تطبيقات البث التلفزيوني الرقمية العربية... قواعد المشاهدة على وشك التغيير

تحول عالمي في عادات استهلاك الترفيه

قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
TT

تطبيقات البث التلفزيوني الرقمية العربية... قواعد المشاهدة على وشك التغيير

قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية

بدأت ظاهرة تطبيقات البث التلفزيوني تغزو العالم بعد الطفرة التي حققتها «نتفليكس» وتطبيقات أخرى مثل «هولو» و«سكاي» و«ديزني»، وأخيراً «آبل تي في»، والتي خلقت نهما في سلوك الاستهلاك الترفيهي حول العالم. على أثره دخلت مصر وعدد من الدول العربية هذا المضمار، حيث تفاجأ الجمهور المصري والعربي حول العالم بحجب المسلسلات الرمضانية على موقع يوتيوب مع إطلاق تطبيق «واتش إيت».
ورغم أن شرائح كبيرة من الجمهور كانت قبل أعوام تدفع اشتراكات لقنوات «إيه آر تي» وحاليا «أو إس إن» وأيضاً تطبيق «نتفليكس»؛ إلا أن ذلك أثار صدمة لدى الجمهور الذي كان يفضل الهروب من الفواصل الإعلانية التي تمتد لأكثر من 15 دقيقة لمدة 4 مرات خلال حلقة مسلسل مدتها 30 دقيقة. كذلك منع الفنانين من متابعة حجم الإقبال الجماهيري على الأعمال المشاركة في الماراثون الرمضاني التي كانت تقدر بملايين المشاهدات.
قبل فترة وجيزة خرج تامر مرسي، رئيس مجلس إدارة مجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية، بتصريح يوضح أن «معظم شركات إنتاج المحتوى العالمية سواء مسلسلات أو أفلام أو القنوات المتخصصة في مختلف الأنواع من المحتوى المميز سواء الدرامي أو الرياضي أو الترفيهي اتجهت عالمياً ومنذ فترة إلى حماية حقوق الملكية الفكرية للمحتوى، فلا تجده متاحاً على منصات مجانية بالجودة الفائقة المطلوبة للمشاهد بعدما تقدمت طرق المشاهدة من خلال التلفزيونات أو الهواتف الذكية، وتجده متاحاً على منصات رقمية متخصصة، لذا كان الاتجاه إلى حماية حقوق المحتوى الدرامي المصري بإنشاء تلك المنصة الرقمية الجديدة، لنقوم بجزء من دورنا في تحديث طرق تقديم المحتوى للمشاهد».
«ادفع لتشاهد» pay - per - view مبدأ ليس بالجديد فيما يخص استهلاك الترفيه، فطالما كان المشاهد يدفع ليشاهد فيلما في السينما، ثم بات يدفع نظير أقراص مدمجة لمشاهدة حلقات «ليالي الحلمية» بأجزائها من شركة صوت القاهرة ويحتفظ بها وهكذا... وفكرة ادفع لتشاهد ليست بالجديدة؛ بل إن تاريخها يعود إلى عام 1970 حينما بدأ المشاهد الأميركي يدفع نظير مشاهدة مباريات المصارعة، وغيرها من المحتوى الترفيهي عبر ما تبلور فيما بعد بظاهرة «كيبل».
وفي مصر يظهر جلياً متابعة الآلاف على ما يبث على «نتفليكس» في ظل كل الظروف الاقتصادية، فإن هناك شرائح كبيرة من المشاهدين المصريين يتابعون ما يبث عليه، وظهر جليا متابعة فيلم مثل «بيردبوكس» لساندرا بولوك الذي تم تصميم الكثير من الكوميكس حوله. وهو ما شجع على إطلاق تطبيق «واتش إيت» في مصر، ومن المتوقع أن تحذو شركات إنتاج أخرى حذوه في محاولة للترويج لبضاعتها القديمة، واستغلالها من جانب ومن جانب آخر حماية ملكيتها. السؤال الذي يجب أن نتابع مآلاته هل يصبح «يوتيوب» فيما بعد مقصورا على البث الخاص بالهواة فقط؟
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء خبراء حول أثر تطبيق مبدأ «ادفع لتشاهد» على تغيير عادات المشاهدة لدى الجمهور العربي.
قالت الدكتورة أماني ألبرت، أستاذة العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة بني سويف جنوب العاصمة القاهرة، إن «وجود تطبيقات مثل (شاهد) و(نتفليكس) ستجلس الجمهور مرة أخرى على العرش؛ ليصبح المستهلك هو الملك من جديد»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «بالطبع ستؤثر على نوعية المحتوى المعروض. وكونها مدفوعة الأجر سيعطينا أرقاما دقيقة عن عدد مرات المشاهدة الحقيقية ما يؤشر لنا بمدى الإقبال على العمل أم لا»، لافتة إلى أن «هناك استسهالا واضحا في صناعة المحتوى قائما على النقل الحرفي عن أعمال أجنبية».
وترى ألبرت أن هناك إيجابيات متعددة لتطبيقات المشاهدة، منها «أن اختيار الجمهور لما يشاهده سيمكنه من رفض تسطيح المحتوى والمضامين وستتمكن الأعمال الجيدة من فضح الأعمال الرديئة بسهولة، وستوفر وقت المشاهد الذي قد يلجأ إليها هرباً من الفواصل الإعلانية الطويلة بين المسلسلات، والتي تمنع المشاهد من الاستمتاع بالعمل»، مؤكدة «ستكون هذه التطبيقات مرحلة ثالثة من تغير عادات المشاهدين الذين أولا كانوا ينتظرون موعد المسلسل لمشاهدته عبر القنوات الفضائية، وهروباً من الفواصل الطويلة لجأوا لمشاهدته عبر اليوتيوب، وبعد أن بدأ في تفعيل حذف المحتوى تقف هذه التطبيقات كمنفذ للاستمتاع بالأعمال الفنية ولكن مدفوعة الأجر. ولكن تبقى نوعية المضمون الذي يتم بثه عبر هذه التطبيقات مرهونة بمدى إصرار القائمين عليها على التدقيق في اختيار الأعمال وعرض أفضلها أو الحاصل منها على جوائز لتعمل على الارتقاء بذوق المشاهد».

تحرر المحتوى

أما الإعلامية والمخرجة التونسية، مبروكة خضير، فترى أن «تاريخ الإعلام لطالما كان دائم التغير». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «سواء الجمهور أو صناع الإعلام فإنهم جميعا يحاولون التأقلم مع مستجداته، لكن لا تزال نسب مشاهدة القنوات الفضائية في العالم العربي كبيرة»، مؤكدة أن «المشاهد اليوم مدلل فهو ينتقي من بين عدة خيارات لاستهلاك الترفيه، وهو في حل مما كانت تفرضه عليه القنوات المحلية أو الفضائيات من محتوى أو خطاب رديء». وتلفت إلى أن شركات الإنتاج الآن تنفق أموالا طائلة لإنتاج مواد ومحتوى يبث عبر تطبيقات المشاهدة ربما تفوق الإنتاج السينمائي أو التلفزيوني التقليدي.
وحول تغير عادات المشاهدة، أكدت خضير من خلال خبرتها في العمل بتلفزيون دويتشه فيله أن «المشاهدين هربوا إلى عالم (يوتيوب) بشكل لافت، وهو ما مهد لمرحلة تالية؛ إذ باتوا على استعداد للاشتراك في التطبيقات المدفوعة للهروب من موجة الركاكة التي تعتري الكثير من الأعمال الدرامية فهو يدفع نظير أن يجد محتوى يمتعه، وهنا تساعدنا هذه التطبيقات على إمكانية تحليل المحتوى بشكل جاد مختلف عن أرقام مشاهدات يوتيوب بشكل أكثر دقة عن ميول المشاهدين». وقالت خضير: «طبقت جريدة لوموند الفرنسية هذا المبدأ وعدد من القنوات الأميركية والأوروبية وتنتج مواد أكثر استقلالية».

تغير المعادلة

«لمة العيلة أمام التلفاز أمر ولى وانتهى»، هكذا يرى المخرج التلفزيوني والإعلامي الأردني، فراس عبندة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عادات المشاهدة بالفعل تغيرت مع انتشار الأجهزة الذكية، فكل فرد من أفراد الأسرة يشاهد ما يتفق مع ميوله ورغباته حتى لو كانوا بنفس المكان فهم لا يحضرون مادة واحدة على التلفزيون؛ لأن العصر تغير إلى جانب ضيق الوقت»، مؤكداً «لا أعتقد أن التلفزيون التقليدي إلى زوال بل ستتغير المعادلة، سيكون منصة مساندة للتطبيقات لكن نسب المشاهدة الحقيقية سوف نعرفها عبر هذه التطبيقات، الإعلام التقليدي كان يعتمد على الإعلانات الآن المعادلة أصبحت تعتمد على نسب المشاهدة، وقد بدأت منذ عدة سنوات المحطات التلفزيونية التقليدية الكبرى بتخصيص تطبيقات توازي البث العادي مثل (شاهد)».
«المواطن العربي اقترن الإنترنت لديه بالمجانية» يلفت عبندة إلى أن انتشار تطبيقات البث التلفزيوني يحتاج لمزيد من الوقت في العالم العربي، ويقول: «التطبيقات موجودة بالأردن لكن على استحياء فغالبية الأردنيين يعتمدون على (يوتيوب)، فضلا عن العامل الاقتصادي الذي يؤثر على قطاعات كبيرة من المواطنين الأردنيين والعرب بشكل عام».
يؤكد المخرج الأردني أن «التلفزيون بطل يجمعنا والتغير سمت إعلامي، وقد اعتادنا منذ التسعينات على قنوات الأوربيت وإيه آر تي وكان النقاش حول الأعمال التي تعرض على هذه القنوات محدود النطاق إلى أن يتم توزيعها بعد عام مثلا على القنوات المفتوحة، ثم تحولنا خلال العامين الأخيرين للاعتماد كلية على (يوتيوب) وبات رأس المال يوجه لإنتاج برامج وأعمال عليه وهكذا سيظل التطور في المستقبل يتيح الكثير من الخيارات للمشاهد».
وفي إطلالة على تطبيقات المشاهدة في ألمانيا، قالت الدكتورة حنان بدر، مدرس بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، وجامعة برلين، وهي متخصصة في الإعلام الدولي والمقارن لـ«الشرق الأوسط»: «في ألمانيا يتم جمع اشتراكات للبث التلفزيوني الحكومي 17 يورو لكل منزل، والقنوات العامة أيضا لديها تطبيقات بث تلفزيوني مجانية؛ لأنه لا أحد يتابع التلفزيون كما كان الوضع في الماضي، بل ندخل لنختار الحلقات في الوقت المناسب لنا، فضلا عن تطبيقات مثل «سكاي» التي تطبق مبدأ «ادفع لتشاهد» بألمانيا القانون صارم جدا أن من يقوم ببث تورنت يتم تجريمه وعقابه قانونيا بغرامة ضخمة تصل لألف يورو»، مضيفة: «أما إنتاج الدولة من مسلسلات تاريخية ومحتوى جاد يظل متاحا مجانا للجمهور لفترة ثم يتم تسويقه على أقراص مدمجة، أما المحتوى الترفيهي فعادة ما يكون باشتراك خاص». وتلفت إلى أنه «في مصر كانت هناك فترة كان الناس يدفعون خدمات (الوصلة) التي تعمل كباقات غير رسمية تبث محتوى للمشتركين».
وقالت بدر إن «علاقة المواطن بالإعلام علاقة إشكالية في العالم كله ومع تأثير التكنولوجيا، وقرصنة البرامج والمسلسلات على يوتيوب قبل إذاعتها يعد ذلك نقطة مفصلية في ظهور تطبيقات البث التلفزيوني، فضلا عن الفواصل الإعلانية الكثيرة التي دفعت المشاهدين للإقبال على خدمة ادفع لتشاهد».
وتسلط بدر الضوء على مصطلح «دمقرطة الاتصال»، بأن جمهور الإنترنت تصور أن الإنترنت سيقوم على مبدأ الإتاحة المجانية للجميع بشكل ديمقراطي، لكن سياسات الإعلام من جانب آخر تتطلب حماية الإنتاج الفكري والفني».
وعن عادات المشاهدة في أميركا، قال الكاتب الصحافي المقيم في واشنطن توماس جورجسيان لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه التطبيقات الجديدة والمتجددة باستمرار غيرت بالتأكيد طبيعة علاقة المشاهد مع الأفلام والمسلسلات التلفزيونية وأيضا عاداته وتقاليده في المشاهدة والمتابعة لأحدث ما يتم إنتاجه وبثه، وبالتالي صار كل هذا متاحا أينما كنت وبسعر أقل وبإمكانية مشاهدته أيضا كمجموعة وصحبة بسعر واحد فقط».
ويلفت جورجسيان إلى أن «التغير الأهم والأكبر هو أن هذه الشركات أنتجت أفلاما ومسلسلات أميركية وعالمية كثيرة جدا طالما أن الجمهور متوافر، (نتفليكس) على سبيل المثال لديها نحو 150 مليون مشترك عالميا منهم 60 مليونا في الولايات المتحدة وحدها... كما أنها أدخلت ملمحا جديدا في التعامل مع المسلسلات إذ إنها تبث كل حلقات المسلسل، حلقات الموسم الـ13 في أغلب الأحوال مرة واحدة، وبالتالي يكون في إمكان المشاهد أن يشاهد هذه الحلقات كيف ما شاء دون الانتظار من أسبوع لأسبوع لمتابعتها. مضيفاً: «لا شك أن المحتوى المعروض متنوع وكثير ومتعدد الاهتمامات ويخاطب فئات عمرية كثيرة، وهذا مكسب للمشاهد، وأحيانا يمثل حيرة له، إلا أن الكثير من وسائل الإعلام، بالإضافة إلى الرسائل الإلكترونية الآتية من الشركات العاملة في هذا المجال تنبه المشاهد إلى الجديد الآتي إليه. وأهمية المعروض هذا الشهر. وتنوع المعروض في هذا المجال، من أفلام تسجيلية أو أفلام أطفال أو أفلام خيال علمي».



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».