«مجزرة سبايكر».. الحكومة حاولت إخفاء تفاصيلها.. وأهالي الضحايا جعلوها قضية رأي عام

مشعان الجبوري يكشف لـ {الشرق الأوسط} عن تفاصيل مقتل نحو ألفي جندي بتكريت

أهالي الضحايا يرفعون  صور أولادهم الذين قضوا في مجزرة «سبايكر» خلال مظاهرة في بغداد («الشرق الأوسط»)
أهالي الضحايا يرفعون صور أولادهم الذين قضوا في مجزرة «سبايكر» خلال مظاهرة في بغداد («الشرق الأوسط»)
TT

«مجزرة سبايكر».. الحكومة حاولت إخفاء تفاصيلها.. وأهالي الضحايا جعلوها قضية رأي عام

أهالي الضحايا يرفعون  صور أولادهم الذين قضوا في مجزرة «سبايكر» خلال مظاهرة في بغداد («الشرق الأوسط»)
أهالي الضحايا يرفعون صور أولادهم الذين قضوا في مجزرة «سبايكر» خلال مظاهرة في بغداد («الشرق الأوسط»)

غطت معلومات جديدة عن حقائق مجزرة قاعدة سبايكر في تكريت التي يقترب عدد ضحاياها من ألفين من الجنود العراقيين، والتي كشف عنها السياسي العراقي مشعان الجبوري، على أنباء تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بل خلقت ضجة كبيرة في عموم العراق دفعت مجلس النواب العراقي لأن يخصص جلسته الأسبوع الماضي للاستماع لإفادات شهود ولأهالي الضحايا ولوزير الدفاع وكبار القادة العسكريين بعدما اقتحم أهالي الضحايا مبنى البرلمان.
المجزرة التي كانت حدثت ظهر يوم 12 يونيو (حزيران) الماضي، والتي حاولت الحكومة العراقية المنتهية ولايتها برئاسة نوري المالكي التستر عليها لفداحتها، إذ جرى إنكارها في البداية وتكذيب تفاصيلها من قبل نواب وإعلاميين وكتاب ومحللين سياسيين مقربين من المالكي، لكن الصور ولقطات الفيديو التي جرى تسريبها عبر مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) أجبرت رئيس الحكومة المنتهية ولايته على أن يصرح عبر التلفزيون بأن «(داعش) قتلت 157 من طلبة القوة الجوية في قاعدة سبايكر بتكريت»، في وقت نفى فيه كبار القادة العسكريين وقاسم عطا الناطق باسم القيادة العامة للقوات المسلحة مقتل طلبة القوة الجوية، مؤكدين أن الطلبة جرى نقلهم إلى قاعدة الإمام علي طليلة بالناصرية.
الصور والمعلومات التي كشف عنها الجبوري أكدت أن عدد الضحايا من الجنود العراقيين قد يتجاوز الألفي ضحية، جرى إعدامهم جماعيا من قبل مسلحين من أبناء تكريت قبل أن تشترك «داعش» في اليوم التالي بالإجهاز على الآخرين.
وقال الجبوري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ببغداد، أمس، إن «هؤلاء الجنود لم يقتلوا في ساحة معركة أو أنهم استشهدوا وهم يتصدون لعدوان خارجي، هم قتلوا غيلة وغدرا من قبل أشخاص يفترض أنهم من أبناء وطنهم»، مشيرا إلى أن «هذه المجزرة لم ترتكبها (داعش) كما يصور البعض من أجل تضييع دماء الضحايا، بل إن هؤلاء الأشخاص قتلوا على أيدي أشخاص عراقيين، وهم من أقارب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، يتقدمهم إبراهيم سبعاوي إبراهيم الحسن، ابن الأخ غير الشقيق لصدام حسين الذي جرى إعدامه بعد 2003، وأبناء عمه، أحدهم يدعى فارس ابن شقيق عبد حمود مرافق الرئيس الأسبق، هو الآخر جرى إعدامه استنادا إلى قرار من المحكمة الجنائية الخاصة، وآخر ابن مزاحم عبد الله الحمود وآخرون».
وحسب الجبوري، فإن «عدد الضحايا لا يقلون عن ألف وخمسمائة، هؤلاء من المؤكد جرى إعدامهم خلال أربع ساعات ظهر يوم 12 يوليو، وهناك أرقام أخرى غير مؤكدة قد تصل إلى ألفين وثلاثمائة، وفي اليوم الأول جرى قتل السنة والشيعة من دون أن يجري سؤال الضحايا عن أسمائهم أو مناطق سكنهم أو دينهم، وهي تكرار مأساوي لجرائم النظام السابق ولمشاهد تصفية المنتفضين من الشيعة عام 1991، وللمقابر الجماعية للأكراد وجرائم الأنفال، حيث كانوا يعدمون المئات من أبناء الجنوب جماعيا»، مضيفا أن «جريمة سبايكر نفذت من قبل الجيل الثاني من عائلة صدام، وهناك 8 أشخاص من عائلة واحدة، أربعة أشقاء مع أربعة من أبناء عمهم، هم أبرز من شاركوا في تنفيذ الجريمة وهم من مدينة تكريت وليسوا من أقرباء صدام حسين، أحدهم كان يقود الضحايا إلى شخص آخر يطلق رصاصة على رأس الضحية ويرميه في نهر دجلة».
ويوضح الجبوري تفاصيل ما حدث، قائلا: «الضحايا هم جنود كانوا في قاعدة سبايكر التي كانت سابقا كلية القوة الجوية، وباعتبارها مكانا محصنا فقد نقلت القيادة العسكرية جنودها إليها بعد احتلال (داعش) للموصل، ولكن كيف خرجوا من القاعدة ليقعوا بأيدي هؤلاء المسلحين الذين قتلوهم؛ فهناك إفادات متناقضة، ففي حين يقول القادة العسكريون في القاعدة إن الجنود خرجوا من تلقاء أنفسهم وبلا أوامر، فإن بعض الناجين قالوا لي بأن الضباط أبلغوهم التمتع بإجازة لمدة 15 يوما للذهاب إلى عوائلهم، وأنا تأكدت أن بوابة القاعدة فتحت بقرار من قيادتها، ولم تكن (داعش) وصلت إلى تكريت بعد وقتذاك، وخرج الجنود للعودة إلى منازلهم بملابس مدنية، غير عسكرية، ولم يكونوا مسلحين لأنهم لم يخرجوا للقتال، وهكذا أرادوا أن يعبروا للآخرين الذين هم خارج المعسكر، وساروا أفواجا في الطريق العام في انتظار أي وسائط نقل تقلهم لمرآب الحافلات أو لأي مكان قريب من بغداد، فخرجت لهم سيارتان تحملان 10 مسلحين يقودهم نجل سبعاوي، وأقنعوهم بأنهم يريدون مساعدتهم وأنهم ليسوا مع (داعش)، وإنما من عشائر تكريت وطلبوا منهم السير خلفهم لتوفير حافلات تقلهم إلى بغداد، وهذا ما فعله الجنود، خلال ذلك وصل عدد آخر من المسلحين وهم ليسوا من (داعش)، وأمروهم بأن يضعوا أيديهم فوق رؤوسهم وصعدوا سيارات حمل مكشوفة لينقلوهم إلى القصور الرئاسية، 56 قصرا، في منطقة العوجة (قصور صدام حسين سابقا) في تكريت».
وأضاف: «كان الجنود أخذوا غيلة، إذ سرى التخاذل والخوف بين صفوفهم، ولم يكونوا يتخيلون ولو للحظة أن هؤلاء المسلحين، وهم من أبناء تكريت، سيقتلون ما يقرب من ألفي جندي، وأدخلوا إلى منطقة القصور الرئاسية وبدأت هناك عملية الإعدامات الجماعية بهم فور وصولهم»، منوها إلى أن «مقر فضائية (الشعب) العائدة لي تبعد 100 متر عن الموقع الذي حدثت فيه المجزرة، وكنا نسمع أصوات إطلاق النار، وكنا نتصور أن المسلحين أخذوا هؤلاء الجنود أسرى لاستخدامهم ورقة ضغط على الحكومة ببغداد، وأن ثمة مواجهة مسلحة حدثت هنا أو هناك، ولم نكن نتصور أن هناك عمليات إعدام جماعية تنفذ من قبل عراقيين ضد أبناء بلدهم بعد أن أمنوا بهم ووثقوا بكلمتهم، ولا ذنب لهم سوى أنهم جنود في الجيش العراقي، ومن العار أن نسكت عن مثل هذه الجريمة»، مشيرا إلى أن «هناك من استطاع الهروب منذ البداية أو قبل ساعات من المجزرة أو بعدها بأيام وآوتهم بعض عشائر تكريت وأعادوهم إلى ذويهم».
وقال الجبوري إن «هؤلاء الذين نفذوا الجريمة تسامح المجتمع معهم على جرائم النظام السابق التي تورط فيها آباؤهم وأعمامهم، ونحن في تكريت مجتمع عشائري يؤمن بالثأر والانتقام، ومع ذلك منعنا أي أحد أراد الثأر منهم، بل حميناهم في العوجة، مسقط رأس صدام حسين، لكنهم عادوا وشعروا بالقوة وتصوروا أن الحكومة ببغداد ستسقط وأنهم سيسيطرون على السلطة، ناهيك بأنهم أرادوا الانتقام لصدام حسين وآبائهم الذين أعدموا بعد تغيير النظام السابق».
وحمل الجبوري «قادة وضباط الجيش العراقي مسؤولية ما حدث في سبايكر لسماحهم للجنود بالخروج من القاعدة مع أن (داعش) كانت قريبة منهم، والأوضاع الأمنية بعد سقوط الموصل كانت سيئة للغاية، فكيف يسمحون لهذا العدد الكبير من الجنود بالخروج وترك معسكر تابع للجيش العراقي؟!»، مؤكدا أن معلوماته تستند إلى «أشخاص كانوا شهودا على المجزرة داخل منطقة القصور الرئاسية ولم يشاركوا فيها والتقيتهم بعد حدوث الجريمة». وقال إن «(داعش) دخلت تكريت بعد يوم من حدوث المجزرة وأعدمت الشيعة من الجنود وأبقت على السنة منهم، وما يزال هناك عدد كبير من الأسرى لديهم».



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.