إمام أوغلو يتقدم بقوة نحو تكرار انتزاع بلدية إسطنبول من حزب إردوغان

حملته اجتذبت آلاف المتطوعين... ومنافسه يبدو مرتبكاً

مرشح المعارضة التركية لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واثق بالفوز مجدداً والعودة إلى مقعد رئيس البلدية (رويترز)
مرشح المعارضة التركية لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واثق بالفوز مجدداً والعودة إلى مقعد رئيس البلدية (رويترز)
TT

إمام أوغلو يتقدم بقوة نحو تكرار انتزاع بلدية إسطنبول من حزب إردوغان

مرشح المعارضة التركية لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واثق بالفوز مجدداً والعودة إلى مقعد رئيس البلدية (رويترز)
مرشح المعارضة التركية لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واثق بالفوز مجدداً والعودة إلى مقعد رئيس البلدية (رويترز)

بدا مرشح المعارضة التركية لرئاسة بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، واثقاً من الفوز مجدداً، والعودة إلى مقعد رئيس البلدية، الذي انتزعه في الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي، ثم انتزع منه بقرار من اللجنة العليا للانتخابات في 6 مايو (أيار) الماضي، بعد 18 يوماً فقط من تسلم المنصب، بسبب الطعون الكثيفة من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بعد خسارة مرشحه رئيس الوزراء رئيس البرلمان السابق بن علي يلدريم.
ومنذ السادس من مايو، لم يتوقف أكرم إمام أغلو، وأطلق حملة انتخابية جديدة تحت شعار «كل شيء سيصبح جميلاً جداً»، ليعلن أنه لم يفقد الأمل، رغم الضربة القوية التي تلقتها الديمقراطية في تركيا.
وواصل أكرم إمام أوغلو، المنتمي إلى حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، تقديم نفسه على أنه «الأمل في التغيير»، وهو بالفعل ما بدا أنه ترجمة لما يعتقده غالبية سكان إسطنبول، البالغ تعداد سكانها 16 مليون نسمة، 8.5 مليون منهم يحق لهم التصويت في الانتخابات، من أن مقعد رئيس البلدية الذي فاز به إمام أوغلو في نهاية مارس، تعرض لعملية «اغتصاب» من جانب الحزب الحاكم، وبالضغط على اللجنة العليا للانتخابات لإصدار قرار الإعادة على منصب رئيس البلدية، علماً بأن جميع الأصوات في الانتخابات المحلية توضع في مظروف واحد.
واتساقاً مع هذا الاعتقاد، حصل أكرم إمام أوغلو على دعم كبير من مختلف شرائح السكان في إسطنبول، سواء رجال الأعمال أو الفنانين أو المواطنين في الأسواق والأحياء والأزقة والشوارع الضيقة، التي لا يتوقف إمام أوغلو عن التجول فيها ضمن جولات ميدانية مكثفة يلتقي فيها المواطنين في الأسواق والمحال التجارية والبيوت، بعد أن قسم مناطق إسطنبول، ليزور 7 مناطق يومياً، ويلتقي الناس ويخاطبهم في تجمعات شعبية حتى موعد الانتخابات.
وقوبلت حملة إمام أوغلو، الذي بات ينظر إليه على أنه ضحية للانقلاب على الديمقراطية، بترحاب واسع، واجتذبت أعداداً ضخمة من المتطوعين والمتبرعين، حيث بلغت حصيلة التبرعات في أول أسبوع، عقب قرار لجنة الانتخابات، أكثر 15 مليون ليرة (نحو 2.5 مليون دولار) تبرعات، معظمها من الناخبين الشباب والمشاهير، فضلاً عن تضاعف أعداد المتطوعين في الحملة إلى 150 ألف متطوع مقابل 16 ألفاً في الجولة الأولى للانتخابات المحلية، كما ارتفع عدد متابعي حساب إمام أوغلو الرسمي على «تويتر» إلى أكثر من 2.5 مليون متابع.
وأظهرت استطلاعات الرأي أنه سيحقق فوزاً بفارق كبير على يلدريم في جولة الإعادة، بعد أن تنازلت أحزاب المعارضة التركية الصغيرة، التي حصلت على عشرات الآلاف من أصوات الناخبين في إسطنبول، وسحبت مرشحيها، وأعلنت دعمها لإمام أوغلو في الإعادة.
وعلى الرغم من سيطرة حزب «العدالة والتنمية» الحاكم على أكثر من 90 في المائة من وسائل الإعلام في تركيا، حسب دراسات متخصصة، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي أثبتت خلال الانتخابات المحلية الأخيرة فاعلية أقوى.
وقد أدرك حزب «العدالة والتنمية» الحاكم تأثير هذا السلاح الخطير الذي وظفه إمام أوغلو جيداً في الجولة الأخيرة، فأصدر توجيهات بتنشيط الحملة لصالح يلدريم على مواقع التواصل الاجتماعي، مع الابتعاد عن المناقشات الحادة، أو الظهور بمظهر المتعالي على الناخبين، بعد الصفعة التي تلقاها الحزب في إسطنبول، التي يوليها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أهمية قصوى كونها مركز المال والأعمال والاقتصاد في تركيا، وكونها أيضاً معقلاً للإسلاميين منذ ربع قرن.
وعلى الرغم من محاولات حزب «العدالة والتنمية» توظيف هذا السلاح، لتبرير قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع على رئاسة بلدية إسطنبول، إلا أن آراء الناخبين لم تتغير، وأجمعت القوى السياسية والحزبية وأوساط المال والأعمال والمثقفين والفنانين على رفض القرار، واعتباره صفعة للديمقراطية وانقلاباً عليها.
وفي مقابل الثقة الكبيرة في الفوز من جانب أكرم إمام أوغلو، بتكرار فوزه، يبدو مرشح حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، بن علي يلدريم، غير مطمئن إلى إمكانية تحقيق الفوز في جولة الإعادة، وواصل تقديم نفسه كما لو كان قد أجبر على الترشح لمنصب رئيس بلدية إسطنبول فقط لأن الرئيس رجب طيب إردوغان كان يريد ذلك، لدرجة أنه قال في أحد تصريحاته: «لقد اضطررت إلى القول إنهم (أي المعارضة) سرقوا أصوات الناخبين».
تصريح أثار ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعا إمام أوغلو إلى أن يطلب مناظرة على الهواء مباشرة مع يلدريم، الذي قال بعد يومين من هذا الطلب إنه مستعد للمناظرة، لكن الأمر يحتاج إلى قرار من رئاسة الحزبين وإلى استعدادات، ما اعتبره مراقبون أنه يعكس الخوف من مواجهة أكرم إمام أوغلو، الذي قدم نفسه كسياسي قوي قادر على الإقناع والنفاذ إلى قلوب الجماهير.
وكثف حزب «العدالة والتنمية» الحاكم من استهدافه لإمام أوغلو، سواء بالشائعات، أو بنشر بعض مقاطع الفيديو التي تظهر أنه لا يحسن التعامل مع الناخبين، وتصدر هذه الحملة وزير الداخلية سليمان صويلو، الذي ادعى أن أصول عائلة إمام أوغلو تعود إلى اليونان، ولمح إلى أن ولاءه لهذه الأصول يشكل خطراً على أمن تركيا، وهو ما رد عليه إمام أوغلو في تجمع حاشد في مدينة طرابوزون مسقط رأسه، يوم عيد الفطر، حيث ذهب ليمضي العيد في قريته مع أسرته، وأمام عشرات الآلاف الذين احتشدوا في طرابزون قال إمام أوغلو إنني لن أرد أو أدافع عن نفسي، بل سأوكل أمر هؤلاء إلى الله لأنهم اعتادوا الكذب.
وتوجه إمام أوغلو إلى زيارة قبر جده الذي استشهد في حروب التحرير، في أواخر عهد الدولة العثمانية، لينسف بذلك ادعاءات ولائه لليونان.
ولم تقتصر المواجهة بين الحزب الحاكم وإمام أوغلو على ساحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وإنما امتد الأمر إلى إصدار توجيهات إلى سلطات مطار إسطنبول لمنع عبور أكرم إمام أوغلو ووالدته من بوابة كبار الزوار بالمطار لدى عودته بصحبتها من طرابزون إلى إسطنبول، عقب عطلة عيد الفطر، أسوة بما يحدث مع جميع الوزراء والمسؤولين ونواب البرلمان السابقين والحاليين، كونه كان رئيساً لبلدية إسطنبول. الواقعة علق عليها المرشح المنافس بن علي يلدريم قائلاً إن السيد أكرم ليس مسؤولاً في الدولة، لتفتح له بوابة كبار الزوار.
واهتمت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي برد فعل إمام أوغلو عندما منع من العبور من بوابة كبار الزوار، حيث استقبل الأمر بهدوء تام، وقال إن الأمر لا يشكل بالنسبة له أي أهمية، وإنه يفضل دائماً أن يكون مع المواطنين والجماهير، وأن يسير معهم، حيث كانوا، وألا تعزله عنهم أي إجراءات أو بوابات من كبار الزوار، معتذراً لوالدته التي بدت مرهقة. وأثار تصرف سلطات المطار استياءً واسعاً بين المواطنين، وعبروا عن هذا الاستياء عبر وسائل التواصل الاجتماعي معتبرين أن الحكومة وحزب إردوغان لا يجدون ما يفعلونه لوقف إمام أوغلو، ومسيرته نحو الفوز مجدداً إلى رئاسة بلدية إسطنبول، إلا عبر مضايقته وتعطيله في المطار.
ومع بدء العد التنازلي لانتخابات الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول، يبدو إمام أوغلو واثقاً من تكرار الفوز، ويبدو حضوره قوياً جداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأمس طرحت حملته أغنية جديدة عبر «يوتيوب»، استخدمت فيها «الأنيمشن»، تتحدث عن فساد حزب «العدالة والتنمية»، فيما اعتبره البعض مقدمة لتفجير مفاجأة كبيرة لحسم الانتخابات كان إمام أوغلو أعلن أنه سيكشف عنها في الأسبوع الأخير للحملة الانتخابية.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.