الحرب ضد «داعش» في العراق توجد وقائع على الأرض لم تكن في الحسبان

الولايات المتحدة تتغاضى عن دور إيران وتبدو مرتاحة حيال سيطرة البيشمركة على كركوك

الحرب ضد «داعش» في العراق توجد وقائع على الأرض لم تكن في الحسبان
TT

الحرب ضد «داعش» في العراق توجد وقائع على الأرض لم تكن في الحسبان

الحرب ضد «داعش» في العراق توجد وقائع على الأرض لم تكن في الحسبان

دفعت المعركة العاجلة، التي تهدف إلى منع قوات «داعش» من الاستيلاء على أراض أكثر في العراق، إدارة الرئيس باراك أوباما إلى أن يتسامح مع أشياء كانت تحتج عليها بشدة قبل ذلك، بل إنها وافقت على بعضها.
فعندما استعادت الميليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران التي كانت وصفتها الإدارة الأميركية لفترة طويلة بأنها غير شرعية، بلدة آمرلي من «داعش» الأسبوع الماضي، تنفس المسؤولون الأميركيون الصعداء. لكن تقارير عن أن قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي يوصف عادة بأنه العدو اللدود للولايات المتحدة الأميركية، كان حاضرا أثناء المعركة وشوهد بعد أيام في صور بثتها مواقع الإنترنت وهو يصافح أحد مقاتلي الميليشيات.
وإلى الشمال، احتل المقاتلون الأكراد مدينة كركوك الغنية بالنفط، وهي جائزة ظل الأكراد يطالبون بها طويلا لكنها تقع خارج حدود إقليم كردستان العراق شبه المستقل - والمعترف به من قبل كل من بغداد وواشنطن. وبعيدا عن الإصرار على سحب المقاتلين، فإن الإدارة الأميركية سعيدة لأن هناك من يدافع عن المدينة ضد تنظيم داعش.
فقد أصبحت هذه التفاصيل القانونية والمتعلقة بالسياسة رفاهية في المعركة لدحر «داعش» الذي وصفه الرئيس أوباما أول من أمس بأنه «تنظيم همجي» وأنه «يشكل تهديدا كبيرا» على الولايات المتحدة وحلفائها.
الوضع ليس مثاليا كما قال أحد المسؤولين في الإدارة الأميركية بتهاون كبير، إذ إن هناك إدراكا واسع النطاق بأن الوقائع التي يجري تأسيسها على الأرض من المحتمل أن تسبب مشاكل في المستقبل.
لكن في الوقت الراهن، فإن المعركة الوجودية التي يخوضها العراق هي واحدة من الأسباب التي صنعت على الأقل تحزبات غير مباشرة من القوى التي ليست حلفاء ولا شركاء، ولا حتى يجمعها علاقات ودية في غالب الأحيان.
وفي حين أن الإدارة الأميركية أقرت بمناقشة الأزمة العراقية مع المسؤولين الإيرانيين على هامش محادثات منفصلة حول البرنامج النووي الإيراني، فإن المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي برناديت ميهان قالت أول من أمس: «نحن لا نقوم بالتنسيق في ميدان العمل العسكري أو تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إيران ولا نعتزم القيام بذلك». وأضافت: «في الوقت نفسه، كنا واضحين بأن (داعش) يمثل تهديدا ليس على الولايات المتحدة وحسب، بل أيضا على المنطقة بأكملها وبشكل مباشر». وقالت ميهان: «نعتقد أن جميع البلدان، بغض النظر عن خلافاتها، يجب أن تعمل من أجل تحقيق الهدف الذي يرمي إلى إسقاط تنظيم داعش وهزيمته في نهاية المطاف».
وردا على سؤال عما إذا كان هناك دور لإيران في التحالف الدولي الذي تشكله الإدارة الأميركية لمحاربة الميليشيات في العراق ثم في سوريا، قال مسؤول كبير في الإدارة: «لا أعرف». لكنه أقر «بأنهم (الإيرانيين) بالفعل يلعبون دورا على الأرض».
وتجاوزت المساهمات الإيرانية حد السلاح والمستشارين إلى الميليشيات الشيعية. ورغم مخاوف إيران بشأن انفصال أكرادها، فإنها، حسبما أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أواخر الشهر الماضي، «كانت أول دولة تزودنا بالسلاح والذخيرة» لمحاربة «داعش». وقال مسؤولون أميركيون إنه يعتقد أيضا أن إيران شنت ضربات جوية ضد تنظيم داعش.
وتنافست الولايات المتحدة مع إيران على بسط نفوذها في العراق منذ تنصيب الحكومة ذات الأغلبية الشيعية بعد الغزو الأميركي عام 2003 الذي أطاح بصدام حسين. واتهمت الولايات المتحدة إيران بتزويد الميليشيات بالعبوات الناسفة التي كانت تستخدم ضد الجنود الأميركيين خلال العقد السابق.
وفي السنوات الأخيرة، وضعت الميليشيات بوصفها قوة منظمة في مستوى منخفض. ولكن عندما هرب الجيش العراقي من المدن الشمالية في وقت مبكر من بدء الهجوم الذي شنه تنظيم داعش في أماكن متفرقة بالبلاد هذا الصيف، فإنها سرعان ما عادت إلى الظهور، ودخلت المعركة. وكانت احتجاجات الولايات المتحدة صورية إلى حد كبير.
وعندما تنحى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي تحت ضغط من الولايات المتحدة الشهر الماضي، أعلنت إيران موافقتها بتهنئة خلفه ودعت إلى تشكيل حكومة شاملة.
وتفضل الإدارة الأميركية بشدة انضمام أعضاء الميليشيات الشيعية - وكذلك رجال القبائل السنية في غرب العراق - إلى قوات الأمن العراقية ومحاربة المسلحين تحت راية الحكومة. لكن المسؤولين الأميركيين، الذين لم يؤذن لهم بمناقشة استراتيجية الإدارة علنا، قالوا إنهم سيقومون بكل ما يمكن القيام به حتى يجري دحر المتشددين.
والولايات المتحدة ليست الفاعل الوحيد على الأرض الذي يجد الوضع غير مريح. وبينما نسبت إدارة الولايات المتحدة الفضل إلى الضربات الجوية الأميركية في دحر تنظيم داعش في بلدة آمرلي، أعلنت الميليشيات على الأرض من جديد عداءها للأميركيين وقالوا إن الهجمات لم تكن مهمة في الانتصار الذي حققوه. وقالت وكالة أنباء فارس الإيرانية يوم الجمعة إن فكرة أن الإجراء الأميركي كان حاسما في بلدة آمرلي، هي من نسج الخيال الأميركي. وأضافت الوكالة نقلا عن مصدر عسكري إيراني: «أطلق الغرب فرقعة إعلامية لإظهار الولايات المتحدة باعتبارها المنقذ للعراق».
وعندما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» صباح أول من أمس أن المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وافق على التعاون مع الجيش الأميركي ضد تنظيم داعش، سرعان ما نفى كبار المسؤولين في الحكومة هذا الخبر؛ إذ أخبر إسماعيل كوثري نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني وكالة أنباء بلومبرغ «أن ذلك مستحيل»، مضيفا: «لسنا بحاجة للولايات المتحدة». وتابع كوثري، وهو قائد سابق للحرس الثوري: «نحن نعرف كيف نحتاط من (داعش) بأنفسنا».
وفي المنطقة الكردية، حيث أيدت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة إجراء استفتاء حول مستقبل كركوك والمناطق المتنازع عليها الأخرى، يجري الاحتفال بمكاسب البيشمركة. ولم تصادق الإدارة الأميركية علنا على احتلال كركوك وحقولها النفطية المجاورة، كما أنها لم ترغب في أن يتخلى الأكراد عن الأراضي التي استولوا عليها، في الوقت الذي لا يملك فيه الجيش العراقي القدرة على حمايتها من تنظيم داعش.
إن حل هذه القضية ينبغي أن يتأجل إلى يوم آخر. وبحلول ذلك الوقت - على افتراض دحر «داعش» في نهاية المطاف في العراق - فإن الأسلحة التي تتدفق إلى البيشمركة من الولايات المتحدة وأوروبا وإيران تكون قد جعلتها قوة هائلة وراء مطالب الحكومة الإقليمية أقوى مما كانت عليه قبل الأزمة الحالية.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.