الناقد حبيب مونسي: لو كانت هناك معارك نقدية لرفعت السوية الأدبية

يرى أن الروايات الجزائرية مهلهلة لها صفة خبرية

د. حبيب مونسي
د. حبيب مونسي
TT

الناقد حبيب مونسي: لو كانت هناك معارك نقدية لرفعت السوية الأدبية

د. حبيب مونسي
د. حبيب مونسي

دكتور حبيب مونسي روائي وناقد وأستاذ النقد الأدبي بجامعة سيدي بلعباس بالغرب الجزائري، صدر له نحو عشرين كتاباً في النقد، فسمي بالمغرب العربي «شيخ النقاد»، من كتبه: القراءة والحداثة - مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية، ونظرية الكتابة في النقد العربي القديم، وتوترات الإبداع الشعري وفلسفة المكان في الشعر العربي، ونقد النقد- المنجز العربي في النقد الأدبي، ونظريات القراءة في النقد المعاصر، كما صدرت له ست روايات منها: متاهات الدوائر المغلقة، وجلالته الأب الأعظم، وعلى الضفة الأخرى من الوهم.
هنا حوار معه عن النقد والأدب الجزائري، وخاصة الرواية:
> واكبت الرواية الجزائرية محطات عرفها الأدب الجزائري قبل وخلال الثورة التحريرية وبعد الاستقلال، كانت هناك لغاية الثمانينات تيارات أدبية اشتراكية وليبرالية، وفي التسعينات ظهرت موجة العنف التي ألقت بظلالها على الأعمال الأدبية. كيف ترى خلالها مسارات وتحولات الأدب الجزائري ؟
- من السهل جداً أن تتلمس ملامح الأدب في الفترات الأولى، يعني الفترة الاشتراكية كان الأدب مجرد بيان الحزب، يعني أن المجاهد هو مناضل عامل أو الفلاح، كانت عندنا ثورات؛ الثورة الزراعية، والثورة الثقافية والثورة الصناعية، فكان الأدباء يدورون حول هذه المدارات بأفكارهم وبطروحاتهم، كان كذلك المرأة الموضوع الذي يدور حوله النقاش في محاولة تحريرها من الريف وإعطائها فرصة الوصول إلى المدينة والدخول إلى الجامعة والوصول إلى الوظيفة. وفي الثمانينات بدأت الرواية تنتقل من الرواية الواقعية إلى الرواية الذهنية، فأصبحت الأفكار تؤرق الأديب، فأصبح الحديث عن الإسلاميين وعن المشروع الإسلامي وعن الشخصية الإسلامية، وتثور الأسئلة هل يمكن أن يلبس الإنسان أردية فوق بعضها أن يكون وطنياً، ثم إن يكون إسلامياً، ثم إن يكون عربياً؟ هل يمكن لهذه الشخصية أن تظهر بهذه الأقنعة الثلاثة؟ ثم أضيف لهذه الإشكالية إشكالية العنف، فعرف نوع من التنميط في بناء الشخصية، نلاحظ أن الذين كتبوا عن الإرهابي، أنه ذلك الإسلامي الذي يلبس قميصاً، ويطلق لحيته ويعتمر قلنسوة بيضاء، صورة نمطية فارغة المحتوى الإنساني.
> أتعتقدون أنه بهذا التنميط تجنى الأدباء على الإسلاميين ؟
- كتبت مقالاً مطولاً وهو «الرواية والإرهاب» حاولت أولاً أن أفهم ما معنى الإرهاب، من هو الإرهابي؟ هو الذي يكون في الطرف الأخر؟، هو الذي يصفك بالإرهابي؟، أنت تستطيع أن تصف الآخر بالإرهابي، فأصبح نوعاً من التهمة مُسلطة على رقاب الناس، أستطيع أن ألصقها بأي أحد لا يعجبني. المشكلة أنه ولا روائي أخذ شخصية الإرهابي وحاول أن يدخل في أعماقها لكي يفككها، كما لم نجد ناقداً مثلاً تلبس شخصية هذا الفتى المُغرر به الذي تحول إلى هذا الشكل، وبدأ يبحث عن الأسباب من داخله، كلهم حينما قدموه، عرضوه في شكله المنتهي في شكله الإرهابي، الذي يحمل بندقيته أو يحمل سكينته أو سيفه، ولكن لا أحد حاول أن يتقمص هذه الشخصية ويمر بالمراحل لهذه الشخصية، وكنت أقول دائماً إن الرواية النفسية التي تستقطب، هي التي بإمكانها أن تقدم لنا هذا التفسير، لكن مع الأسف الشديد لم تكتب رواية بهذا الشكل.
> الرواية الجزائرية قدمت الإرهابي بالصورة النمطية للإرهابي... متشدد عابس، متجهم دائماً، بصفتك ناقداً كيف ترى ذلك؟
- هذا هو السؤال المحوري، الذي يطرح على كل كُتّاب الرواية العرب وليس الجزائريين فقط لأن هذه المسألة صارت الآن عربية بشكل واسع، مشكلتنا الآن وأتحمل تبعات هذه المسألة أن الروائي صار يتعجل في كتابة الموضوع، ممكن أن يمسك الروائي بموضوع وهو موضوع «الإرهابي» مثلاً ولكنه لا يعطي لنفسه فترة كافية لجمع الملفات وترتيبها وجمع الشهادات وزيارة الأماكن وتصويرها، ويدرس الشخصية جيداً وربما يستعين بخبراء بعلم النفس وخبراء في علم الاجتماع ويذهب إلى المحاكم ليستمع إلى المرافعات لهؤلاء عندما كانوا يحاكمون، ويأتي بهذا الملف الضخم من المعلومات ومنه يستطيع أن يصنع شخصية الإرهابي، يعني أن يدخل إلى الإرهابي المليان بأفكار وبنية اجتماعية وثقافية، كلهم ذهبوا إلى القشرة إلى هذا الشكل الذي عرضته وسائل الإعلام، وأخرجته اللقطات التلفزيونية إلى الخارج، وصار الناس يشاهدون هذا الشكل المنفر، حتى الطفل تسأله ما هذا الشكل ؟ يجيب بثقة هذا إرهابي بمجرد أنه يرى لحية طويلة أو أن يرى لباساً من هذا النمط.
التعَجُل في أن يصدر الروائي كل سنة رواية، أو أن يصدر نصاً، وعدم تحمل مسؤولية البحث العميق والذهاب إلى أقصى الحدود، هذا الذي جعل هذه الروايات روايات مهلهلة لها صبغة الإخبار. هنالك شيء كذلك مهم جداً حينما أنظر إلى الأسماء التي تكتب الرواية في الجزائر لا أجد بينهم اسماً خرج في كلية للأدب العربي، عادة ينتمون إلى الإعلام أو حقول غير حقل الأدب، لأن الذين تخرجوا في كلية الأدب هؤلاء على الأقل درسوا الرواية وتاريخها والاتجاهات الأدبية وما قاله النقد في هذا الخصوص، ولهم قَدْر معرفي بهذا النوع الأدبي، لكن هؤلاء الذين جاءوا من الإعلام جاءوا بمنطق الخبر، بمنطق الوصف، حدث حادث يذهب يكتب أشياء على السرعة ثم يأتي بها ربما أغراه أن يوسع الخبر البسيط إلى أن يكتب «عملاً روائياً» فلذلك عندما نقرأ أعمالهم تجد هذه الهلهلة وهذا الاختلال وهذا الانتقال من حالة إلى حالة دون أن يكون هناك نوع من التمكن، لقد قلت في كثير من الأحيان إن كل الفنون ممكن أن توصف بأنها فن إلا الرواية فهي حرفة.
> قد يفهم بعض الأدباء قولك هذا تشهيرا بأعمالهم؟
- أتحدث كناقد عن روايات تعدت على الأدب لأن المشكلة في غياب الناقد العربي، لست أدري إذا جاز لي أن أقول إن الناقد العربي جبن في فترة من الفترات، مثلاً المعارك الأدبية التي قرأناها أيام طه حسين كان الصراع مفتوحاً بين الأطراف بأسمائهم هذا يقول كلمة اليوم يصدر غداً مقال يرد، هذه المعارك الجميلة لا توجد الآن، لو وجدت هذه المعارك لكانت رفعت السوية الأدبية. الآن مسألة الشهرة والتشهير، عندك طريقتان للشهرة والتشهير، إما أن تتمرد على نظام أياً كان هذا النظام، وفي هذه الحالة سيتولى النظام التشهير بك، ستجد نفسك لاجئاً، وأطراف أخرى تحتضنك، وستجعل منك هذه الأطراف أداة لتضرب بك هذا النظام، هذا كلام معروف في جميع الدول العربية، وإما أن تتمرد على أشيائك الخاصة وتبدأ في اتهام دينك واتهام وطنيتك واتهام أصلك وفصلك وهكذا ستتبناك أطراف أخرى وستستعملك أداة لتفكيك هذا المجتمع وبث الفرقة فيه، هذه العملية موجودة على مستوى العالم العربي كله، لا أحد ينجو من هذه الطريقة حتى إن شهرة بعض الناس تأسست على هذا الأسلوب من هذا الكتابة.
ولكن اسمحي لي أنا لا أسمي هذا أدباً إطلاقاً حتى وإن بلغ صاحبه ما بلغ من الصيت لا أسميه رواية وإنما نصوص تكتب من أجل أغراض، هذا لا أحتفي به ولا أقرأه.
> الأدب الجزائري بلسانين؛ العربي والفرنسي أيهما لامس دواخل الشخصية الجزائرية وهموم الجزائريين برأيك؟
- الذين كتبوا في الفترة الأولى كتبوا انطلاقاً من الثورة، من مفهوم الثورة، مفهوم التحرر، مفهوم النضال، الآخر باللغة الفرنسية كان بالنسبة إليهم ذلك الذي يقف في وجه الحرية، الذي يجب إزالته لكي تكتسب البلاد استقلالها ويكتسب الجزائري إمكانية ظهوره على الساحة العالمية. ذلك الحوار مع الآخر كان حواراً تصادمياً، كان نوعاً من المدافعة، لكن بعد الجيل الأول، بدأت القضايا الإنسانية تظهر بشكل مختلف، وبدأ الآخر لا يشكل هذه العقبة، بل بالعكس صار الآخر هو هذا الامتداد الإنساني، صار هذا الآخر هو الذي يطرح مفاهيم جديدة في الحرية، صار الآخر ليس كله سيئاً، وإنما هناك الجزء الاستعماري هو الجزء السيء ولكن الأجزاء الأخرى يمكن قبولها ويمكن الأخذ عنها. ولذلك سنجد كثيراً من الذين كتبوا في الثمانينات وفي بداية التسعينات من هذا الجيل الذي بدأ يتفهم أن الرواية وأن القصيدة الشعرية وأن المسرحية ممكن أن تنفتح على الآخر باعتباره عنصراً إنسانياً سواء كتب بالعربي أو الفرنسي. لكن الذين كتبوا بالفرنسية كانوا أكثر جرأة، وأكثر انفتاحاً باعتبار أن اللغة والمشارب القريبة لفرنسا قريبة جداً منا، وأن هذا العبور ذهاباً وإياباً كان عبوراً سهلاً بالنسبة لهؤلاء، فاستطاع هؤلاء أن تكون لهم صداقات وأن تكون لهم قرابات من الناحية الأخرى بينهم وبين كتاب وشعراء، واستطاعوا أن يتجاوزوا تلك العقبة التي كانت في فترة الاستعمار، عقبة تدل على الآخر المعادي. ثم يجب أن ننتبه أن هناك أدباً ما يسمى بالأدب الكولونيالي، والأدب ما بعد الكولونيالي. الأدب الكولونيالي هو الذي كرسته فرنسا من أجل التوطين، هذا الذي كان ينظر إلى الجزائر باعتبارها قطعة من فرنسا، وباعتبار المجتمع الجزائري ممكن أن يذوب في المجتمع الفرنسي، وأن يتبنى الثقافة الفرنسية. الأدب ما بعد الكولونيالي هو الأدب الذي بدأ يساير فرنسا.
> من هم رواد الأدب الكولونيالي في الجزائر؟
- ألبير كامو من وهران، وهناك أدباء ولدوا في الجزائر ونشأوا فيها، كانوا يعتقدون أنهم جزائريون أكثر منا جزائرية، لذلك عندما كتبوا نظروا إلى الجزائر باعتبارها امتداداً جغرافياً وامتداداً تاريخياً، وعادوا بها إلى الرومان وإلى الحقب القديمة، أرادوا مزج التاريخ وكأنهم تخطوا تلك الفترة الإسلامية، وحاولوا أن يعيدوا ربط الصلة بالماضي والحاضر. لذلك الآن حينما ندرس هذه الآداب ننظر إليها باعتبارها إما أنها تمثل أدباً كولونيالياً واضح العلامة وإما مابعد الكولونيالية، في حين أن كثيراً من الشباب اليوم الذين يكتبون باللغة الفرنسية وكذلك الذين يكتبون باللغة العربية بدأوا يتبنون بعض مفاهيم الحداثة، مفاهيم التنوير، من رواد هذا الأدب واسيني الأعرج، وأمين الزاوي، هؤلاء الذين يكتبون الآن مواضيعهم لم تعد مواضيع جزائرية فقط، صارت مواضيعهم مواضيع عالمية مثل ياسمينة خضرة.



«بين الضباب والمسار»... كيف تحولت الذاكرة العربية إلى لوحات؟

جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)
جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)
TT

«بين الضباب والمسار»... كيف تحولت الذاكرة العربية إلى لوحات؟

جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)
جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)

ليس من السهل أن يجتمع فنان يمني وآخر سعودي وثالثة كويتية في معرض واحد، ثم يكتشف الزائر أن ما يجمعهم ليس المدرسة الفنية ولا الأسلوب التشكيلي، بل الذاكرة نفسها. ذاكرة حملها كل واحد منهم من وطنه، واحتفظ بها سنوات طويلة، قبل أن يُعيد رسمها على جدران معرض «بين الضباب والمسار» في جدة.

قبل عقود، جلس حكيم العاقل، وعبد الستار الموسى، وثريا البقصمي في قاعات أكاديمية سوريكوف للفنون الجميلة في موسكو، يتعلمون قواعد الرسم، وبناء الضوء، وتشريح الجسد، وفلسفة اللون. لكن المدينة الروسية البعيدة لم تصنع منهم نسخاً متشابهة؛ بل أعادت كل واحد منهم إلى بلده وهو يحمل لغة بصرية مختلفة، لكن بقي سؤال الهوية والذاكرة هو الخيط الذي لم ينقطع بينهم.

لوحة غسلة الرجل للفنان عبد الستار الموسى (حافظ جاليري)

بالنسبة للفنان اليمني حكيم العاقل، لا تبدأ اللوحة من الجبل، ولا من المرأة، ولا حتى من الضباب الذي يتكرر في أعماله، بل من الذاكرة. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «الذاكرة ليست خزاناً للماضي، بل النواة الصلبة التي تشكل المستقبل»، مؤكداً أن الفن لا يؤدي وظيفة التوثيق وحدها، وإنما يتحول إلى «الحارس البديل» للهوية، حين تتبدل الأمكنة وتتغير ملامح المجتمعات. ولهذا، لا يرى في المرأة والجبال عناصر تشكيلية بقدر ما يراها ركائز للوجود اليمني؛ فالمرأة بالنسبة له تُمثل الاستمرار والخصوبة، والجبل يرمز إلى الكبرياء والثبات، في حين يتحول الضباب إلى مساحة بين الواقع والخيال، يخفي الماضي بقدر ما يكشفه.

لوحة حوريات الجبال للفنان عبد الحكيم العاقل (حافظ جاليري)

ويستعيد العاقل سنوات دراسته في موسكو بوصفها لحظة تأسيس فني، لكنه يؤكد أنه عاد إلى اليمن ليبحث عن ضوء مختلف. يختصر تلك الرحلة بقوله «في موسكو تعلّمت كيف أرى الضوء، وفي اليمن تعلمت كيف أتنفس اللون».

ويضيف، المدرسة الروسية منحته الانضباط في بناء اللوحة، لكنه لم يحملها كما هي، بل جعلها إطاراً يحتضن الروح اليمنية، حتى أصبحت الجبال والوجوه والقرى في أعماله أقرب إلى الأسطورة منها إلى المشهد الواقعي.

وحين يُسأل عن اليمن بعد سنوات طويلة من التحولات، لا يتحدث عن الخراب، بل عن البقاء، قائلاً إنه إذا أعاد رسم ذاكرة بلاده اليوم فسيرسمها «ناجياً أبدياً يرتدي جباله عباءة، وينتظر الصباح».

وفي الطرف الآخر من المعرض، تبدو ثريا البقصمي كأنها تكمل الجملة نفسها، ولكن من زاوية مختلفة، فالمرأة التي يرسمها العاقل بوصفها امتداداً للأرض، تراها ثريا البقصمي محوراً للتغيير الاجتماعي، لا مجرد رمز للجمال.

لوحة الأرض الطيبة للفنانة ثريا البقصمي (حافظ جاليري)

وتقول لـ«الشرق الأوسط»، المرأة في الفن العربي خرجت عن دورها التقليدي داخل اللوحة، ولم تعد مجرد حضور يزين المشهد، بل أصبحت تُمثل الطموح، والقدرة على التغيير، وصناعة المستقبل.

وترى أن هذا التحول جاء نتيجة تطور الحركة الفنية الخليجية، وانفتاح الفنانين على تجارب العالم، ومن بينها تجربتها الشخصية في الاتحاد السوفياتي؛ حيث كان الإنسان محور الدراسة الأكاديمية، في وقت كانت فيه العديد من التجارب الخليجية لا تزال تميل إلى رسم المناظر الطبيعية والعناصر الفلكلورية.

وتؤكد أن هذه التحولات انعكست مباشرة على أعمالها، التي تناولت قضايا المرأة وحقوقها، قبل أن تبلغ ذروتها مع لوحتها الشهيرة «لا للاحتلال»، التي رسمتها بعد أيام قليلة من الغزو العراقي للكويت.

وتستعيد تلك اللحظة بوصفها واحدة من أكثر محطات حياتها تأثيراً، موضحة أن اللوحة صُممت لتوزع سراً على أفراد المقاومة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى عمل اقتنته متاحف ومجموعات فنية، وظلت بالنسبة إليها التعبير الأصدق عن رفض الكويتيين للاحتلال.

ورغم أنها تجمع بين الرسم والكتابة، فإنها ترى أن لكل منهما لغته الخاصة، وتقول إن اللوحة لا تولد بالأبجدية نفسها التي تولد بها الكلمة، وإن ما يجمعهما هو الخيال، أما أدوات التعبير فتبقى مختلفة تماماً. ولعل أكثر ما يلفت ثريا البقصمي في معرض جدة أن اختيار الأعمال جرى بصورة مستقلة، لكن المرأة حضرت بوصفها القاسم المشترك بين الفنانين الثلاثة، رغم اختلاف أوطانهم وتجاربهم.

وهنا يكتسب عنوان المعرض، «بين الضباب والمسار»، معنى آخر، فالضباب لا يُحيط بالجبال في لوحات حكيم العاقل وحدها، بل يحيط أيضاً بالذاكرة العربية نفسها؛ تلك الذاكرة التي يحاول فيها كل فنان إنقاذها بطريقته. العاقل يبحث عن ذاكرة المكان، وثريا تتمسك بذاكرة الإنسان، في حين يوثق عبد الستار الموسى ذاكرة المجتمع من خلال وجوهه وحياته اليومية، لتلتقي التجارب الثلاث عند سؤال واحد: كيف يمكن للفن أن يحفظ ما يعجز الزمن عن الاحتفاظ به، وربما لهذا السبب لا يبدو المعرض مجرد لقاء لثلاثة فنانين درسوا في موسكو، بل يبدو حواراً بين 3 أوطان عربية، اختارت أن تروي قصصها بالألوان بدلاً من الكلمات، وأن تجعل من اللوحة مكاناً تقيم فيه الذاكرة، حتى عندما يتغير كل شيء خارج إطارها.


جينا أبو زيد: لا بدَّ من إتاحة الفرص أمام كتَّاب الدراما الشباب

جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة
جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة
TT

جينا أبو زيد: لا بدَّ من إتاحة الفرص أمام كتَّاب الدراما الشباب

جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة
جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة

تخوض الممثلة جينا أبو زيد تجربة جديدة من خلال شخصية «ياسمين» في المسلسل المُعرَّب «حب عَ ورق»، حيث تُطل لأول مرة في دور يمزج بين الكوميديا والجدية. وتؤكد، في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، أنها تحرص على الابتعاد عن تكرار الشخصيات، وتسعى دائماً إلى اختبار مساحات تمثيلية مختلفة.

وعن هذه المرحلة من مسيرتها، تقول: «أؤمن بأن النجاح نتيجة الاجتهاد، إلى جانب الحظ. وكل فرصة أحصل عليها تدفعني إلى بذل جهد أكبر لإثبات نفسي، والاستفادة منها بأفضل شكل».

وعن رؤيتها مستقبل الدراما، ترى جينا أن القطاع يحتاج إلى إفساح المجال أمام جيل جديد من الكتَّاب، وتقول إنها تميل إلى الأعمال التي تعكس الواقع، مشيدةً بتجارب جورج خباز وكارين رزق الله في هذا المجال. وتضيف: «أتمنى أن تُمنح الفرصة أيضاً لكتّاب الدراما الشباب، فهم الأقدر على التعبير عن أسلوب حياة جيلهم وتقديم رؤية جديدة إلى الشاشة».

تسعى إلى تنويع اختياراتها الفنية من خلال «حب عَ ورق» (جينا أبو زيد)

وتبقى السينما المجال الذي لم تخضه بعد، وتقول: «أتمنى أن أخوض هذه التجربة قريباً، فالسينما اللبنانية تستحق دعماً أكبر، وأتطلع إلى تقديم تجربة مختلفة تضيف إلى مسيرتي».

أما عن شخصية «ياسمين»، فتصفها بأنها امرأة منظمة تُحب السيطرة على التفاصيل، لكنها تتمتع أيضاً بخفة ظل، الأمر الذي تطلب منها تحقيق توازن دقيق بين الجدية والكوميديا.

ولم يقتصر التغيير على الأداء، بل شمل أيضاً إطلالتها؛ إذ اعتمدت «لوك» جديداً صُمِّم بما يتناسب مع الشخصية. وتضيف: «في أعمالي السابقة ظهرتُ بشخصيات بسيطة، أو من دون مكياج تقريباً، أما هنا فاستمتعت بهذه الإطلالة؛ لأنها عكست جانباً مختلفاً من شخصيتي الفنية، ومنحتني مساحة جديدة للنضج».

وعن دخولها عالم الكوميديا لأول مرة، تقول: «قدمت سابقاً شخصيات رومانسية، ومظلومة، وأخرى تميل إلى الشر، لكن الكوميديا كانت تجربة جديدة بالنسبة إليّ. وهي من أصعب أنواع التمثيل؛ لأنها تحتاج إلى توازن كبير حتى لا يقع الممثل في المبالغة. لذلك؛ أسعدني تفاعل الجمهور مع شخصية (ياسمين)، وأتمنى مستقبلاً تقديم شخصية شريرة أيضاً».

تُبدي إعجابها بالخلطة التمثيلية الشابة المشاركة في «حب عَ ورق» (جينا أبو زيد)

يجمع مسلسل «حب عَ ورق» مجموعة من الوجوه التمثيلية الشابة، من بينهم ممثلون يخوضون تجربتهم الدرامية الأولى. وعن هذه التجربة، تقول جينا: «أحببت هذه التوليفة؛ لأن الجميع قدم أداءً طبيعياً بعيداً عن التصنع. كما فتحت المسلسلات المعرّبة أبواباً واسعة أمام المواهب الشابة، وخلال أشهر التصوير كوَّنَّا علاقات إنسانية جميلة ما زالت مستمرة حتى اليوم». وتؤكد أن العمل شكَّل محطة مهمة في مسيرتها؛ إذ أتاح لها التعاون مع وجوه جديدة، واكتساب خبرات مهنية وإنسانية تركت لديها ذكريات مميزة.

كما أشادت بزميليها هيا مرعشلي وأنس طيارة، مؤكدة أن الأجواء الإيجابية بين فريق العمل انعكست على العمل.

وعن النسخة التركية الأصلية: «أنتَ اطرق بابي»، تكشف عن أنها شاهدت أجزاءً منها بدافع الفضول فقط، مضيفة: «أردت التعرف إلى الشخصية، لكنني لم أرغب في تقليد الأداء. فضلت أن أقدمها بطريقتي بما يناسب البيئتين اللبنانية والسورية».

تُشيد بالثنائية التي تجمعها مع الممثل رامي أحمر (جينا أبو زيد)

وتؤكد جينا أن نجاح الأعمال المُعرَّبة يكمن في جعلها أقرب إلى المشاهد العربي، مضيفة: «نجح الكاتب في تكييف الحكاية مع واقعنا، فبدت الشخصيات وسلوكها أصدق، وأقرب من الجمهور».

وفي المسلسل، تجمع «ياسمين» علاقة خاصة مع «كريم»؛ الشخصية التي أداها رامي أحمر، لكنها تكتفي بالقول إن تطور الأحداث سيكشف عن أبعاد هذه العلاقة وجوانب أخرى من شخصيتها.


«لحظة واحدة»... «ديودراما» مصرية تُجدد الشغف بالمسرح

العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)
العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)
TT

«لحظة واحدة»... «ديودراما» مصرية تُجدد الشغف بالمسرح

العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)
العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)

ينتقد العرض المسرحي «لحظة واحدة» أوضاع المسرح المصري وغياب الجمهور عنه، من خلال بطلته التي تُجسد دور ممثلة كبيرة تشعر بغربة بين ماضٍ كان يشهد زحاماً بالمسرح، وعرضها الأخير الذي لم يحضره سوى 3 أشخاص، ما جعلها توجه صرخة ضمن مشاهد المسرحية تقول فيها: «المسرح مات وأنا أيضاً لا بد أن أموت».

العرض الذي ينتمي إلى فئة «الديودراما»، التي تقوم على اثنين فقط من الممثلين، تؤدي بطولته الفنانة ماجدة منير والممثل الشاب إسلام شوقي، وهو من تأليف وإخراج يوسف مراد منير، ويُعرض بقاعة «صلاح جاهين» بمسرح البالون. وفيه تنتاب الممثلة الكبيرة «سميرة» حالة من اليأس جرّاء ظروف تُحيط بها، تعرضها لنوبات من الإحباط؛ حيث تتفاقم عليها مصاعب الوحدة وتعيش على ذكريات حبها وعملها مع زوجها المخرج الراحل، في حين تواجه تهديداً بالطرد من الشقة التي تحمل كل ذكرياتها لعدم قدرتها على دفع الإيجار، وتتدهور أحوالها في العمل، وتروي كيف تجرأ منتج عليها، وترى أنه لم يعد أحد يهتم بالآخر، فكل شخص مشغول بحاله، وتتذكر أنه في آخر عرض مسرحي لم يحضر سوى 3 أشخاص فقط من الجمهور. وبينما هي تجتر أحزانها تجد نفسها في مواجهة «ملك الموت» الذي جاء يقبض روحها، تستمهله لحظة واحدة تتحول إلى لحظات، تستعيد خلالها ذكرياتها الحلوة، حين التقت زوجها وقصة حبهما وعملهما معاً بنجاح قبل أن يتركها وحيدة.

بطلا العرض استعادا فترات ازدهار المسرح (الشرق الأوسط)

يُقدّم العرض تحية للمسرح المصري؛ إذ تستعيد الممثلة خلاله مشاهد من أعمال مسرحية خالدة لشكسبير وكبار المؤلفين، كما تشارك بطل العرض أداء عدد من الأغنيات الراسخة في تاريخ المسرح المصري، من أعمال فؤاد المهندس ومدبولي وشادية، إلى جانب قصيدة صلاح جاهين «على اسم مصر» وأوبريت «الليلة الكبيرة». وقد تفاعل الجمهور بحماس مع هذه الفقرات الغنائية، كما تفاعل مع المواقف الكوميدية التي حملتها المسرحية.

يقول المخرج يوسف مراد منير إنه أراد من خلال العرض أن يلفت الانتباه إلى ما يواجهه المسرح المصري في الآونة الأخيرة، وما يواجهه الممثلون الكبار والشباب على حد سواء. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفكرة عكست رسالة حب للمسرح الذي أثّر في وجدان الجمهور على مدى أجيال»، مؤكداً أنه عاش فترات ازدهار المسرح؛ حيث كان يصطحبه والده المخرج مراد منير معه، ورأى كيف يتسابق كبار النجوم على تقديم عروضه، فيما يواجه حالياً أزمات كثيرة، من بينها إلغاء بند الدعاية من ميزانيات العروض المسرحية، عادّاً العرض «صرخة في مواجهة أوضاع المسرح حالياً»، على حد تعبيره.

ويُشير يوسف إلى أن فكرة التعامل مع الفنان حين يكبر عاشها في الواقع من خلال والدته الفنانة الراحلة فايزة كمال، وعن ذلك يقول: «كان صناع الأعمال الدرامية قبل مرضها يطلبونها في أدوار هامشية، وبأجور مهينة، وهذا الأمر أثر عليَّ؛ لذا طرحته من خلال المسرحية».

ويلفت إلى أن بطلة العرض الفنانة ماجدة منير لم تقدم مسرحيات منذ 15 عاماً، لأنها لم تجد ما يناسبها، وتحمست لهذا النص، وأن الممثل إسلام شوقي الذي يقدمه لأول مرة على مستوى الاحتراف سبق أن قدم أعمالاً كثيرة حاز عنها جوائز ضمن عروض معهد الفنون المسرحية الذي يعمل معيداً به.

ويؤكد يوسف أنه حرص على «تقديم عرض يحقق أيضاً المتعة من خلال المواقف الكوميدية ليكون جاذباً للجمهور، ونحن نسخر من أزماتنا كعادة المصريين»،

المسرحية حملت لحظة يأس ومفارقات كوميدية (الشرق الأوسط)

وحسب الناقدة الدكتورة سامية حبيب فإن مسرحية «لحظة واحدة» تُثير حالة من الشجن واجترار الألم، في حين يطرح العرض مقتطفات فنية من عروض مسرحية وأشعار وأغنيات، ما يخلق تنوعاً في الحدث، مؤكدة أن الفنان يعيش دائماً بين أعماله الفنية التي أثَّرت في تكوينه، وأن العمر لم يذهب هباءً رغم أن بطلته تشعر بعكس ذلك.

وتشيد سامية حبيب بأداء الفنانة ماجدة التي عبّرت في لوحات العرض عن شعور فنانة في نهاية العمر، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»: «هذا ليس جديداً عليها؛ لأنها ممثلة كبيرة حققت تاريخاً طويلاً في المسرح، وبشكل خاص عروض الثقافة الجماهيرية»، كما ترى أن الممثل إسلام شوقي كان مفاجأة العرض؛ حيث يتمتع بحضور لافت وروح كوميدية في تقديمه شخصية «ملك الموت» الذي يصبح مصدراً لسعادة بطلة العرض.

كما تلفت سامية حبيب إلى أن الموسيقى كانت من العناصر الجميلة التي منحت العرض حيوية. وأشادت الناقدة الفنية بموهبة المخرج يوسف مراد منير، وقالت إن له تجارب سابقة حصلت على جوائز عدة، مثل «سجن النسا»، وعدّته مخرجاً واعداً قادراً على توصيل أفكاره بسلاسة ووضوح.