عودة إلى «اتفاق الطائف» وما قبله

جديد كمال الصليبي عن «الجماعة والدولة والأمة في المشرق العربي»

عودة إلى «اتفاق الطائف» وما قبله
TT

عودة إلى «اتفاق الطائف» وما قبله

عودة إلى «اتفاق الطائف» وما قبله

لا يزال بمقدور القارئ العربي اكتشاف جديد للمفكر كمال الصليبي، بعد نحو 8 سنوات من وفاته. فقد عكف محمود شريح على ترجمة بحث بالإنجليزية للراحل، وصدر مؤخراً في كتاب باللغتين: العربية، ولغته الأصلية الإنجليزية عن «دار نلسن» في بيروت. والبحث ينظر في موضوع راهن، رغم أنه كتب على ضوء اتفاق الطائف، ونشر عام 1992 في «ثي بيروت ريفيو»، وعنوانه «الجماعة والدولة والأمة في المشرق العربي» يعرّج فيه على سبب تفكك اللحمة الاجتماعية والسياسية في المنطقة العربية، وبشكل خاص في بلاد الشام؛ لكنه في عمقه يحاول أن يفهم الأمراض اللبنانية المزمنة ويرى إلى شفائها.
صاحب الكتاب الشهير «التوراة جاءت من جزيرة العرب» الذي أثار نقاشات حامية استمرت طويلاً منذ صدور ترجمته العربية عام 1985، وأحدث ثورة في الدراسات التوراتية، يذهب في بحثه الذي بين أيدينا إلى محاولة فهم تركيبة المجتمع اللبناني وسيكولوجيته، بدءاً من حرب عام 1958، مروراً بحرب 1975، مقارناً الوضع اللبناني بما يعيشه الأردن، محاولاً فهم لعبة الولاءات الفردية والجماعية.
وإذا كانت بداية البحث تنحصر في الحيز النظري العام، وتنشغل بالتعريفات لكل من «الدولة» و«الأمة» و«الجماعة» تفادياً للغموض، فإن هذا يسهل على الكاتب، بعد ذلك، شرح فكرته فيما يخص لبنان ومحيطه. فالأمة تعني «شعباً يمتلك حساً بالوحدة، دون أن يعني هذا بالضرورة تملّكه لحكومة مشتركة». أما حين نتحدث عن دولة فهذا يعني «وجود شعب موحد سياسياً يعيش في منطقة جغرافية محددة، بإشراف حكومة مركزية واحدة» ومن هنا يكون الكلام على الحماس الوطني أو حب الوطن. أما «الجماعة» فهي «كيان اجتماعي يجمعه تراث موحّد وصفات مشتركة؛ لكن دون كونه أمّة أو دولة». وبالتالي فدولة ما قد تشتمل على أمم مختلفة. وقد تشتمل أمة ما على جماعات مختلفة أيضاً، لكل منها طبيعتها. كما قد تضم الدولة جماعات تشترك معاً في العيش بانسجام، أو تبقى في نزاع، مع أنها تعيش في ظل حكومة واحدة. هكذا تبقى المفاهيم مطاطية عند كمال الصليبي، الذي يحاول أن يجد في تعريفاته التي يستمدها من لغات أجنبية ما ينطبق على الوضع في دول عربية لا تزال قيد التشكل السياسي، معتبراً أن الخلافات داخل الدولة الواحدة حين تكون قابلة للتسوية، كما حدث في لبنان بعد حرب مدمرة، فهذا يعني أن الكيان قابل للحياة، أما حين تستعصي الحلول فلا تجني الشعوب حينها غير الفوضى والتمزق.
وما الأحزاب السياسية من وجهة نظر الصليبي إلا ممثلة للجماعات داخل الدولة الواحدة، باختلافاتها وتباينات رؤاها، ووظيفتها الفعلية هي محاولة التواصل والتفاهم، وإيجاد صيغ التعايش. وهذا الدور هو بمثابة تعويض عن النقص الذي يعاني منه المجتمع. لكن الأحزاب في بلدين مثل لبنان والأردن، نعما بديمقراطية نسبة إلى محيطهما، لم تتمكن من لعب هذا الدور.
استطاعت الأحزاب الأردنية تخطي الانقسام الديني؛ لكنها لم تنجح في تذويب الولاءات القبلية والمناطقية والإقليمية التي قد تكون أكبر وأهم. أما في لبنان فقد فشلت الأحزاب عموماً في تجاوز الحواجز الدينية والطائفية. لذلك فإذا كان من تشابه بين البلدين، فهو أن التوصل إلى صيغة وحدة وطنية فيما بعد احتاج عملاً ديمقراطياً، لم يتم عبر الأحزاب السياسية؛ بل احتاج تفاهمات بين الجماعات الدينية أو القبلية نفسها المشكِّلة للمجتمع. ففي لبنان لعقد اتفاق الطائف كان لا بد أن تُأخذ الجماعات الدينية بعين الاعتبار، ويتم دمجها في نص الدستور.
ويقرّ الصليبي بصعوبة العثور على دولة عربية تمارس الديمقراطية على أساس حزبي سياسي، دون أن تكون الجماعات المكونة للمجتمع دينية أو قبلية هي الأساس. ويعقد مقارنة مع دولة غير عربية وقريبة جغرافياً هي اليونان، دولة كثرت فيها الخلافات والنزاعات، لكنها في النهاية تمكنت من فض خلافاتها والحفاظ على ديمقراطيتها بتطوير الأحزاب السياسية وتفعليها، على عكس ما يحدث في الديمقراطيات العربية الغضة.
يقدم الصليبي عرضاً مسهباً وشيقاً حول العلاقة الوثيقة بين الانتماءين الديني والقبلي، في المنطقة العربية؛ بحيث يصعب فصل أحدهما عن الآخر. وعلى عكس ما يشاع هما ليسا متناقضين؛ بل هما متمفصلان في لحمة قوية. ويشرح بأن بعض الجماعات القبلية الإسلامية أو المسيحية التي ارتبطت تاريخياً، كانت على الأرجح قد تحوّلت إلى إحدى الديانتين لتعزيز وجودها الاجتماعي الخاص بها. ففي قبيلة أو عشيرة ما، ليس الانتماء خياراً شخصياً؛ بل هو ميراث، كما أن الإحساس بالانتماء إلى عصبية اجتماعية مستمدّ من الشعور بالولاء الطوعي للجماعة. إلى هذا الحد تبدو الأمور مترابطة ومركبة؛ بحيث يصعب الفصل بين المفاهيم والانتماءات والولاءات عند الشخص الواحد، أو المجموعة الدينية أو القبلية. ويصل الأمر إلى حد أن أعراف الشرف والعار أقوى اجتماعياً أحياناً من سطوة الشرع الديني نفسه. كل هذا ليذكر أن الدولة العربية الحديثة لا تزال غضة، ويقارب عمرها السبعين عاماً، وأهلها قبل ذلك كانوا يخضعون في غالبيتهم للشرع الإسلامي كقانون يحكمهم. وهو لا يزال مطبقاً جزئياً على الأحوال الشخصية في بعض الدول أو كلياً في دول أخرى.
وبما أن الصليبي يكتب بحثه وفي ذهنه بلده لبنان، الخارج يوم كتابة بحثه من حرب أهلية طائفية دامية، فهو يعود ليذكّر بتشكل هذا الوطن الصغير، وكيف أن مكوناته بطوائفها كانت على نزاعات سبقت إعلان لبنان الكبير. وبعض هذه الطوائف لم تكن راضية عن الحدود الجديدة التي فرضها الانتداب. السنة والشيعة، كما الدروز، لم يكونوا راضين عن مشاركة اللبننة مع المسيحيين الذين رأوا في الكيان اللبناني ملاذهم الآمن. وعلى نحو مماثل امتنع بعض المسيحيين عن الانضواء تحت لبننة ترتبط وثيقاً بالمصالح السياسية المارونية. أكثر من ذلك أن المسلمين اعتبروا أنفسهم أحق بالحكم من المسيحيين، وبالتالي مقابل القومية اللبنانية التي احتمى بها الموارنة، كان ثمة من يتصدى لها بالقومية العربية. اشتعلت الحرب الأهلية تحت وطأة هذه الخلافات وغيرها، ومع ذلك لم يقسّم لبنان، لأسباب لعل أهمها الوعي العام بـ«هوية سياسية مشتركة» تشكلت تدريجياً، وما استشعره الناس من ضيم وفوضى عند غياب الدولة، وإحساسهم بأن مصلحتهم تلتقي بالتوحد لا بالانقلاب عليه.
يكتب الصليبي مهاجماً زعماء المكونات العشائرية – المذهبية، معتبراً أنهم «مثل زعماء القبائل، يعتمدون على جهل أتباعهم لبسط سلطانهم الاجتماعي والسياسي. فهم مهرة في فنّ خلق أوهام في نفوس أتباعهم لتعزيز مواقفهم، لا سيما متى كانت زعامة العشيرة أو القبيلة تتحكّم بأتباعها عبر الوراثة السلالية. وفي هذه الحالات فإن استثمار الجهل وسط الجماعة يسري في مجرى الوراثة الاستمرارية من جيل زعماء أول، إلى جيل زعماء ثانٍ».
يعرج الكاتب على تشكل الدولة السورية التي أريد لها في البدء أن تكون أربعة أجزاء، وهي دولة دمشق ودولة حلب اللتان التحقتا طوعاً بالدولة السورية، ومن ثم دولة جبل الدروز ودولة العلويين اللتان ضُمتا بعمل عسكري، وقامت دولة مركزية قوية على حساب الديمقراطية. ولم تكن هذه المجموعات لتلتئم لولا تبني القومية العربية على الدوام لبناء اللحمة بين المجموعات المختلفة. والأمر كان مشابهاً في الأردن عند جلاء الانتداب البريطاني عن البلاد. وما كان للمكون الفلسطيني أن يجد أمنه وسلامه لولا أمران أساسيان مشابهان لما حصل في سوريا، وهما تبني العروبة، ومحاولة تطبيق المساواة بين مختلف فئات الشعب، بصرف النظر عن الاختلافات وتباين المذاهب والعشائر.
وبالتالي يرى الصليبي أن واحدة من مشكلات لبنان التي لا نراها في محيطه، هي نكران بعض جماعاته انتماءها العروبي بسبب تمفصله مع الإسلام. وهذا لعب دوراً في تأجيج النزاعات. فالقومية اللبنانية لا تكفي لأنها لا تجمع اللبنانيين على اختلاف مناطقهم وطوائفهم. بينما اعتراف اللبنانيين جميعاً بعروبتهم هو عامل مساعد يحتاج في الوقت نفسه لأن يعاملوا من محيطهم العربي على قدم المساواة، دون تفرقة بين فئة وأخرى. من هنا تأتي أهمية التأكيد على عروبة لبنان في اتفاق الطائف، لحسم خلاف تسببت فيه صيغة 1943 المبهمة، التي اعتبرت لبنان ذا وجه عربي، وهو ما لم يساعد يوماً على المصالحة بين القومية اللبنانية والقومية العربية.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً