الهند في مرمى الحرب التجارية الأميركية

ترمب يقصيها من برنامج الأفضليات بعد 44 عاماً

لم ينجح لقاء ترمب ومودي صيف العام الماضي في تلافي الصدام التجاري بين بلديهما (رويترز)
لم ينجح لقاء ترمب ومودي صيف العام الماضي في تلافي الصدام التجاري بين بلديهما (رويترز)
TT

الهند في مرمى الحرب التجارية الأميركية

لم ينجح لقاء ترمب ومودي صيف العام الماضي في تلافي الصدام التجاري بين بلديهما (رويترز)
لم ينجح لقاء ترمب ومودي صيف العام الماضي في تلافي الصدام التجاري بين بلديهما (رويترز)

تعد الهند هي الهدف التالي على قائمة الحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شركائه التجاريين حول العالم. وبعد إطلاق جولة جديدة من العلاقات التجارية مع الهند، أعلن الرئيس ترمب عن إلغاء توصيف الهند كإحدى الدول النامية المستفيدة من البرنامج التجاري المعروف باسم «نظام الأفضليات المعمم»، بعد تقديره أن الهند لم تقدم للولايات المتحدة الضمانات الكافية المعنية بتوفير الدخول المنصف والمعقول إلى أسواقها.
ويسمح «نظام الأفضليات المعمم»، وهو أكبر وأقدم برامج التفضيل التجاري الأميركية، الدخول المعفى من الرسوم الجمركية لأكثر من 3 آلاف منتج من البلدان المعنية المستفيدة من البرنامج. وهذا التوصيف، الممنوح إلى الهند اعتباراً من نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1975. أتاح الدخول التفضيلي المعفى من الرسوم الجمركية إلى الأسواق الأميركية لمجموعة معينة من السلع. ويعد القرار الأميركي الأخير من أوضح الخطوات تعبيراً حتى الآن عن نوايا الرئيس الأميركي في مواجهة الفوارق الاقتصادية، ولا سيما العجز التجاري الثنائي مع الهند، وبصرف النظر تماماً عن تداعيات القرار الأميركي على العلاقات الثنائية واسعة النطاق بين واشنطن ونيودلهي.
ورغم تعميق الروابط بين الهند والولايات المتحدة على صعيد القضايا الجيوسياسية ذات الاهتمام المشترك، فإن البلدين قد فشلتا في إقامة علاقات تجارية وثيقة. وكانت الإدارة الأميركية الحالية قد اعتبرت الهند إحدى الدول الرئيسية التي يتعين تخفيض مستوى العجز التجاري الثنائي حيالها. ولقد فرضت واشنطن الرسوم الجمركية الإضافية على واردات الصلب والألومنيوم من الهند، ومارست الضغوط القوية في مسار المفاوضات الثنائية بشأن الوصول إلى الأسواق، وكذلك مجموعة من القضايا الأخرى المحددة، مثل الحدود القصوى للأسعار للدعامات الطبية في الهند، فضلاً عن متطلبات واردات منتجات الألبان إلى البلاد.
ولقد أثيرت حفيظة واشنطن على نحو خاص إثر تشديد اللوائح الهندية والتي قوضت من أعمال الشركات الأميركية الكبرى، وفضلت عليها الشركات المحلية خلال العام الماضي. وعلى وجه الخصوص، ألحقت قواعد التجارة الإلكترونية الأكثر تشدداً، والتي صدرت في وقت سابق من العام الجاري، الأضرار الكبيرة بشركات «أمازون» و«ولمارت» الأميركتين، واللذين ابتاعا العام الماضي موقع «فليبكارت» الهندي لتجارة التجزئة عبر الإنترنت لقاء 16 مليار دولار.
ولم يأت قرار الرئيس الأميركي بإنهاء العمل بـ«نظام الأفضليات المعمم» من قبيل المفاجأة. ورغم التعاون الوثيق بين أكبر دولتين ديمقراطيتين في العالم في مجال الدفاع وغيره من المجالات الأخرى ذات الأهمية، فإن العلاقات التجارية الثنائية بين البلدين شابها الكثير من التعثر والتوتر لفترة من الوقت. وكانت تلك العلاقات قد اكتسبت زخماً جديداً بوصول الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض، والذي وصف الهند فيما سبق بأنها «ملكة الرسوم الجمركية».
- لماذا أنهت واشنطن امتياز الهند؟
تتمثل إحدى أكبر أولويات الرئيس الأميركي في تقليص العجز التجاري للولايات المتحدة مع الدول في كافة أرجاء العالم، كما أن العلاقات التجارية الأميركية الهندية التي تبلغ قيمتها نحو 142 مليار دولار تميل بشدة إلى جانب الهند.
وصدرت الهند سلعاً بقيمة 54 مليار دولار تقريباً إلى الولايات المتحدة في عام 2018، وابتاعت في المقابل سلعاً أميركية بقيمة 33 مليار دولار، وذلك وفقاً لبيانات الحكومة الأميركية.
ومن المعروف أن السلع الأميركية الواردة إلى الهند تخضع للرسوم الجمركية التي قد تصل في بعض الأحيان إلى 150 في المائة. ولقد تعرض الرئيس الأميركي بالانتقاد مراراً وتكراراً إلى فرض الهند الرسوم الجمركية الباهظة على منتجات مثل الدراجات النارية. وجاء قراره بإنهاء الامتيازات التجارية التي تحظى بها الهند في أعقاب الشكاوى الصادرة من مزارعي الألبان الأميركيين وصناع الأجهزة الطبية بأن الرسوم الجمركية الهندية ألحقت الأضرار الكبيرة بصادراتهم. وكانت نيودلهي قد فرضت حظراً على صادرات منتجات الألبان القادمة من الولايات المتحدة بناء على أسباب دينية.
وهناك حالة احتكاك أخرى طويلة الأمد جارية بين البلدين بشأن العقاقير النوعية (المكافئة). ولا تلبي الهند سوى 40 في المائة من الطلب الأميركي في هذا المجال. ورفضت الولايات المتحدة قواعد إصدار الشهادات الهندية التي تقبلها مصدرون آخرون مثل الاتحاد الأوروبي. واعتمدت الهند تغيير قواعد التجارة الإلكترونية لديها بهدف تقييد أعمال الشركات الأميركية الكبرى في البلاد من شاكلة «أمازون» و«ولمارت»، والتي اكتسبت وجوداً قوياً في السوق الهندية عن طريق شراء موقع فليبكارت، للحيلولة دون احتفاظ الشركات الأميركية بموجودات المخازن والمستودعات ضمن العمليات الهندية.
ومن المفترض أن تهدف هذه التدابير إلى حماية صغار تجار التجزئة في البلاد، ولكنها في حقيقة الأمر موجهة لمساعدة كبار تجار التجزئة في الهند، الذين هم على صلات جيدة بالحكومة ويعملون خارج نطاق الإنترنت في أغلب الأحيان، ولا يستطيعون في الوقت نفسه التنافس بسهولة مع الشركات الأميركية العملاقة والثرية للغاية.
ومن مصادر الاحتكاك التجاري الأخرى بين البلدين كانت حملة الإدارة الأميركية على تأشيرات العمل الأميركية فئة (H - 1B) التي تستخدمها صناعة التكنولوجيا الأميركية، وأغلبها يذهب لصالح العمالة الهندية الوافدة على البلاد. وأثرت تلك الحملة كثيراً على مختلف الشركات الهندية مثل شركات «تي سي إس»، و«إنفوسيس»، و«ويبرو» العاملة في صناعة التعهيد الهائلة في الهند، والتي تعتبر من محركات التجارة الثنائية الكبيرة بين البلدين. ويبلغ حجم التجارة البيني في مجال الخدمات نحو 54.6 مليار دولار للعام الماضي وحده.
ويقول المعلق سانغايا بارو: «تملك الهند فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة، ولكن شكوى دونالد ترمب من ذلك هي أشبه بالرجل الثري الذي يشتكي من أنه كثيراً ما يقدم الهدايا لأصدقائه الأكثر فقراً، وهم لم يعطوه أي هدية في المقابل. وكانت الهند في واقع الأمر ترسل هدايا من نوع آخر. فلقد كانت تصدر أجيالاً تلو الأجيال من المهنيين المحترفين والموهوبين الذين أسهموا في ضمان صدارة الولايات المتحدة على مستوى العالم في مجالات المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة.
وجزء من بقاء الهند في طرف المستقبل دائماً لنوبات ترمب التجارية الساخنة هو أنه ربما وقع في الفخ الذي نصبناه لإظهار الهند في موضع (القوة الصاعدة) و(الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم). وفي معرض اندفاع السيد ترمب لوقف الصين عن مواصلة طريقها وجذب الحلفاء الأوروبيين والآسيويين للوقوف بجانبه، اعتبر ترمب - عن طريق الخطأ - الهند هدفاً محتملاً لإجراءاته التصحيحية... وبصرف النظر عن قطاع من جملة القطاعات، مثل الأدوية، فإن الصناعة الهندية في مجملها لا تشكل تحدياً تنافسياً كبيراً للشركات والأعمال في الولايات المتحدة».
- ضغوط أخرى
وقال ريتيش كومار سينغ، المدير المساعد الأسبق للجنة المالية الهندية: «تأتي الخطوة الأميركية في وقت تعرضت فيه التجارة الهندية مع الولايات المتحدة للأضرار جراء إجراءات أخرى، مثل الرسوم الجمركية العالمية التي فرضتها الإدارة الأميركية على الصلب والألومنيوم، وتشديد قواعد الهجرة للعمالة الماهرة إلى الولايات المتحدة والتي ألحقت الأضرار الفادحة بشركات هندسة البرمجيات الهندية. وفي الأثناء ذاتها، تعرضت الصادرات إلى أسواق أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي والصين، إلى ضغوط كبيرة من التباطؤ الاقتصادي العالمي. ولذلك، فإن كل قرش مهم من المنظور الهندي». وفي حين أن هذه الفوارق الحديثة بين الهند والولايات المتحدة قد ظهرت وذاعت أخبارها حول العالم، لا تزال هناك مشاكل قديمة بلا تسوية حتى اليوم. على سبيل المثال، لم تظهر نيودلهي ميلاً كبيراً إلى تشديد نظامها المتراخي في مجال حقوق الملكية الفكرية بما يتجاوز اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية، رغم الضغوط الأميركية الممارسة للسماح بما يسمى «الحفاظ على البيئة» - وتسجيل براءات الاختراع المعنية بالتغييرات الإضافية في العقاقير الحالية - وهي الخطوة التي يعارضها لوبي صناعة الأدوية في الهند. وتعمل الولايات المتحدة عن كثب مع منظمة التجارة العالمية لمنع الاقتصادات الناشئة مثل الهند من الاستفادة من «المعاملة الخاصة والتفاضلية» التي تتيح الامتيازات للبلدان النامية وفق التزامات المعاملة بالمثل من حيث فتح الأسواق على سبيل المثال.
- جدل حول الامتيازات
وتقول الولايات المتحدة إن العديد من المستفيدين من «نظام الأفضليات المعمم»، على غرار الهند، صاروا الآن جزءاً من مجموعة العشرين التي تضم الاقتصادات الرائدة وألا يجب اعتبارها من البلدان الفقيرة. وأنه لا يجب منح هذه البلدان ميزة «نظام الأفضليات المعمم». فإن كانت الهند سوف تفقد فعلا امتيازات «المعاملة الخاصة والتفاضلية»، فإن الحد الأقصى للمعدل الذي يمكن للهند دعم المنتجات الزراعية بموجب ما يسمى بقواعد دعم سعر السوق سوف ينخفض من 10 في المائة إلى 5 في المائة من قيمة الإنتاج.
ويعتقد العديد من المراقبين الهنود أن ترمب غاضب من محاولة حكومة ناريندرا مودي زيادة الرسوم الجمركية على الاستيراد بهدف تخفيض العجز التجاري المتضخم في البلاد ودعم مبادرة «اصنع في الهند» المتعثرة لزيادة التصنيع المحلي.
كما لا يروق للولايات المتحدة أيضاً معاهدة الاستثمار «النموذجية» الهندية التي تستثني الضرائب من اختصاصها، وتضمن أن المستثمرين المتعثرين أو المتضررين لا بد أن يستنفدوا كافة سبل الانتصاف القانوني المحلية قبل اللجوء إلى التحكيم الدولي. كما يثير غضب الشركات الأميركية تركيز الحكومة الهندية على معايير المصادر المحلية ذات الطبيعة الحمائية للصناعات الرئيسية مثل الطاقة الشمسية والإلكترونيات. ومن جانبها، لا تشعر نيودلهي بسعادة كبيرة إزاء تشديد الإدارة الأميركية لقواعد هجرة العمالة الهندية إليها مما يلحق المزيد من الأضرار بشركات تكنولوجيا المعلومات الهندية. وقدر اتحاد منظمات التصدير الهندية أن 6.35 مليار دولار من التجارة، من أصل قيمة التجارة الثنائية البالغة 51.4 مليار دولار، هي المستفيدة من الأفضليات التجارية الأميركية ليس أكثر. ويمكن للهند استيعاب هذه الصدمة تماماً. ولكن الهند لا تزال بحاجة إلى الولايات المتحدة، فهي تعد حالياً ثاني أكبر شريك تجاري لدى نيودلهي بعد الصين. ولقد أرجأت الحكومة الهندية فرض الرسوم الجمركية على السلع والبضائع الأميركية بقيمة تجاوزت 200 مليون دولار مرات عديدة خلال الشهور الأخيرة - انتقاماً من فرض الرسوم الجمركية الأميركية على منتجات الصلب والألومنيوم الهندي المفروضة اعتباراً من العام الماضي - وذلك في الوقت الذي تواصل فيه الهند السعي للوصول إلى حل وسط.
- تأني هندي في الرد
ووصفت الحكومة الهندية، الأسبوع الماضي، الخطوة الأميركية بإنهاء الإعفاءات التجارية حيالها بأنها «مدعاة للأسف»، ولكنها قالت إنه سوف تواصل محاولة إصلاح العلاقات الثنائية بين البلدين.
وقالت الحكومة الهندية في بيانها الرسمي: «في أي علاقة ثنائية، ولا سيما في مجال العلاقات الاقتصادية، هناك قضايا ذات طبيعة مستمرة والتي يجري تسويتها بصفة متبادلة بين الحين والآخر. وإننا ننظر إلى هذه القضية على اعتبارها جزءاً من هذه العملية المنتظمة، وسوف نواصل البناء على علاقاتنا الوثيقة الراسخة مع الولايات المتحدة الأميركية».



العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لنتائج «إنفيديا»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لنتائج «إنفيديا»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بشكل طفيف صباح الأربعاء، بعد جلسات متقلبة شهدتها الأسواق في مطلع الأسبوع، في وقت يترقب فيه المستثمرون نتائج أعمال شركة «إنفيديا» ويقيّمون في الوقت ذاته المخاطر المحيطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تصاعد الضبابية بشأن الرسوم الجمركية.

وسجلت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي ارتفاعاً بنحو 0.12 في المائة، في حين صعدت عقود «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.14 في المائة، و«ناسداك 100» بنحو 0.19 في المائة، في إشارة إلى محاولة السوق استعادة قدر من الاستقرار بعد موجة تذبذب حادة خلال فبراير (شباط).

وكان الشهر الحالي قد اتسم بتقلبات ملحوظة في «وول ستريت»، مع تنامي تساؤلات المستثمرين حول ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة التي ضختها شركات التكنولوجيا العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي بدأت تنعكس فعلياً على الأرباح والنمو، أم أن التقييمات السوقية سبقت الأساسيات المالية. وزادت حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية والرسوم الجمركية من حدة التذبذب؛ ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر عبر قطاعات عدة.

وشهدت قطاعات مثل العقارات التجارية والنقل بالشاحنات والخدمات اللوجيستية تراجعات حادة في الآونة الأخيرة، في ظل مخاوف من أن تؤدي التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى اضطرابات هيكلية واسعة في نماذج الأعمال التقليدية.

في هذا السياق، أشار محللو «غولدمان ساكس» إلى أن المستثمرين يركزون حالياً على الشركات القادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وتحقيق مكاسب طويلة الأجل، غير أن عدداً محدوداً فقط من الشركات تمكن حتى الآن من تقديم تقديرات واضحة حول الأثر المالي المباشر لهذه التقنيات على أرباحها. وأضافوا أن استقرار الأرباح يمثل عنصراً أساسياً لدعم استقرار أسعار الأسهم، إلا أن حالة عدم اليقين بشأن تداعيات الذكاء الاصطناعي من غير المرجح أن تتبدد في المدى القريب.

وعلى الصعيد السياسي، تفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأداء سوق الأسهم خلال خطابه عن حالة الاتحاد، مؤكداً أن معظم الدول والشركات تسعى للالتزام باتفاقيات الرسوم الجمركية والاستثمار المبرمة مع الولايات المتحدة. وكانت التعريفة الجمركية العالمية المؤقتة بنسبة 10 في المائة قد دخلت حيز التنفيذ الثلاثاء، عقب قرار المحكمة العليا الأسبوع الماضي، قبل أن يشير ترمب لاحقاً إلى احتمال رفعها إلى 15 في المائة، من دون توضيح موعد أو آلية التطبيق.

وشهدت جلسة الثلاثاء تحسناً ملحوظاً في المعنويات، لا سيما تجاه أسهم الذكاء الاصطناعي؛ ما دفع مؤشر «ناسداك»، الذي يهيمن عليه قطاع التكنولوجيا، إلى الإغلاق على ارتفاع تجاوز 1 في المائة.

وتتجه الأنظار اليوم إلى نتائج «إنفيديا» المرتقبة بعد إغلاق السوق؛ إذ يسعى المستثمرون إلى مؤشرات تؤكد استمرار نمو أرباح الشركة الرائدة في صناعة الرقائق، في ظل خطط إنفاق رأسمالي ضخمة متوقعة أن تبلغ نحو 630 مليار دولار بحلول عام 2026. وارتفع سهم الشركة بنحو 0.5 في المائة في تداولات ما قبل الافتتاح، في حين تباين أداء بقية أسهم التكنولوجيا الكبرى وأسهم النمو.

على صعيد الشركات، قفز سهم «أكسون إنتربرايز» بنسبة تقارب 16 في المائة بعد أن فاقت الشركة المصنّعة لأجهزة الصعق الكهربائي توقعات أرباح الربع الرابع، في حين هبط سهم «وورك داي» بنحو 9 في المائة بعدما توقعت الشركة أن تأتي إيرادات اشتراكات السنة المالية 2027 دون تقديرات السوق.

كما تراجع سهم «فيرست سولار» بأكثر من 15 في المائة بعد أن أشارت الشركة إلى توقعات مبيعات سنوية أقل من المنتظر، في حين انخفض «سهم إتش بي» بأكثر من 5 في المائة إثر تحذير من تراجع شحنات أجهزة الكمبيوتر الشخصية. ومن المنتظر أن تعلن كل من «تي جيه إكس» و«لويز» نتائج أعمالهما قبل افتتاح السوق.

وفي وقت لاحق من الأسبوع، تتركز الأنظار على نتائج شركات البرمجيات الكبرى، بما في ذلك «سيلزفورس» و«إنتويت» و«سنو فليك»، في ظل تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز» لقطاع البرمجيات والخدمات بنحو 23 في المائة منذ بداية العام، متأثراً بمخاوف متزايدة من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على نماذج الأعمال التقليدية.

كما يترقب المستثمرون كلمات عدد من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اليوم؛ بحثاً عن إشارات بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية، خاصة بعد أن أشار مسؤولان في البنك المركزي إلى عدم وجود توجه وشيك لتعديل أسعار الفائدة في الأمد القريب.


مؤشر السوق السعودية يسجل أدنى إغلاق منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

مؤشر السوق السعودية يسجل أدنى إغلاق منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

واصلت سوق الأسهم السعودية تراجعها في ختام تداولات يوم الأربعاء، مع ارتفاع وتيرة الحذر بين المستثمرين.

وتراجعت السوق بنسبة 0.5 في المائة لتغلق عند 10848 نقطة، مسجلة أدنى إغلاق منذ نحو شهر ونصف.

وبهذا الانخفاض، تصل خسائر المؤشر منذ بداية فبراير (شباط) 2026 إلى 534 نقطة، أي بنسبة 4.7 في المائة مقارنة بإغلاق يناير (كانون الثاني) الماضي.

على صعيد الأسهم، تراجع سهما «أرامكو» و«مصرف الراجحي» بأقل من واحد في المائة، ليغلقا عند 25.74 ريال و102.40 ريال على التوالي.

وهبط «سهم كيان السعودية» بنسبة 5 في المائة عند 4.88 ريال، مواصلاً تراجعه للجلسة الرابعة على التوالي، لتصل خسائره خلالها إلى نحو 13 في المائة، بعد أن أعلنت الشركة عن خسائر بقيمة 685.5 مليون ريال في الربع الرابع من 2025، مقارنة بخسائر مماثلة في الفترة نفسها من العام السابق.

في المقابل، صعد سهم «مرافق» بنسبة 8 في المائة إلى 31.24 ريال، وبتداولات بلغت نحو 4 ملايين سهم بقيمة 126 مليون ريال، بعد إعلان الشركة نتائجها المالية وتوزيعاتها النقدية.


حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)
TT

حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)

لطالما قدمت شركة «أنثروبيك» (Anthropic) نفسها بوصفها الحارس الأمين لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والملجأ الآمن للباحثين الفارين من «تهور» المنافسين. ولكن في فبراير (شباط) 2026، يبدو أن هذا البرج العاجي بدأ يتصدع تحت وطأة ضغوط لم تكن في الحسبان.

فبين مطرقة المنافسة الشرسة مع «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي»، وسندان المواعيد النهائية الصارمة التي فرضتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، وجدت الشركة نفسها مضطرة للتراجع عن أقدس مبادئها: «السلامة أولاً». هذا التحول الدراماتيكي لا يمثل مجرد تغيير في سياسة شركة، بل يعلن بداية عصر جديد توضع فيه «القدرة التنافسية» فوق كل اعتبار أخلاقي.

عقل «كلود»

يمثل نموذج «كلود»، الذي طورته «أنثروبيك»، قفزة نوعية فيما يُعرف بـ«نماذج الاستدلال المتقدم»، وهو ما يفسر استماتة المؤسسة العسكرية لامتلاكه دون قيود. تقنياً، يمتلك «كلود» قدرة فريدة على تحليل «البيانات غير المنظمة» عبر نافذة سياقية هائلة تسمح له بمعالجة ملايين السجلات الاستخباراتية وصور الأقمار الاصطناعية في ثوانٍ معدودة للخروج بـ«صورة استخباراتية موحدة».

وفي ميادين القتال، يقوم «كلود» بدور المحلل التكتيكي؛ إذ يمكنه التنبؤ بتحركات العدو، واقتراح أفضل الخطط اللوجيستية لنقل القوات، واكتشاف الثغرات السيبرانية في شبكات العدو لحظياً. هذه القدرة على الانتقال من تحليل البيانات الضخمة إلى اتخاذ قرارات ميدانية حاسمة هي التي جعلته المحرك الأساسي في منصات عسكرية مثل «بالانتير»، حيث تحول من مجرد «أداة مساعدة» إلى «قائد رقمي» يدير العمليات المعقدة تحت النار.

إلا أن ميزة «كلود» الكبرى هي ذاتها «المعضلة» للجنرالات، وهي «الذكاء الاصطناعي الدستوري»؛ حيث يمتلك النموذج دستوراً أخلاقياً داخلياً يدفعه لرفض الأوامر التي قد تؤدي لانتهاكات إنسانية، وهو ما يراه البنتاغون «عائقاً برمجياً» غير مقبول في جندي رقمي يُفترض أن يكون ولاؤه مطلقاً.

شعار برنامج الذكاء الاصطناعي «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك» (موقع الشركة)

جذور التحالف والتمرد

تأسست العلاقة بين «أنثروبيك» والبنتاغون على تناقض جوهري فالشركة تأسست بوصفها «مؤسسة للمنفعة العامة» تضع دستورها الرقمي الأخلاقي فوق رغبات الزبائن، بينما يرى البنتاغون في هذا النهج «غطرسة تقنية» تهدد الأمن القومي. وتكشف التقارير المسربة أن الاحتكاكات بدأت فعلياً عندما اكتشف الجنرالات أن مهندسي الشركة يمتلكون «مفاتيح تقنية» تتيح لهم مراقبة أنماط استخدام النموذج لحظياً، مما جعل تحركات الجيش السرية «شفافة» أمام مبرمجين مدنيين. هذا التوجس تحول إلى غضب عارم مع تكرار حالات «الرفض البرمجي»؛ حيث كان «كلود» يمتنع آلياً عن الإجابة على استفسارات تتعلق بتحديد أهداف بشرية أو تحليل بيانات استخباراتية لمراقبة مدنيين، عادّاً إياها مخالفة لمبادئ «الذكاء الاصطناعي الدستوري» التي بُني عليها.

وقد تجلى هذا «التمرد الرقمي» بوضوح في مطلع عام 2026، خلال تنفيذ قوات خاصة أميركية عملية ميدانية استهدفت تحركات الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. خلال تلك العملية، تم استخدام «كلود» عبر منصة «بالانتير» لمهام فائقة الحساسية، شملت فك تشفير اتصالات القوات المحيطة بمادورو في وقت قياسي واقتراح مسارات الهجوم والانسحاب بناءً على معطيات الأرض المتغيرة. إلا أن «تدخل» أنظمة السلامة في «أنثروبيك» للاعتراض على هذه الأنماط القتالية في «وقت التنفيذ» الفعلي، أثار جنون القادة العسكريين؛ إذ عدوا أن وجود شركة خاصة تملك حق «الفيتو» الأخلاقي على القرارات السيادية في قلب الميدان يمثل سابقة خطيرة تهدد حياة الجنود، وهو ما دفع الوزير «هيغسيث» لوضع الشركة أمام خيار الانصياع الكامل أو «التأميم» بقانون الإنتاج الدفاعي.

صورة نشرها حساب تابع للبيت الأبيض على «إكس» للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وهو رهن الاحتجاز (أ.ف.ب)

كواليس «الثلاثاء العاصف»

أفاد مصدر مطلع لـ«رويترز» بأن حدة الخلاف بلغت ذروتها في اجتماع عُقد يوم الثلاثاء بين الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، داريو أمودي، ووزير الدفاع بيت هيغسيث. وضع الأخير الشركة أمام إنذار نهائي ينتهي مفعوله عند الساعة الخامسة من مساء الجمعة: إما رفع القيود كافة عن استخدام الجيش لنموذج «كلود»، وإما مواجهة إجراءات «سلبية» غير مسبوقة.

ولم يتوقف تهديد هيغسيث عند حدود العقود المالية، بل لوّح بتفعيل «قانون الإنتاج الدفاعي»، وهو الإجراء الذي يمنح الحكومة سلطة استثنائية لإجبار الشركات الخاصة على إعطاء الأولوية القصوى لمتطلبات الدفاع القومي. وفي حال تفعيل هذا القانون ضد «أنثروبيك»، فإنه سيؤدي عملياً إلى ما يشبه «تأميم» الكود البرمجي لنموذج «كلود»، وتحويله من أداة مدنية إلى محرك حرب خاضع بالكامل للمعايير العسكرية، بعيداً عن أي رقابة من مطوريه. كما هدد الوزير بتصنيف الشركة بأنها «خطر على سلسلة التوريد»، وهي «رصاصة رحمة» قانونية كفيلة بعزل «أنثروبيك» عن السوق، ومنع أي جهة حكومية أو خاصة من التعامل معها.

وزير الدفاع بيت هيغسيث يقف خارج البنتاغون (أ.ب)

التراجع الكبير

رغم التصريحات الرسمية التي تحاول الحفاظ على صورة «الحارس الأمين»، فإن الشواهد تؤكد أن «أنثروبيك» بدأت بالفعل رحلة التراجع التكتيكي عن مبادئها الجوهرية. فخلف الكواليس، قامت الشركة بمراجعة بروتوكول «مستويات السلامة»، حيث تخلت عن سياسة «التجميد التلقائي» لتطوير النماذج الخطيرة؛ فبعد أن كان القانون الداخلي يقضي بإيقاف أي نموذج يتجاوز حدود الأمان، أصبحت القاعدة الجديدة تبيح الاستمرار في التطوير إذا وصل المنافسون، مثل «أوبن إيه آي» أو «إكس إيه آي»، إلى المستوى ذاته، وذلك تحت ذريعة «الضرورة التنافسية»، ومنع الخصوم من الانفراد بالقمة التقنية.

هذا التحول لم يمر بسلام داخل أروقة الشركة، بل أدى إلى «نزف في المواهب» وصفه مراقبون بأنه «زلزال داخلي». استقالة باحثين بارزين، وفي مقدمتهم مرينانك شارما، لم تكن مجرد مغادرة وظيفية، بل كانت صرخة تحذير من أن الإدارة بدأت تُغلب «منطق البقاء المالي» وضغوط البنتاغون على «منطق الأمان الوجودي». ويرى المستقيلون أن قبول الشركة بتعريف مهام «كلود» في عملية مادورو، بـ«دعم للأمن القومي» بدلاً من «مشاركة قتالية»، هو مجرد التفات لغوي يمهد الطريق لرفع القيود كلياً.

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي يتحدث بقمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 في بهارات الهندية (إ.ب.أ)

«كلود كود» وغزو المكاتب

وبينما تنشغل الإدارة بالسياسات، تواصل الأقسام التقنية طرح أدوات هزت الأسواق العالمية. أحدث هذه الأدوات هو «كلود كود سيكيوريتي» الذي يمتلك قدرة مذهلة على اكتشاف ثغرات «يوم الصفر» التي استعصت على الخبراء لعقود. وقد تسبب هذا الإعلان في هبوط حاد لأسهم شركات الأمن السيبراني والبرمجيات؛ حيث انخفض سهم «رويترز» بنسبة 16 في المائة، وسهم «ليغال زوم» بنسبة 20 في المائة. والمفارقة هنا تكمن في أن الذكاء الاصطناعي أصبح «المرض والعلاج» في آن واحد؛ فهو يكتشف الثغرات، ولكنه أيضاً يولد أكواداً برمجية أكثر عُرضة للأخطاء الأمنية بمرتين مقارنة بالبشر.

تقف «أنثروبيك» اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فبحلول الموعد النهائي يوم الجمعة، ستحدد الشركة هويتها للعقد المقبل. هل تظل تلك المنظمة التي تقودها المبادئ، أم تتحول إلى «متعهد دفاعي» تقوده ضغوط البنتاغون وحسابات الأرباح؟ إن التراجع عن التزامات السلامة يبعث برسالة واضحة: في سباق الذكاء الاصطناعي المحموم لعام 2026، لم يعد هناك متسع للمثالية، والبقاء هو للأسرع، حتى لو كان ذلك على حساب أمان البشرية.