فرح القاسمي تعبر الحدود غير المرئية في التصوير

المصورة الإماراتية عاشقة الألوان الزاهية

فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)
فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)
TT

فرح القاسمي تعبر الحدود غير المرئية في التصوير

فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)
فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)

كان الحضور غائبين إلى حد كبير في أحدث أعمال المصورة فرح القاسمي، أو جرت دعوتهم بصورة مقتضبة للغاية. بيد أن المشاهد الداخلية –التي صُورت بالكامل في دولة الإمارات، مسقط رأس فرح القاسمي– كانت مليئة بالألوان الزاهية والأناقة الراقية.
في صورة «ما بعد الغداء» لعام 2018، حيث الأريكة الوردية المخملية، والوسائد والستائر ذات الألوان المطابقة، تحتل معظم الصورة؛ وبالنظر عن قرب، ترى هناك زوجاً من الجوارب المزخرفة في إحدى الزوايا، وهي تنتمي لشخص غير مرئي يستلقي على جزء من الأريكة. وهناك يد شخص آخر مع زجاجة للمياه تخرج من وراء الستائر.
وفي صورة «طيور الباستيل المصبوغة» لعام 2019، تظهر ثلاثة طيور صغيرة باللون الأصفر، والسماوي، والوردي على أرضية حجرية منقوشة. وفي صورة «زهرة الطماطم 1» لعام 2018، هناك ثمرة طماطم حمراء زاهية اللون مصورة على شكل زهرة تستقر على خلفية من نفس ظلال الصورة تقريباً؛ وكانت فرح القاسمي قد نفّذت العمل اليدوي بنفسها، بعد طلب شراء سكينة للتقشير كلفتها 5 دولارات على موقع «أمازون»، وعلّمت نفسها بنفسها أسلوب التقشير الفني عبر فيديوهات «يوتيوب».
تعد هذه الصور من بين الصور العشر الغامضة والمثيرة للعاطفة بشكل واضح التي التقطتها فرح القاسمي والتي عُرضت في معرض «آرت بازل» خلال الأسبوع الجاري، في كشك بمعرض «ثيرد لاين»، وهي صالة فنية في أبوظبي.
وتحظى فرح القاسمي باهتمام كبير، وهي تبلغ من العمر 28 عاماً، وتعيش الآن في مدينة نيويورك، وتدرس في جامعة ييل، لنيل درجتي البكالوريوس والماجستير. وهناك عرض لأعمالها في مركز «ليست فيجوال آرتس» الملحق بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج في الفترة بين 30 يوليو (تموز) إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول).
وقالت هنرييت هولديتش، أمينة ومديرة المعارض الفنية في مركز «ليست فيجوال آرتس»، والتي علمت أول الأمر بأعمال الفنانة فرح القاسمي عبر الإنترنت: «إنها في طريقها للصعود من دون شك».
وأضافت هولديتش تقول: «لقد كنت مفتونة للغاية بلغتها المرئية الواضحة. إن صورها فخمة ومترفة للغاية، مثل الأعمال التحريرية تقريباً، ولكنك تدرك بعد وهلة أنها أكثر تعقيداً مما تظن. وهناك طبقات من التمويه والتخفي في أعمالها».
ومن الناحية الشخصية، فإن فرح القاسمي ليست غامضة على الإطلاق ولكنها تختار كلماتها بعناية فائقة تماماً كما تفعل في صورها. وهي تسكن في شقة صغيرة في ويليامزبيرغ بحي بروكلين، حيث تقدم شاي الزنجبيل اللذيذ للزائرين، وتقدم في الوقت نفسه تقييما مدروساً لموضوعاتها الفنية.
تقول القاسمي: «أفكر دائماً في كيفية تصوير ما لا يسهل تصويره. أو كيف أتحدث عن بعض أكثر الجوانب تعقيداً في أي مكان من دون الاستعانة باللغة اللفظية»، وتضيف أن موضوعات أعمالها لا تتعلق بالعالم العربي فحسب، ولكن بدول الخليج العربي على وجه التحديد.
وقالت إن اهتماماتها تنصبّ في المعتاد على العادات والأعراف الاجتماعية كما يمكن رؤيتها من خلال الأشياء، والإحساس الإنساني بالحدود غير المرئية. وكانت الشخصيات التي ظهرت في صورة «ما بعد الغداء» هم أصدقاءها المقربين.
وكان الفيديو الذي مدته 40 دقيقة وتمت إذاعته في معرض «آرت بازل»، بعنوان «أم النار» لعام 2019 عبارة عن كوميديا سوداء مرعبة من بطولة شبح، كما تقول فرح القاسمي، وكان يبدو كبرنامج من برامج تلفزيون الواقع. وكان العنوان الرئيسي يتناول روح الأساطير الإماراتية، ويسرد التغيرات التي شهدتها في الإمارات منذ تأسيسها في عام 1971.
وتظهر مكانة المرأة في مسقط رأسها، والأدوار والجندرية بصفة عامة، في أعمالها بكثرة، وربما بصورة غير مباشرة في أغلب الأحيان. وفي صورة من عام 2016 بعنوان «تحية الأنوف»، يظهر فيها رجلان من العرب يتبادلان التحية بالأسلوب المحلي التقليدي، ولكن تمكن ملاحظة شيء ما في المشهد ينمّ عن الدفء والألفة والصداقة.
ورداً على سؤال إذا كان من الصعب أن تكون امرأة في العالم العربي، رفضت فرح القاسمي ما يفترضه السؤال، وقالت: «من الصعب أن تكوني امرأة في أي مكان في العالم».
واستطردت متابعة القول: «أعتقد أن أهم ما يميز الإمارات هو القدر الكبير من الحرية النسبية الذي تحظى به المرأة هناك. ولكن هناك أعراف أخرى غير معلن عنها أو حدود اجتماعية صارمة تجعل الأمور عسيرة بعض الشيء. أنا مهتمة بما تُعنى به هذه الحدود غير المرئية في المجتمع وكيف يتم النظر إليها واعتبارها».
تعبّر فرح القاسمي عن عشقها الواضح والعميق للألوان الزاهية، وتقول عن مدينة أبوظبي حيث نشأت: «إنها عالم مفعم بالألوان».
وفي سنوات الدراسة بجامعة ييل، اكتشفت فرح القاسمي المجال الذي سوف تتبناه فيما بعد بشكل كامل. وقالت عن مشاريعها المبكرة: «لقد التقطت الكثير من الصور البيضاء والسوداء الغاضبة للغاية. ولم أشعر بأهمية ما أفعل حتى شرعت في التقاط الصور الملونة. ثم عشقت الميزة التحويلية للصور الملونة من وقتها».
استغرقت فرح القاسمي 3 سنوات قبل العودة من أجل الحصول على درجة الماجستير. وعملت في وقت من الأوقات كمسؤولة في جامعة نيويورك فرع أبوظبي. وسرعان ما انتقلت إلى التدريس، والذي لا تزال تعمل به حتى الآن في كلية رود آيلاند للتصميم وفي جامعة نيويورك.
وظهرت فرح القاسمي مع هيلينا آنراذر، تاجرة العاديات من نيويورك، ولكنها أوضحت أنها تود الاحتفاظ بعلاقتها مع صالة «ثيرد لاين» في أبوظبي.
وتقول: «من المهم أن أعرض صوري في الإمارات نظراً لأن الأعمال تدور حول الإمارات بصورة أساسية. ويعمل الأمر بشكل صحيح إن كان يسهل الوصول إليه ومتاحاً للجمهور المحلي».
وعلى الرغم من مقدرة الفنانة على وضع الإطار الفكري الذكي حول أعمالها، فإن بعضها يظهر بارزاً من منطلق أكثر شخصية عن سواه.
وتقول: «كانت جدتي من النساء اللاتي كن يصنعن البطانيات بأيديهن»، وأضافت أن تركيزها الراهن عن المساحات الداخلية في صورها يبدو أنه وسيلة لإلقاء الضوء على شيء غالباً ما يُنظر إليه على أنه حرفة يدوية، أو هواية، أو ربما منحه قدره من الأهمية يضيف الكثير من الإعجاب على أعمالها.
- خدمة «نيويورك تايمز»



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.