تململ في أوساط المصارف بعد اقتراح رفع الضريبة على الودائع

توقعات بتجاوز الضريبة على أرباحها نسبة 60 %

مصرف لبنان (أ.ب)
مصرف لبنان (أ.ب)
TT

تململ في أوساط المصارف بعد اقتراح رفع الضريبة على الودائع

مصرف لبنان (أ.ب)
مصرف لبنان (أ.ب)

في حين تسقط لجنة المال النيابية تباعاً كثيراً من المواد الضريبية التي أوردتها الحكومة في مشروع قانون الموازنة العامة، يتصاعد التململ في الأوساط المصرفية اللبنانية، بعد استسهال اقتراح زيادة نسبة الضريبة على الودائع والتوظيفات في سندات الخزينة ولدى مصرف لبنان من 7 إلى 10 في المائة، واقتراح اكتتاب المصارف والبنك المركزي بسندات خزينة توازي 7.4 مليار دولار، بعائد 1 في المائة لمدة 10 سنوات.
ويستغرب مسؤول مصرفي كبير كيفية احتساب وفر من اكتتاب لم يتم التداول به أصلاً ولا تفصيلاً مع المدعوين لحيازة هذه السندات التي تتطلب التضحية بنحو 600 مليون دولار من العوائد المتاحة، وفقاً لمتوسطات الفوائد السائدة. ووفق محضر رسمي، نفى حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، خلال الاجتماع الشهري مع جمعية المصارف «ما يتم تداوله من إصدار سندات خزينة بقيمة 11 ألف مليار ليرة لبنانية ليكتتب بها بفائدة مخفوضة»، معتبراً أن هذا الموضوع «غير مطروح»، وأنه «لا سيولة لدى المصارف تكتتب بها، ولا قدرة لها على أن تتحمل الاكتتاب بفوائد من خارج آليات السوق».
وفي انتظار جلاء الغموض الذي يحوط قضية السندات الخاصة، يسود اعتقاد بأن البنك المركزي سيتولى العملية بكاملها، على أن يسوقها لاحقاً لدى الجهاز المصرفي، مدعمة بحوافز يسددها من ميزانيته أيضاً. ذلك أن زيادة ضريبة الودائع والتوظيفات، وهي الزيادة الثانية في غضون عامين التي يتم تحميلها للمودعين وللمصارف معاً، أفضت إلى مضاعفة الضريبة مرتين، مما سيؤدي إلى ارتفاع حصيلة الاقتطاع الضريبي المزدوج إلى نحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات التي تحققها التوظيفات المصرفية، علماً بأنها وصلت إلى نحو 43 في المائة في عام 2018.
ووفق تحليل أجراه الأمين العام للجمعية، الدكتور مكرم صادر، فإنه «في حال إقرار رفع معدل ضريبة على فوائد الودائع المصرفية إلى 10 في المائة في قانون موازنة عام 2019، بدلاً من 7 في المائة المعمول بها، فإن العبء الضريبي على أرباح المصارف سيتخطى عتبة الـ60 في المائة في المتوسط، بدلاً من ضريبة الدخل البالغة 17 في المائة المطبقة على أرباح الشركات». وهذا ما يدحض «مجموعة من الفرضيات الخاطئة والمضلّلة والظالمة، وجوهرها يعود إلى اقتناع بأن المصارف لا تدفع ضرائب كافية. والحقيقة أن مجموع ضرائب الدخل التي سدّدتها المصارف عام 2018 وحدَه تخطى 1.63 مليار دولار، مما يعني تحميل المصارف معدل ضريبة فعلية قارب 42 في المائة من أرباحها، بدلاً من الـ17 في المائة التي فُرضت كمعدل ضريبة على أرباح الشركات».
ويقول المصرفي رامي النمر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن ننتظر حالياً ما ستؤول إليه مداولات اللجان النيابية والهيئة العامة للمجلس بخصوص بنود مشروع قانون الموازنة الذي أحالته الحكومة. كما ننتظر ترجمة المبادرة الحكومية بالشروع في إعداد موازنة العام المقبل. ما يقلقنا هو الاستسهال في الاعتماد على الضرائب، بخلاف الوعود السابقة، كخيار أساسي لزيادة موارد الخزينة، ومن دون التحوط إلى مخاطر دفع الاقتصاد إلى مزيد من الانكماش، علماً بأنه يمكن تأمين إيرادات مضاعفة ووافية لسد كامل العجز من خلال وقف الهدر، ومكافحة التهرب الضريبي، ومعالجة ملف الكهرباء، وهيكلة القطاع العام».
ويضيف: «نعتقد أن الحكومة تحيد عن الصواب المالي من خلال اللجوء إلى زيادة الضرائب على استثمارات المصارف، بما يشمل محافظها من سندات الخزينة والتوظيفات لدى مصرف لبنان المركزي. ففي موازنة العام الماضي، تم ضم المصارف إلى المكلفين بعد رفع الضريبة المستوفاة من 5 إلى 7 في المائة على التوظيفات، ومن 15 إلى 17 في المائة على الأرباح، مما أنتج ازدواجاً ضريبياً صريحاً، إذ توظف المصارف أموال المودعين الخاضعة أساساً للضريبة في سندات الخزينة وشهادات الإيداع، ثم تعاود الدفع ثانية على الأرباح، وأيضاً على توزيعات الأرباح».
ويوضح النمر الذي يرأس «فرست ناشيونال بنك» (من مجموعة المصارف الكبرى) أن «الزيادة الجديدة للضريبة إلى 10 في المائة ستضغط حكماً على الربحية الصافية للمصارف وجدواها، إذ نقدر أن تنحدر من متوسط 9 في المائة إلى أقل من 7 في المائة على الأموال الخاصة لكل مصرف، وهذا من أدنى العوائد في المنطقة وفي الأسواق الناشئة. كما يمكن أن تؤثر سلباً في توجهات المودعين، وبالأخص منهم غير المقيمين، حيث نتوقع أن يزيد حجم الاقتطاع الضريبي من عوائد إيداعات العملاء من 500 إلى 750 مليون دولار سنوياً، لا سيما أن الضريبة تطال كل شرائح ودائع العملاء المنتجة للفوائد بالليرة وبالدولار».
وفي المقابل، يقول النمر: «ينبغي تذكير من يعنيهم الأمر بأننا نضطر، كمصارف، إلى رفع العوائد لصالح الزبائن إلى متوسط يتجاوز 10 في المائة بسبب زيادة المخاطر المالية للدولة، وانخفاض التصنيف السيادي الذي ينذر بضرورة حجز مخصصات أعلى مقابل التوظيفات المصرفية لدى الدولة، في حال صدور إشارات سلبية جديدة من مؤسسات التقييم الدولية، مع التنويه بأننا نبذل جهوداً استثنائية ومكلفة حالياً لجذب ودائع وتوظيفات خارجية تساهم في الحد من تفاقم عجز ميزان المدفوعات، وفي زيادة احتياطات البنك المركزي التي تشكل الضمانة للاستقرار النقدي، والأداة الفعالة لصد أي محاولات للمضاربة في سوق القطع».
ويؤكد أن «ما حملته الصيغة شبه النهائية لمشروع قانون الموازنة لا يتضمن أي ميزة يمكن البناء عليها، باستثناء الخفض الرقمي والنظري للعجز من مستوى 11.5 في المائة إلى معدل 7.6 في المائة من الناتج. وذلك عبر تحميل العبء الأكبر لانفلات الإنفاق العام والتهرب الضريبي على أكتاف مصرف لبنان الذي تكفل بتأمين التوازن المالي للدولة في أصعب الظروف، وعلى موارد القطاع المصرفي الذي تقل حصته في الناتج عن 9 في المائة، مما يكشف عدم العدالة في توزيع المردود الضريبي، حيث تدفع سائر الشركات 17 في المائة فقط على الأرباح (الدفترية). وأيضاً تضخيم الأعباء على مودعي المصارف، وجلهم من موظفي القطاعين العام والخاص والمهن الحرة الذين يؤدون ضريبة الدخل ومصرف لبنان، علماً بأن القطاع المالي متعب أصلاً، ويسجل تراجعاً في مجمل مؤشراته الحيوية، ويتلقى سيلاً دافقاً من الاتهامات التي تضخم ربحيته لتيسير قضم المزيد منها».
ويلفت: «إذا كان ضرورياً توجيه رسائل طمأنة إلى الخارج والداخل، والأسواق المالية والمستثمرين، فالمضمون غير كاف لتوقع التجاوب المنشود. فالمجتمع الدولي الذي التزم بتوفير مساعدات وقروض تصل إلى 11.5 مليار دولار في مؤتمر «سيدر» لديه مذكرة التزامات إصلاحية أشمل وأكثر جدية تكفلت بها الحكومة اللبنانية. كما يراقب مسار معالجة ملف الكهرباء الذي يستهلك بمفرده نحو 1.5 مليار دولار سنوياً. وفي الداخل، يستمر حال من عدم اليقين الذي نتابعه في مستويات التداول في البورصة، وفي أسعار الأوراق المالية، من أسهم وإصدارات عائدة للشركات المالية وغير المالية، وهي أسعار متدنية للغاية تعكس تواصل القلق وعدم ترقب جدوى أو ربحية توازي حجم المخاطرة في حيازة الأوراق اللبنانية».
وتبرز المرارة المصرفية أكثر في القراءة التحليلية التي أجراها الأمين العام، حيث يقول صادر: «ربما يجهل الفرقاء السياسيون الأساسيون، رغم كثرة المستشارين داخل صفوفها ومن خارجها، أن المصارف ساهمت وحدها خلال عام 2018 بما يزيد على 58 في المائة من حصيلة ضريبة الدخل على أرباح الشركات المساهمة والمحدودة المسؤولية والفردية، التي يزيد عددها على 150 ألفاً (مقابل 65 مصرفاً عاملاً في لبنان)»، ويحذر من أن «قمّة الخطر على الاستقرار المالي في البلد أن تتحوّل المصارف إلى المموِّل الرئيسي لاستمرارية منظومة الفساد والهدر داخل الطبقة الحاكمة. عندها، تسقط في خضمّ الصراع الذي يشتدّ في المنطقة، المحرّمات التي حالت دون استهداف هذا الاستقرار النقدي والمالي حتى الآن. فحذارِ من فتح باب جهنم. وللعلم، ثمّة مصارف أجنبية كثيرة تحوم حول كبار المودعين في البلد كالغربان لإقناعهم بتحويل أموالهم إلى الخارج تفادياً لظلم الدولة اللبنانية».
ويذكر صادر بأن «الطبقة السياسية في لبنان تجهل أو تتجاهل مقدار الدعم المالي غير المباشر الذي يقدّمه الجهاز المصرفي بمكوّنَيْه التجاري والمركزي للدولة اللبنانية، من خلال إقراض الخزينة بفوائد معتدلة، مقارنة مع مخاطر لبنان السيادية. فالقطاع المصرفي يوفّر للدولة قروضاً بالليرة والدولار تفوق 72 مليار دولار، بفائدة مدينة متوسطة قدرها 6.4 في المائة، بدلاً من 13 في المائة في المتوسط تدفعها أي دولة مصنّفة بـدرجة «- B» من قبل مؤسّسات التقويم الدولية، مما يوفّــر فعلاً على الخزينة 5.4 مليار دولار سنوياً. وتصل مساهمة القطاع بطريقة مباشرة وغير مباشرة إلى زهاء 7.1 مليار دولار لخزينة الدولة، أي أن القطاع المصرفي المركزي والتجاري يموِّل أكثر من ثلث النفقات العامة، ويمثّل نحو ثلثي إيرادات الدولة».



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.