاثة

محمود عباس (أ.ف.ب)
محمود عباس (أ.ف.ب)
TT

عباس يفتح النار على حماس: لا شراكة بالوضع الحالي.. ولا أعول عليها في إقامة الدولة

محمود عباس (أ.ف.ب)
محمود عباس (أ.ف.ب)

شن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) هجوما على حركة حماس وكرر اتهاماته لها بتشكيل حكومة ظل في قطاع غزة وتهميش حكومة التوافق الوطني، وقال إنه لن يقبل استمرار الشراكة مع الحركة إذا استمر الوضع في القطاع على هذا الشكل. وأشار إلى أن الحركة نفت بداية مسؤوليتها عن خطف المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة وأن الضفة الغربية دفعت ثمنا لذلك. وقال إنه لا يعول كثيرا على حماس بشأن الخطوات التي يعتزم التوجه إليها لإقامة الدولة الفلسطينية.
وقال أبو مازن خلال لقاء مع مثقفين وإعلاميين مصريين بعد وصوله إلى القاهرة مساء أول من أمس للمشاركة في اجتماعات وزراء الخارجية العرب إنه لن يقبل «استمرار الوضع مع حركة حماس كما هو الآن وبهذا الشكل».
وأضاف: «هم لديهم السلاح والإمكانات والأمن»، مؤكدا أن هناك حكومة ظل مكونة من 27 وكيل وزارة هي التي تقود القطاع، وأن حكومة الوفاق الوطني لا تستطيع أن تفعل شيئا على أرض الواقع.
وأوضح الرئيس الفلسطيني أن «إخواننا في اللجنة المركزية لحركة فتح أخذوا قرارا بأنه لا بد من أن تكون هناك سلطة واحدة ونظام واحد، وإما أن تقبل أو لا تقبل (حماس)، حيث إن الوحدة لها شروط.. ولكن هذا الوضع لا يمثل إطلاقا أي نوع من الوحدة، وإذا (كانت) حماس لا تريد وحدة وسلطة واحدة وقانونا واحدا وسلاحا واحدا، فنحن لن نقبل بغير ذلك». مضيفا: «أنا شخصيا لم أعد أتحمل ما يصدر عن حماس، وما يصدر من الإسرائيليين أو الأميركيين، وهذا سيترجم ما سنفعله خلال الشهر الحالي، إما يوجد حل أو لا يوجد حل».
وقال أبو مازن إن «كل الفصائل لا توافق على ما فعلته حماس في غزة، لأن ما حصل في غزة كارثة إنسانية». وأشار إلى أن القيادة الفلسطينية تبذل كل الجهود من أجل التخفيف من معاناة أبناء الشعب الفلسطيني في القطاع، والعمل على توفير كل أشكال المساعدات بشكل عاجل.
وتطرق الرئيس الفلسطيني إلى خطف المستوطنين الثلاثة في 12 يونيو (حزيران) الماضي في الضفة الذي أدى لاحقا إلى اشتعال الأوضاع في الضفة الغربية ثم اندلاع الحرب على غزة. واتهم ضمنا رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل بإخفاء الحقيقة عنه بعد نفي الأخير علمه بالموضوع.
وقال عباس إن «هذه الحادثة الأولى من نوعها، فعادة هناك يهود يخطئون ويدخلون مناطقنا ونرجعهم لأهلهم. لا يوجد عندنا أسلوب الخطف والتبادل أبدا. وبعدها اتهم (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو على الفور حركة حماس بخطفهم، فقلت له: هل يوجد دليل على اتهامك؟».
وتابع: «عندما ذهبت إلى الدوحة لاحقا، سألت الأخ خالد مشعل: هل أنتم الذين خطفتهم المستوطنين؟ فقال لا. وعلى ضوء ذلك دفعنا ثمنا غاليا؛ إذ استشهد 16 شابا من الضفة الغربية، ومنهم محمد أبو خضير الذي حرق ثم قتل من قبل المستوطنين، وقاموا (الإسرائيليون) بتدمير منازل في الخليل والضفة الغربية».
وأشار أبو مازن إلى أن المعركة انتقلت بعد ذلك إلى غزة «فطلبت من مصر أن تصدر مبادرة أو تنجح في عمل هذه المبادرة، ولكن هناك عقدة مع حماس». وأضاف أنه تحدث مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.. «وقلت له أنت الوحيد المؤهل تاريخيا وجغرافيا وقوميا وأمنيا أن تصدر مبادرة لحقن الدماء في قطاع غزة، وبالفعل استجاب الرئيس وأصدر المبادرة التي تتضمن وقف إطلاق النار وتطبيق اتفاق 2012».
وأوضح عباس أن «المبادرة المصرية كانت مرفوضة من حركة حماس بسبب العلاقة المتوترة، وقولهم بأن مصر غير عادلة وغير منصفة، لكننا أقنعنا جميع الأطراف بقبولها؛ إذ لا يوجد غيرها على الطاولة، فقالوا (حماس) نحن نريد بناء المطار والميناء. لكن كيف نبحث في إنشاء مطار وميناء والحرب مستمرة؟ وبعد أن أقنعتهم بالموافقة، شكلنا وفدا موحدا، فقالوا نريد 5 أعضاء من أصل 12 عضوا، ووافقنا على أن يمثل حركة فتح الأخ عزام الأحمد فقط. ولم يحصل الوفد على جواب لوقف إطلاق النار، وكان كل يوم يمر والدم يسيل، وفي اليوم الـ50 للعدوان الإسرائيلي على غزة قالوا نحن موافقين على وقف إطلاق النار فقط ومن ثم مناقشة الطلبات، حيث استمرت الحرب 51 يوما، وهي أطول حرب، ولا صارت في أكتوبر ولا قبل أكتوبر».
وأشار عباس إلى تصريحات القيادي في حركة حماس صالح العاروري، المقيم في تركيا، التي كشف خلالها أن حماس هي التي خططت لموضوع خطف المستوطنين. وقال إن «الموضوع الأخطر هو تصريح عضو المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري، الذي كان سجينا في إسرائيل وخرج بصفقة، ثم ذهب إلى سوريا بصفقة أيضا.. قال فيه: نحن الذي اختطفنا المستوطنين، ونحن الذين قتلنا، لأننا نريد أن نحرك الانتفاضة في الضفة الغربية والقدس وأراضي 1948».
وتابع الرئيس الفلسطيني: «عندما رأيت الأخ مشعل في الدوحة في زيارتنا الأخيرة، قال لي إن عملية الخطف التي تمت في الخليل ليست بقرار سياسي، وقال لي في الوقت نفسه إنه قائد للمقاومة».
وبشأن اجتماعات وزراء الخارجية العرب في القاهرة، قال عباس إن لقاءه بهؤلاء الوزراء هو لوضعهم في صورة الأوضاع المهمة، وأخذ رأيهم بشأن استئناف مفاوضات السلام.
وبالنسبة للخطوات اللاحقة، قال عباس: «أبلغنا الأميركيين أنه إذا كان يوجد حل فسيكون على النحو التالي: نذهب إلى مجلس الأمن ونحصل على القرار الذي أخذناه في الجمعية العامة، وهو أن أراضي 1967 في الضفة الغربية وغزة والقدس هي أراض محتلة وليس متنازع عليها كما تؤمن إسرائيل، فإذا اتفقنا على هذا يبقى كيفية رسم الحدود، ومن ثم استكمال باقي القضايا. وكان ردهم أنهم وصفوا هذا بالصعب، و: أعطونا مهلة للتفكير، ولم يقدموا جوابا حتى الآن، والأخ صائب عريقات (كبير المفاوضين الفلسطينيين) قدم من واشنطن (أول من) أمس بعد لقاءات مع البيت الأبيض وجون كيري».
واختتم الرئيس الفلسطيني بالقول إنه لدى السلطة مجموعة من الخطوات بالنسبة لمفاوضات السلام وإنه ينتظر الرد على خطته الشهر الحالي.. «لأننا لم نعد نصبر على الاحتلال أكثر من ذلك». وأضاف: «إننا سلطة ولا نملك سلطة، والمثال على ذلك أنني عندما أريد السفر من رام الله إلى عمان، فلا بد أن آخذ إذن قبل 48 ساعة. كل ما يهمني أن تكون هناك موافقة على الخطوات المقبلة التي سنتخذها بدعم من الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولكن حركة حماس لا أعول عليها كثيرا لأنها تغير كلامها بين الحين والآخر».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.