الصحافي سوتلوف تابع قصص العالم العربي من مصر واليمن وليبيا.. إلى سوريا حيث أصبح محور الأخبار

روى لـ «الشرق الأوسط»: حبه للعالم العربي وزيارته منزل أبو مصعب الزرقاوي

مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي
مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي
TT

الصحافي سوتلوف تابع قصص العالم العربي من مصر واليمن وليبيا.. إلى سوريا حيث أصبح محور الأخبار

مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي
مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي

كان شهر رمضان، والشمس حارقة، والثوار غير قادرين على اجتياز حواجز قوات القذافي في منطقة الوادي الأحمر، إلى الشرق قليلا من مدينة سرت التي كان يتحصن فيها العقيد الراحل. الوقت أغسطس (آب) من عام 2011. يقف ستيفن سوتلوف، الصحافي الأميركي الذي ذبحه عناصر ممن يسمون بـ«داعش» الأسبوع الماضي، بينما لم يكن في ذلك الوقت، يدرك، وهو يضحك ويكتب عن «الربيع العربي» في مصر، وليبيا، واليمن، أن مصيره سينتهي على شاشات التلفزيون عبر العالم في بدلة برتقالية والسكين على عنقه.
ظل سوتلوف، خريج جامعة «سنترال فلوريدا» الأميركية، مصرا على العمل بصفته مراسلا في منطقة الشرق الأوسط، متعاونا مع مجلة «تايم»، و«فوريين بوليسي»، ومطبوعات صحافية أميركية أخرى، وبين كل رحلة ورحلة، يأتي صوت والدته عبر الهاتف ومن وراء المحيط الأطلنطي، وهي تتوسل أن نقنع ابنها الحبيب للكف عن التردد على هذه البلاد الخطرة، بينما هو يستمع للمكالمة ويضحك قائلا إن والدته تبالغ، ويمسك الهاتف ويقول لها: «أنا الآن أسهر في ميدان التحرير بالقاهرة مع أصدقائي، أكلنا الكشري وندخن الشيشة».
وفي حديث سابق أجريته معه عن زيارته لمنزل عائلة أبو مصعب الزرقاوي الذي كان زعيما لتنظيم القاعدة بالعراق، قال سوتلوف: «نعم.. كان هذا من أهم الموضوعات.. وزرت من أجل هذا مدينة الزرقا التي ينتمي إليها الزرقاوي. أتذكر حين زرت عائلة الزرقاوي أن قام أحد الأطفال من أقاربه، وكان عمره نحو 6 سنوات، بقذفي بالحجارة حين علم أنني أميركي، بدأ بقذفي بالحجارة فجريت وقفزت داخل السيارة، وعرفت أن عائلة الزرقاوي كانت تكره الأميركيين ومن بينهم هذا الطفل أيضا. كان الزرقاوي عمه».
كان سوتلوف يدرس اللغة العربية في أحد المعاهد اليمنية قرب صنعاء، مستغلا هدوء المعارك بين الحوثيين والحكومة اليمنية عقب مفاوضات الصلح بعد «الحرب السادسة».. لكن حين تفجرت الأحداث في تونس في أواخر عام 2010، اضطر للانتقال على عجل من هناك لتغطية الثورة على الرئيس زين العابدين بن علي. ترك حقيبة ملابسه وكتبه، وهو أمر يتكرر معه دائما.. تركها وترك دراسة اللغة العربية وانتقل لتونس، على أمل أن يرجع منها سريعا لاستكمال حياته المؤقتة في اليمن، لكن الثورة انتقلت سريعا إلى مصر، فليبيا.
في حافلة أجرة صغيرة تنقل الصحافيين من السلوم إلى بنغازي كان الخوف هو العامل المشترك بين الجميع. من يضمن أن السائق لا يتبع قوات القذافي، أو أنه لن يسلمنا في أقرب نقطة تابعة للكتائب الموالية للنظام الذي كان يقاوم ضربات حلف الناتو من السماء وضربات المتمردين المسلحين على الأرض. وبدأ سوتلوف يجرب نتفا من اللغة العربية بلكنة يمنية، فطلب منه أحد الركاب، وكان صحافيا مصريا، الصمت، حتى لا يتسبب في إثارة الريبة في هذه البلاد المضطربة.
في بنغازي كان الهاجس أمام كثير من مراسلي الصحف الورقية العربية، يدور حول كيفية التوفيق بين أمرين، الأول: التدفق الإخباري اليومي الذي يملأ الإنترنت والفضائيات التلفزيونية عن الأحداث لحظة بلحظة، والثاني: محاولة الحصول على قصص مختلفة لم يسبق نشرها، وبينما كانت الطابعة الموجودة في مبنى محكمة بنغازي (مقر غرفة عمليات الثوار حينها) تخص العاملين في الغرفة شبه العسكرية، كانت أيضا تستغل لطباعة تقارير مراسل مجلة «تايم» عن الأحداث في ليبيا.
«إنه يكتب بطريقة يمكن التعلم منها»، هكذا يصيح المراسل المصري محاولا إقناع سالم المنفي، أحد مسؤولي غرفة العمليات في ذلك الوقت، من أجل طباعة المزيد من تقارير سوتلوف عن ليبيا، مثل قصته التي بناها على ظروف صاحب متجر في المدينة يكره القذافي، لكنه يتشكك في وجود مستقبل آمن لأولاده في حال سقوط نظام العقيد.
وكان سوتلوف يقوم بعملين متلازمين، الأول: متابعة ما يبث ويذاع، دون التورط في اجترار هذه الموضوعات التي أصبحت معلومة للعالم، والثاني: البحث عن زوايا جديدة لقصص إخبارية وإنسانية، ويحولها من حكايات على الهامش إلى قصص رئيسة، مثل التقاطه للتفاصيل الخاصة بتفجير مخازن الذخيرة في مطار بنغازي في ذلك الوقت. وهكذا أصبحت طريقة عمل سوتلوف مصدر إلهام لكثير من المراسلين الذين لم يكونوا قد تدربوا بعد على وسائل التغلب على التدفق الإخباري في عصر الإنترنت والفضائيات.
صحافيون يأتون ويمضون، بينما الاقتتال بين الليبيين لا يتوقف.. مراسلون يطلون برؤوسهم على خطوط الجبهات، ثم يرجعون سريعا خوفا من الرصاص المتطاير وقذائف الصواريخ، لكن سوتلوف، قصير القامة بجسده العريض المستدير، ولحيته الصفراء، ووجهه الطفولي، تجده يبتسم في صندوق واحدة من سيارات الدفع الرباعي وهي تنطلق ضمن رتل من أرتال المقاتلين إلى ما بعد مدينة إجدابيا؛ حيث الموت المحقق على أيدي قوات القذافي. كل رجل يمسك ببندقيته، وسوتلوف يمسك بـ«اللابتوب»؛ سلاحه الخاص به.
وتوغلت قوات «الثوار» إلى الأمام تحت الشمس الحارقة، بمعاونة كبيرة من قصف طائرات الناتو لكتائب القذافي. وبدأ شهر رمضان، وكان التراب الأحمر والنباتات الجافة والبارود، لها روائح نفاذة، وكان اليوم يبدو طويلا جدا دون طعام ولا ماء ولا تبغ. وكان سوتلوف لا يدخن، لكنه بين وقت وآخر يمكن أن يدخن سيجارة أو سيجارتين. ورغم ذلك صام مع المقاتلين 3 أيام، لكنه في اليوم الرابع، وكان يوما شديد الحرارة، غير رأيه.
ففي نحو الساعة الثانية ظهرا، أخذ سوتلوف قدرا صغيرا وحفنة من الأرز وقطعا من الطماطم والبصل، وقنينة زيت وزجاجتي مياه، وأخذ يمشي في الصحراء، إلى أن اختفى، وبعد ذلك بدأ الدخان ينبعث من أحد الأودية، وصاح أحد المقاتلين مازحا: «الأميركي يفطر.. كيف لم تتمكنوا من إدخاله الإسلام، إنه يحفظ سورة الفاتحة، وصام أول أيام رمضان، ويعرف قليلا من اللغة العربية، كان يمكن أن يهتدي».
وقال سوتلوف إنه كان يريد أن يكتب تقريرا صحافيا، وأنه لم يكن يمكنه كتابة ما يريد وهو يشعر بالجوع والعطش، وطلب من المقاتلين أن يغفروا له إفطاره في النهار، لكن عددا منهم رد عليه بمزيد من المزاح ما زالة الحرج، وقال أحدهم: حتى نحن لدينا من لا يستطيع القتال إلا إذا أفطر ودخن السجائر.
وضحكوا، وضحك معهم، ثم كتب تقريرا مطولا كشف فيه للعالم عن سر فشل المقاتلين في اجتياز منطقة الوادي الأحمر والبريقة طوال كل تلك الأسابيع.. «إنهم غير مدربين، هذا معلم في مدرسة لا يعرف أبسط قواعد صيانة سلاح كية 47 لدرجة أن السلاح انفجر في وجهه وشوهه تماما، وهذه مجموعة من سائقي الشاحنات الذين جاءوا للجبهة ويجربون منذ أيام إطلاق النيران من مدفع عيار 14.5، وفي كل مرة يخطئون الهدف ويفرون عائدين إلى إجدابيا».
وبدأ سوتلوف العمل بمنطقة الشرق الأوسط قبل 6 سنوات، وطاف في كثير من البلدان؛ حيث عمل أيضا معدا لبعض القنوات التلفزيونية الغربية.. وله هيئة رجل روسي، كما كان يتعامل معه السوريون للمرة الأولى، بسبب وجهه الأحمر المستدير ولحيته التي تضفي عليه ملامح سيبيرية. أما في ليبيا في ذلك الوقت، فقد انتقل في قارب من بنغازي إلى مصراتة الملتهبة، قبيل دخول الثوار مقر القذافي في طرابلس.
واختفى سوتلوف مجددا.. ربما سافر إلى اليمن أو إلى سوريا أو إلى الأراضي المحتلة، هذا خط سيره المعتاد، يكون حيث يكون النزاع والاقتتال والضحايا، هنا تنفتح شهيته ويجري وراء الناس العاديين ليعرف كيف يعيشون في هذا الجحيم. كنت في طرابلس الغرب، وفجأة ظهر مرة أخرى عبر اتصال هاتفي من بنغازي، كان الاتصال من أجل العمل؛ أن نجري تنسيقا للتحقيق في ملابسات تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في سبتمبر (أيلول) 2012، لم يكن أحد يعرف من هم المهاجمون، وما إذا كان الهجوم الذي قاموا به، وتسبب في مقتل السفير الأميركي في ليبيا و3 من زملائه، كان مخططا له أم عفويا، وفي بنغازي أخذنا نبحث عن الحراس الذين كانوا داخل القنصلية لحظة الهجوم عليها.
كان الحراس السبعة الذين كانوا داخل القنصلية لحظة الهجوم عليها قد جرى إخفاؤهم، ولم تستمع أي جهة تحقيق، بما فيها الـ«إف بي آي»، إليهم أو حتى التقوا بأي من هؤلاء الحراس، كان محققو «إف بي آي» في المبنى الذي يقع قرب الطريق الدائري للمدينة، وطلبوا من ضابط ليبي، أعتقد أنه كان يلقب بالمقدم «العومي»، تفتيشنا وتجريدنا من أجهزة التسجيل والتصوير وتركها في السيارة؛ أي على بعد 500 متر من مقر المبنى، وحين دخلنا عليهم كان سوتلوف غاضبا، وبدأ في التحدث معهم، إلا أنهم رفضوا إعطاءنا أي إفادات، ثم أخذ صوته يرتفع، وهو يتحدث بصفته أميركيا عن حق دافعي الضرائب في معرفة الحقيقة وما يدور، لكن رئيس المحققين كان يرد بكلمة واحدة يكررها مرة بعد مرة: «آسف.. آسف».
وبعد 3 أيام من البحث في أزقة بنغازي وحواريها، اتصل سوتلوف: «أريدك فورا.. يوجد رجل جريح في منزل أسرته في ضاحية الهواري.. هو من حراس القنصلية، وأصيب وقت الهجوم عليها»، كان الأب يجلس عند رأس ابنه المصاب، حالة من الذعر تسيطر على الأسرة، وقال لنا الأب إنه توجد تعليمات بعدم التحدث للصحافيين أو المحققين إطلاقا، وبعد مساومات تمكنا من الحصول على أرقام هواتف اثنين من الحراس الذين تصدوا للهجوم على القنصلية مع ابنه.
وبعد مناورات أخرى وافق الحارسان اللذان اتصلنا بهما، على مقابلتنا في الليل على شاطئ قرية سياحية تقع إلى الغرب قليلا من بنغازي، ولم نتحدث، ونحن في السيارة، عن الرعب التي بدأنا نشعر به.. فربما نقع في فخ، ولا نعود من هذا المشوار، لأن حراس قنصلية أميركا، وهذه المفاجأة الغريبة، كانوا جميعا من كتيبة 17 فبراير (شباط) التي يقودها إسلاميون متشددون، وأعتقد أن سوتلوف بدأ يتحدث عن فريقه المفضل لكرة السلة في أميركا «ميامي هيت»، لطرد الخوف.
وجلسنا على الشاطئ ننتظر لمدة ساعة، وأخيرا ظهر 3 حراس، وليس اثنين فقط، وأمضينا أكثر من ساعتين نطرح الأسئلة الدقيقة عليهم ونتلقى الإجابات عن أوصاف المهاجمين والطريقة التي اقتحموا بها المبنى، وكيفية مقتل السفير، واختفى الحراس في الجانب الآخر في الظلام ناحية البحر، وتوجهت مع سوتلوف بحثا عن سيارة أجرة، وحين شعرنا أن هناك من يتعقب خطواتنا في شوارع بنغازي، حملنا حقائبنا وهربنا من المدينة. وانفردت «الشرق الأوسط» بنشر تلك الشهادات في حينه، ولا أعرف إن كان سوتلوف قد تمكن من نشر القصة في أي من الصحف الأميركية، لأن ما حصلنا عليه كان يبدو منه أنه يدين بشكل أو بآخر وزارة الخارجية الأميركية، التي كانت مسؤولة عن الاستجابة لطلبات تأمين مقار السفارات في الخارج.
ومرة أخرى يختفي سوتلوف دون أن تعرف إن كان في غرب منطقة الشرق الأوسط أم في شرقها، ويأتي صوت والدته من أميركا، عبر البحار والمحيطات، لتسأل: «أين طفلي.. انصحه بالعودة والعمل في أميركا. أنا أخاف عليه بشدة. قل له ذلك»، وبعد أسابيع يرن الهاتف: «أين أنت؟»، إنه هو، سوتلوف مجددا، وقد شد الرحال إلى القاهرة قادما من الأراضي المحتلة عبر الأردن، يفتح الإنترنت ويقول: «انظر.. هذه قصة صحافية نشرتها أخيرا عن تجريف إسرائيل لمزرعة زيتون عبد الله؟ ومن هو عبد الله؟ مواطن من رام الله يعيش على هذه المزرعة ولديه 3 أولاد وبنت وعمره 55 سنة ولديه جرار زراعي.. إلخ»، إنه يحفظ كل شيء عن ظهر قلب، «والآن هيا لنأكل كشري».
وبسبب «الكشري» دخل سوتلوف في كثير من المشكلات في القاهرة، ففي الأيام الأولى لثورة 25 يناير 2011؛ حيث كانت اللجان الشعبية تحرس شوارع العاصمة بالسكاكين والسيوف، اتصل وقال إنه يريد أن نخرج لأكلة كشري، واعتقدت أنني أقنعته بأن الوضع خطير في الشوارع، وأن عليه أن يبقى؛ حيث هو في الليل؛ حيث كان يقيم وقتها في فندق ماريوت على نيل ضاحية الزمالك؛ لكن حين نظرت من النافذة لأعرف مصدر الجلبة في الخارج، وجدته وسط أكثر من 30 شابا يشهرون حوله السكاكين التي تلمع تحت الضوء، وقال أحدهم: هل تعرف هذا الجاسوس الإسرائيلي؟ فنزلت مسرعا، وأجريت اتصالا بقوات الجيش، التي جاءت وتسلمته مني بعد أن فحصت جواز سفره الأميركي وعمله كصحافي، وأعادته إلى الفندق.
وفي أواخر عام 2012 اتصل سوتلوف من الولايات المتحدة، لقد نسي حقائب ملابسه مرة أخرى، لكن في القاهرة هذه المرة، في فندق يقع في منطقة معروف بوسط القاهرة، مع العلم أنه لم يستعد ملابسه التي كان قد تركها في اليمن في أواخر عام 2010 حتى مقتله الأسبوع الماضي، وفي آخر مرة جاء فيها إلى القاهرة، بداية صيف العام الماضي، رسم لي طريق دخول الصحافيين إلى سوريا، عبر الحدود التركية، في حراسة الجيش الحر المعارض للرئيس بشار الأسد.
قال: «الصحافي صاحب رسالة، لا يعمل من وراء مكتب، بل يعمل من على الأرض.. تعال معنا لتكتب قصصا عن المقاتلين الإخوان، والسلفيين، والعلويين، والأكراد، والخليط المتصارع في تلك البلاد..»، لكن ارتباطات العمل في القاهرة كانت تحول دون ذلك وقتها، إلى أن جاءت الأخبار، في أغسطس العام الماضي، عن اختفائه هناك، ليظهر اسمه أخيرا ثاني صحافي أميركي يجري إعدامه على يد مقاتلي تنظيم «داعش»، بعد ذبح زميله جيمس فولي، انتقاما من الضربات الجوية الأميركية على مواقع التنظيم في العراق.
وظهر في شريط نشره تنظيم «داعش» يوم الثلاثاء الماضي سوتلوف راكعا على ركبتيه ومرتديا قميصا برتقاليا وإلى جانبه مسلح ملثم يحمل سكينا، وفي الشريط يدين المسلح الملثم الهجمات الأميركية على «الدولة الإسلامية» ويقطع عنق سوتلوف، ثم يعرض رهينة آخر بريطانيا متوعدا بقتله.
وجرى دفن سوتلوف قرب كنيسة تقع في ضواحي مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأميركية، وقد بلغ من العمر 31 سنة.. كان مرحا محبا لتدبير المقالب والنكات، ومحبا للحياة والناس أيا كانت دياناتهم أو معتقداتهم أو آرائهم السياسية. وقالت والدته: «أفتخر بابني.. لقد بقي متمسكا بمبادئه إلى النهاية»، بينما استنكر الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قطع رأس سوتلوف، وقال: «إننا ساخطون للمعلومات الواردة من العراق بشأن جرائم رهيبة يرتكبها تنظيم (داعش) بحق مدنيين بمن في ذلك الذبح المروع لصحافي آخر».



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».