كوسوفو تحتفل بالذكرى الـ 20 لانتهاء الحرب ضد الصرب

واشنطن تدعو إلى التطبيع بين بلغراد وبريشتينا واعتراف متبادل

مواطنون في كوسوفو يغلقون الطرق قبل زيارة الرئيس الصربي أليكساندر فوتشيك في سبتمبر 2018 (رويترز)
مواطنون في كوسوفو يغلقون الطرق قبل زيارة الرئيس الصربي أليكساندر فوتشيك في سبتمبر 2018 (رويترز)
TT

كوسوفو تحتفل بالذكرى الـ 20 لانتهاء الحرب ضد الصرب

مواطنون في كوسوفو يغلقون الطرق قبل زيارة الرئيس الصربي أليكساندر فوتشيك في سبتمبر 2018 (رويترز)
مواطنون في كوسوفو يغلقون الطرق قبل زيارة الرئيس الصربي أليكساندر فوتشيك في سبتمبر 2018 (رويترز)

تحتفل كوسوفو، اليوم الأربعاء، بالذكرى العشرين لانتهاء الحرب، وانسحاب القوات الصربية، التي جاءت على خلفية ثمرة تفكك يوغوسلافيا السابقة. ولا تعترف صربيا، المدعومة من موسكو، بهذه الدولة الجديدة التي كانت إقليماً تابعاً لها.
النزاع الذي بدأ في 1998 بين القوات الصربية والمتمردين الألبان الكوسوفيين الانفصاليين، أسفر عن مقتل أكثر من 13 ألف شخص؛ هم 11 ألفاً من ألبان كوسوفو وألفا صربي وبضع مئات من غجر الروما، بينما اكتظت مخيمات للاجئين بأكثر من 800 ألف من ألبان كوسوفو. جاء هذا النزاع بعد أقل من أربع سنوات على انتهاء حربي البوسنة وكرواتيا، التي شهدت الفظائع ضد المدنيين والتطهير العرقي، إلى حملة قصف غربية استمرت ثلاثة أشهر من دون تفويض من الأمم المتحدة.
وأطلقت حرب كرواتيا (1991 - 1995) والبوسنة (1992 - 1995) عملية تفكك يوغوسلافيا. ولم تترافق نهايتهما مع تهدئة في كوسوفو، حيث اشتد قمع سلوبودان ميلوشيفيتش، وأدى إلى نزاع مفتوح. واستسلم ميلوشيفيتش، وأمر بسحب قواته من هذا الإقليم الذي يشكل الألبان غالبية سكانه، لكن الصرب يعتبرونه مهدهم التاريخي والديني.
وبعد الحرب العالمية الثانية، أُلحقت منطقة كوسوفو الجيب الصغير الواقع في غرب دول البلقان بالاتحاد اليوغوسلافي، الذي كان يتزعمه الشيوعي جوزيب بروز تيتو، في 1974، وأصبحت منطقة كوسوفو «إقليماً يتمتع بحكم ذاتي» في صربيا عضواً في الاتحاد اليوغوسلافي. لكن في 1989، قلص الرئيس الصربي الحكم الذاتي، وبين 1998 و1999 أسفرت حرب كوسوفو بين الانفصاليين الألبان والقوات الصربية عن أكثر من 13 ألف قتيل، منهم نحو 11 ألف كوسوفي ألباني وألفي صربي. وتدفق نحو مليون لاجئ إلى ألبانيا ومقدونيا. وبعد «مجزرة راتشاك»، تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو من خلال حملة قصف استمرت 78 يوماً، واستهدفت مواقع عسكرية صربية. وانسحبت القوات الصربية من كوسوفو في 10 يونيو (حزيران) 1999، ووضع بقرار من الأمم المتحدة والحلف الأطلسي تحت الحماية. وفي 1990، أعلن قادة الإقليم استقلاله، وهذا ما رفضته الحكومة الصربية. وأقام إبراهيم روغوفا «أب الأمة» مجتمعاً موازياً.
وبعد الحرب، استمرت التوترات بين الأكثرية الألبانية الكوسوفية والأقلية الصربية، خصوصاً في مدينة ميتروفيتسا (شمال) المنقسمة. وفي 2004، أسفرت اضطرابات ضد الصرب عن 19 قتيلاً وضحايا من المجموعتين.
وفي 17 فبراير (شباط) 2008، أعلن برلمان كوسوفو الاستقلال، الذي سرعان ما اعترفت به الولايات المتحدة وعدد كبير من البلدان الأوروبية. في المقابل، رفضته صربيا وروسيا وبلدان أخرى مثل إسبانيا، التي رأت فيه سابقة مقلقة لمناطقها ذات النزعات الاستقلالية.
في 2009، أصبحت كوسوفو عضواً في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وفي 2010، اعتبرت محكمة العدل الدولية استقلالها مطابقاً للقانون الدولي. وما زالت صربيا لا تعترف به، لكنها تشارك ابتداءً من 2011 في مناقشات برعاية بروكسل، فيما تريد كوسوفو وصربيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. والتقى رئيسا حكومتيهما للمرة الأولى.
وما زالت كوسوفو، التي ليس لديها جيش، تحت حماية الحلف الأطلسي.
ومنذ أشهر عدة، تتعثر محادثات التطبيع بين بلغراد وبريشتينا، وتشهد علاقاتهما فترات متكررة من التوتر. ففي أواخر مايو (أيار)، أصبحت رئيسة وزراء صربيا آنا برنابيتش شخصاً غير مرغوب به في كوسوفو، بسبب تصريحات لها وصفتها بريشتينا بأنها عنصرية. وبعد قمة أولى غير مثمرة عُقدت في أبريل (نيسان) في برلين برعاية فرنسا وألمانيا، يُفترض أن يلتقي قادة صربيا وكوسوفو في يوليو (تموز) في باريس. وحسب التقديرات، لا يزال نحو 120 ألف صربي يعيشون في كوسوفو، في الشمال، وفي نحو 10 جيوب.
ويستعيد ألبان كوسوفو وصربيا ذكرى انتشار قوات حلف شمال الأطلسي في 12 يونيو 1999 لإنهاء الحرب، بمشاعر متناقضة تمتزج فيها دموع الفرح والإحساس بالإهانة. وسيتم إحياء ذكرى مرور 20 عاماً على بدء العملية اليوم الأربعاء. وسيعبر هؤلاء عن شكرهم من جديد للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ووزيرة الخارجية في عهده مادلين أولبرايت، اللذين سيحضران المراسم في بريشتينا.
وتروي المغنية شبريزا غاشي (68 عاماً) كيف وصلها نبأ دخول قوات الحلف الأطلسي، في مخيم للاجئين. وقالت: «ساد فرح وانفجرت الانفعالات». وأضافت: «كانت تلك المرة الأولى التي رأيت فيها لاجئي كوسوفو فرحين». أما إيديتا براشوري، وهي مصففة شعر في الأربعين من العمر، فتتذكر، كما قالت لوكالة الصحافة الفرنسية: «أجمل يوم في حياتها» والموسيقى الألبانية تخرج من النوافذ بعد سنوات من القمع الثقافي أيضاً. وأكد عزت رجبي (70 عاماً): «كان يوماً رائعاً بلا بزات عسكرية صربية في برشتينا»، مشيراً إلى أنه لبس «أجمل بزة ووضع ربطة عنق» لاستقبال القوات الغربية. وعاد السجين السياسي السابق بهجت شالا (55 عاماً) إلى منزله وهو يتبع قافلة للحلف. وهو يتذكر أنه التقى قبيل ذلك في بريشتينا «رتلاً صربياً من مدنيين وجرارات، يغادر كوسوفو». وأضاف: «كان البعض عائدين إلى بيوتهم، عندما كان آخرون يغادرونها (...)، كنت واثقاً من أنه لم تكن رجعة إلى الماضي، وأن كوسوفو لن تعود أبداً إلى السيطرة الصربية».
أما صرب كوسوفو الذين كانوا يقيمون في المنطقة منذ قرون، فيرون في الثاني عشر من يونيو يوم مرارة وخوف، وفي أغلب الأحيان بداية حياة في المنفى. وتشير أرقام بلغراد إلى أن مائتي ألف صربي كان عليهم اختيار مغادرة كوسوفو، واللجوء إلى صربيا. وقال دوبروساف ياكوفلييتش، وهو متقاعد في الثالثة والسبعين، «كنت أبكي وأنا أنظر إلى جيشنا ينسحب وأجانب يصلون». وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «من يجب أن يلام على كل ذلك هو ميلوشيفيتش»، لكن «الألبان كان لديهم كل ما يريدونه عندما خسرنا كل شيء».
وذكرت يلينا كريكوبافيتس (43 عاماً) الخبيرة الاقتصادية، أن والدها طلب منها ألا تغادر المنزل في ميتورفيتسا إلى أن يتوضح الوضع. وقالت: «تابعت من النافذة رحيل القوات الصربية». أما سلافيسا يوكيتش (45 عاماً) فقد فرت من بيتش (جنوب). وقالت هذه العاملة: «كان الناس يقتلون في وضح النهار من دون أن يقوم (الحلف الأطلسي) بأي تحرك».
لكن من دون تدخل القوات الصربية، خصوصاً خلال صدامات 2004 في مدينة ميتروفيتسا المقسومة، «ما كان بقي صربي واحد»، على حد قول دوبروساف ياكوفلييتش.
وتفيد تقديرات بلغراد أن نحو 120 ألف صربي ما زالوا يعيشون في كوسوفو، ثلثهم في الشمال والباقون في نحو 10 جيوب. ويرى درودي يوفانوفيتش (46 عاماً)، الذي يعمل مدرساً في ميتروفيتسا، أن بقاء 4 آلاف جندي من قوة الأمم المتحدة لكوسوفو إلى الآن لا بد منه. وقال: «لو لم يكونوا هنا لوقعت حرب أخرى». وما زالت العلاقات سيئة بين بريشتينا وبلغراد التي لم تعترف بعد باستقلال إقليمها السابق الذي حصل في 2008.
ودعت الولايات المتحدة، الاثنين، صربيا وكوسوفو، إلى «الحوار» وإلى «اعتراف متبادل» لمناسبة الذكرى العشرين لانتهاء انتشار قوات حلف شمال الأطلسي التي أنهت الحرب بينهما. وقال البيت الأبيض، في بيان، إن «تقدماً كبيراً أنجز، لكن العمل لم ينته».
وأضاف: «على بريشتينا وبلغراد مضاعفة الجهود للتوصل إلى اتفاق كامل يتركز على اعتراف متبادل وإزالة العقبات على طريق التقدم». وأكد أن «الحوار» بين الجارين هو «الطريقة الوحيدة للتوصل إلى استقلال حقيقي». وتابع البيان أن الولايات المتحدة «مستعدة لتقديم دعمها طوال العملية»، لكنه شدد على أن صربيا وكوسوفو مسؤولتان عن «التحرك فوراً»، تكريماً لذكرى «الذين عانوا وقضوا قبل عشرين عاماً».
وكغيرها من معظم الدول الغربية، تعترف الولايات المتحدة بكوسوفو، حيث تتمتع بشعبية هائلة بين السكان. وترفرف الأعلام الأميركية في كل مكان في هذا البلد باستثناء المناطق التي يشكل فيها الصرب أغلبية.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.