محمد ملص... فارس السينما السورية المستقلة

تحدث عن نفسه ووطنه في فيلمين خالدين

محمد ملص
محمد ملص
TT

محمد ملص... فارس السينما السورية المستقلة

محمد ملص
محمد ملص

بين أفلام محمد ملص الذي لا تتجاوز أكثر من حفنة من الأعمال، فيلم قصير صوّره سنة 2009 بعنوان «محارم». فيلم دخل دهاليز النسيان الآن يحمل سمات فيلمَي ملص «أحلام المدينة» و«الليل».
من اللقطة الأولى التي تصوّر دمشق في الليل، إلى الأخيرة (كناية عن رسم لقرية أم العجم على الحدود السورية - الإسرائيلية) يعبّر المخرج عن تلك العلاقة التي يكتنزها في كل أفلامه صوب الأسرة والمكان.
يحكي «محارم» عن قصّة عائلة هاجرت إلى دمشق منذ نحو عشرين سنة. الأب يبيع الغاز ويحلم بشراء سيارة شحن سوزوكي صغيرة، وتمزح الأم وهي تقول لأحد أولادها الثلاث «حلمت بأني أسوق السوزوكي لأبيك». لكي يساعد الأولاد أباهم في تحقيق حلمه ينبرون لبيع محارم الورق. يجولون فيها في الحارات الدمشقية وأكبرهم سناً يقع في الحب الأول حين يتعرّف على فتاة صغيرة تهوى الرسم، فيحاول الرسم بدوره لأجلها. يقرر الأب العودة إلى القرية بعدما هدر سنوات حياته من دون تأمين نقلة معيشية فعلية. يعبّر الزوج لزوجته عن رغبته في العودة إلى القرية ويجدها المخرج محمد ملص فرصة مواتية للتركيز على المرأة كزوجة وكأم؛ إذ تنظر إلى زوجها وتقول: «قديش إلنا متزوجين؟ عشرين سنة. والله طول هالوقت وأنا أنتظر أن تقول هذه الكلمة».

تقلبات الفرد والمجتمع
محمد ملص، كما هو معروف، من مواليد القنيطرة ورحل عنها، مع والديه، إلى دمشق وعاد إليها سينمائياً أكثر من مرّة. فيلمه «أحلام المدينة» الذي أنجزه سنة 1983 يحتوي رسماً للرحلة في اتجاهين: رحلة فعلية انتهت في دمشق ورحلة في المشاعر والأحاسيس والذاكرة ما زالت في قريبة المنشأ. لا يختلف «الليل» كثيراً في هذا الصدد إلا من حيث إن الرحلة الثانية كُتبت لكي تستوعب أكثر ما يعيه ويعرفه المخرج عن تلك الفترة الحاسمة من حياته ومن حياة بلاده خلال حرب 1967 التي انكسرت فيها الأحلام.
بداية، لا أحد قفز بالسينما السورية من المحلي إلى العالمي قبل هذا الفيلم. ولا أحد قفز بها إلى العالمي بعد فيلم ملص التالي «الليل». ليست عالمية مصطفى العقاد المبوبة أميركياً، بل عالمية الإنتاج المحلي الذي يسرد ما يحكيه بلغة فنية بديعة تمكنه من بلوغ السينما خارج الحدود الإقليمية وبذلك ترفع الستارة عن حضور البلد المنتج.
بالطبع «أحلام المدينة» هو من إنتاج المؤسسة الرسمية. وبالطبع لولاها لما تحقق هذا الفيلم في وقته وبحجمه ورؤيته. لكنه فيلم مستقل عن أفلام العلاقة التقليدية بين المخرج وجهة الإنتاج. أو بينه وبين المؤسسة الرسمية التي تموّله. مستقل في روحه وفي طرحه وفي عدم كيل المدح لأحد. مستقل بكيانه وهو يروي للسنوات الواقعة ما بين 1953 و1958 من وجهة نظر بطله الفتى الذي وصل إلى دمشق مع أمه وشقيقه. وما عنت له المدينة في فترة سياسية متقلبة ذهبت بالبلاد في أكثر من اتجاه على الرغم من المدة الزمنية القليلة.
ليس أن المخرج قدّم درساً في التاريخ، بل عرّج عليه في الخلفية بينما داوم الحديث عن نفسه (في شخص بطله الصبي) وهو يرقب التقلبات المحيطة مباشرة به. لقد كان عليه العمل لكي يعيل هذه الأسرة التي تعيش في كنف جدّه القاسي. وجد عملاً عند محل للكوي، ويستغل ملص هذا العمل النهاري ليسرد ما كان يمر أمامه من شخصيات وأحداث شوارع وقراءة عناوين صحف أو الاستماع إلى التطوّرات في الإذاعة.
بعده بتسع سنوات أنجز محمد ملص فيلمه الروائي الطويل الثاني «الليل»، وما عالجه في الفيلم الأول عالجه في الفيلم الثاني وبسعة أكبر هذه المرة تتناول حياة صبي له اسم آخر، لكن لا شيء يمنع في أن يكون الصبي الذي في ذات محمد ملص أيضاً. وإذا كان «أحلام المدينة» يعرض، فيما يعرض، أحداث سوريا السياسية في الخمسينات، فإن «الليل» عرض سنوات ما قبل عام 1948 عندما خسر العرب مواجهتم الأولى في فلسطين. كل ذلك من خلال أحداث تتعامل وحياة عائلة لديها من المشاغل والشؤون ما يمكن أن يشكل فيلماً آخر من دون تلك الخلفية التاريخية لو شِيء له أن يكون. مرّة أخرى، هناك الحدث الأمامي والحدث الخلفي. الأول تحت سماء الآخر وغيومه المتلبدة وصرخات المقاومة الوطنية في ثوبها النبيل وقدراتها المحدودة.

رؤيا ورؤية
هذان الفيلمان مرتبطان ليس بالذاكرة الذاتية والسيرة الخاصّة للمخرج، بل بقدرة المخرج على سرد حكاية لا تستخدم الفواصل والنقاط العادية. جملها مؤلفة من صوّر تنساب بشروطها الخاصة وقواعدها المنتمية إلى رؤية وإبداع فنّـان واعٍ وحقيقي وقادر على التغيير ومناهضة السائد. ملص بذلك كان أول فارس حقيقي للسينما المستقلة، وهو ما زال العنقود الوحيد فيها، ليس لأن آخرين لم يسبروا درب الموقف والإنتاج المستقلين، بل لأن أحداً آخر، وعلى مستوى العالم العربي كله، عرف كيف يؤسس إبداعاً خالصاً في الشكل وفي المضمون.
وتأكيداً على هذا المنحى امتنع عن تحقيق أفلام أخرى إلا إذا ما أنجزت تبعاً لأسلوبه الخاص. وفي حين كان مخرجو المعارضة في السنوات السبع الماضية يكتفون - في الغالبية الكاسحة - بتسجيل ما يرونه ويروونه مباشرة، كان ما زال يسعى لصنع الفيلم الذي يحمل الرؤيا وليس الرؤية وحدها.
تتمثل الأولى في رفع مقام البحث في الوضع إلى طموحات ما بعده وتصوّر الثانية ما يمكن لعدد من الأفراد غير المنتمين إلى أي طرف البحث فيه والانتماء إليه وهو الحرية.
الفيلم هو «سلم إلى دمشق»، ومباشرة نقول إن بعض ما في «أحلام المدينة» و«الليل» من معالجة فنية غائب هنا لاختلاف الاهتمامات.
هناك فيلمان من السيرة الشخصية مقولبة في «الأنا» الأخرى، وهنا عرض للواقع من موقع يجد أن ما تحتاج إليه سوريا الآن هو ذلك السلم الذي يمكن للفرد أن يصعد درجاته ويصيح، كما يفعل بطل الفيلم: «بدي حرية».
طبعاً، ما زال السلم مرفوعاً والصرخة مترددة أطلقها مجدداً المخرج نفسه في فيلم حميد بن عمرة الجديد «لايف تايم» (كما تقدّم معنا على هذه الصفحة بتاريخ 26 أبريل (نيسان) 2019). لكن محمد ملص إذ يرفع صرخته مجدداً يدمجها بواقع آخر: الربط هنا هو بين الحرية وبين الإبداع وبين غياب الحرية وبين غياب المبدع عن العمل.
كل المبدعين يعانون من قلّة عدد الأفلام التي ينجزونها إذا ما عاشوا في نظام لديه برنامجه الخاص الذي يؤمن به ويمارسه. تاركوفسكي وبرادجانوف أيام الاتحاد السوفياتي وستانلي كوبريك وفرنسيس فورد كوبولا إزاء نظام الاستديوهات الأميركية.
وفي العالم العربي غاب مخرجون كثيرون وهم أحياء، لكن محمد ملص أشبه بالعرّاب الذي لا تقدم للسينما العربية فنياً من دونها.



ستون عاماً على لغز المرأتين عند برغمان

ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
TT

ستون عاماً على لغز المرأتين عند برغمان

ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)

60 سنة مرّت على فيلم إنغمار برغمان «برسونا» (Persona)، وما زال يثير النقاشات والكتابات ويستقطب اهتمام الباحثين والمؤرخين. وعُرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدّة منذ إنتاجه عام 1966، ولا يزال يحظى بالاهتمام بعد مرور نحو 19 عاماً على رحيل مخرجه.

إلى ما سبق، هناك عمل بريطاني للمخرج بنديكت أندروز، بعنوان «إلكترا/برسونا»، شاركت في بطولته الممثلتان كيت بلانشيت ونينا هوس. وقد عُرض على خشبة المسرح الوطني في لندن بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، وصُوّر أيضاً للعرض على الشاشة. ويجمع بين مسرحية «إلكترا» لسوفوكليس وفيلم برغمان، ولذلك لا يُعدّ إعادة إنتاج سينمائية مباشرة له.

هناك أسباب كثيرة للاهتمام بهذا الفيلم. فهو مُدرج في قوائم النقاد إما على أنه أفضل فيلم حقّقه برغمان، أو أحد أفضل أعماله. ولم يأتِ هذا التقدير من فراغ، بل لأن «برسونا» (القناع) شكّل بداية مرحلة جديدة لبرغمان، اتّسمت بمزيد من التوغّل في أعماق النفس البشرية، كما في أفلام لاحقة له، مثل «ساعة الذئب» (Hour of the Wolf، 1968)، و«العار» (Shame، 1968)، و«اللمسة» (The Touch، 1971).

كان إنغمار برغمان أحد أكثر المخرجين العالميين توغّلاً في أعماق شخصياته، ينتقل بين جوانبها من دون فواصل تقليدية أو سياق سردي تمهيدي. وعندما يقطع مشهداً ليبدأ آخر، يصعب التكهّن بالتسلسل بينهما. وعندما تتحرّك الكاميرا لتعكس صورة في المرآة أو تنتقل بين الذكريات والأزمنة، فإنّ ما يحدث لا يقتصر على صورة منعكسة، وإنما هو انتقال كامل إلى جانب آخر من الشخصية، يتطلّب تفسيراً لحل لغز لا يقلّ تعقيداً عن لغز المشهد السابق أو اللاحق.

بيبي أندرسون في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)

شِعر وتجريب

كان «برسونا» أحد أفلام المخرج السويدي إنغمار برغمان، ومن أعماله التي تعاون فيها مع مدير التصوير سفين نيكفيست. وهو من أصعب أفلام المخرج تحليلاً، إذ يعمل على مستويات عدّة. هناك مستوى العلاقة الوجدانية بين بطلتيه: الممثلة إليزابيت (ليف أولمان)، التي توقّفت عن الكلام، والممرّضة ألما (بيبي أندرسون)، التي تعتني بها.

وهناك مستوى آخر يتمثّل في اختيار المخرج ما يريد التعبير عنه والطريقة التي يُعبّر بها، والتي تثير أحياناً حيرة المتلقّي حيال ما يراه. لكنها حيرة محسوبة، لا في إطار التركيبة الفنية للفيلم فحسب، وإنما أيضاً في التركيبة النفسية لشخصياته. لذلك، لا يتحوّل الفيلم إلى متاهة أو مجموعة أسئلة يعجز المشاهد عن الإجابة عنها، ولو بمزيد من التركيز.

«برسونا» فيلم شعري بنبرة تجريبية خاصة، من دون التخلّي عن الدراسة النفسية التي ميّزت عدداً من أفلام برغمان. الفيلم آسر، ومشبَع باختيارات المخرج في توجيه الأداء. فلا يُسمح لبطلتيه، ولا للعدد القليل من الممثلين الذين يؤدّون أدواراً صغيرة، بالخروج عن التفاصيل التي يحدّدها. والارتجال ممنوع، كما اعتاد في أفلامه الأولى، حتى الثمانينات، عندما بدأ يمنح ممثليه قدراً من الحرّية.

تبدأ القصة بصورة لآلة عرض سينمائي، تليها لقطات من فيلم رسوم متحرّكة وآخر كوميدي صامت، يظهر فيه شخص يهرب من الأشباح بالاختباء تحت شرشف سريره. وتتبع ذلك لقطات لعنكبوت وأشجار في فصل الخريف وحاجز من الأسلاك الشائكة والثلج، ثم صبيّ على سرير أبيض، يبدو نائماً أو ميتاً، وامرأة عجوز. يرنّ هاتف، وتفتح المرأة عينيها، بينما يتقلّب الصبيّ في سريره.

ومع ظهور الصبيّ، يبدأ الفيلم بالانتقال تدريجياً من تتابع اللقطات المتفرّقة إلى صلب حكايته.

تتلقّى الممرّضة ألما (بيبي أندرسون) تعليمات بالاعتناء بالممثلة إليزابيت فوغلر (ليف أولمان)، التي توقّفت تماماً عن الكلام خلال أدائها مشهداً من مسرحية «إلكترا».

يدور جزء من الفيلم في المستشفى، حيث نتابع حال الممثلة والممرّضة التي تحاول مساعدتها. وتتداخل في هذه المرحلة مشاهد وتفاصيل لا تتّضح دلالاتها منذ البداية. تشاهد إليزابيت على التلفزيون صوراً من حرب فيتنام، بينها مشهد إحراق راهب بوذي نفسه احتجاجاً على الحرب. لا تتكلّم، لكن ردّ فعلها يكشف تأثّرها بما تراه. وتؤكد المشاهد التي تجمع المرأتين في المستشفى اختلاف شخصيتيهما، تمهيداً لاستكشاف العلاقة النفسية المعقّدة التي ستنشأ بينهما لاحقاً.

إنغمار برغمان (المعهد السويدي للأفلام)

أدوات برغمان

بعد ذلك، وبناءً على اقتراح طبيبة المستشفى، تنتقل ألما بالممثلة الصامتة إلى منزل صغير على البحر، أملاً في أن يساعد تغيير الأجواء على تهدئة إليزابيت وتجاوز الحالة النفسية الغامضة التي تمرّ بها. وفي هذا المنزل المطلّ مباشرة على البحر، يمارس برغمان لعبته القائمة على الغموض وتقديم مَشاهد عصيّة على الفهم في البداية، أو عند مُشاهدة الفيلم للمرة الأولى. تحاول ألما إقناع إليزابيت بالكلام، لكنّ الممثلة تواصل صمتها. ولا تنطق بكلمة «لا شيء» إلا في مشهد متأخر من الفيلم، عندما تطلب منها ألما ترديدها.

الفيلم، من هنا، يدور حول امرأتين تدخل كلّ منهما عالم الأخرى، بموازاة عالمها الخاص. ويمهّد لذلك حوار تلقيه الطبيبة أمام إليزابيت، قبل انتقالها إلى المنزل البحري، تتناول فيه الحلم المستحيل بأن يكون الإنسان على حقيقته، لا أن يبدو كذلك فحسب، والفجوة بين صورته أمام الآخرين وحقيقته أمام نفسه.

يفسّر هذا الحوار وضع إليزابيت، لكنه يتوغّل أيضاً في أزمة الازدواجية التي تتجاوز هاتين الشخصيتين لتقترب من شخصياتنا نحن، إذ يختلف تصرّفنا عندما نكون وحدنا عن تصرّفنا أمام الآخرين. إنه وضع مصطنع يمنحنا شعوراً بالراحة، ويتصل كذلك بالهوية الذاتية ومواجهتها.

ومع توالي اعترافات ألما وكشف جوانب من حياة إليزابيت، وانتقال المخرج بين الحقيقة والذاكرة من دون فواصل أو ترتيب سردي تقليدي، تتبلور حالة إليزابيت، فإذا بصمتها وسيلة للامتناع عن الكذب، أو هكذا تفسّره الطبيبة. أما ألما، التي تتحدّث كثيراً، فتصل إلى حالة نفسية تهدّد قدرتها على التمييز بين ذاتها وذات الممثلة. إنه فيلم عن امرأتين تبدوان مختلفتين، لكن العلاقة بينهما تكشف تدريجياً أوجه التشابه والتداخل، إلى حدّ يصعب معه الفصل بينهما.

وعلى أكثر من صعيد، لم تعد الممرّضة مجرد أداة للمساعدة، إذ أصبحت تعيش أزمة نفسية خاصة بها. ويتّضح ذلك خصوصاً عندما تقرأ رسالة كتبتها إليزابيت إلى الطبيبة، تتحدّث فيها عن رغبتها في مواصلة العيش في الصمت والعزلة، وتكشف أنها كانت تراقب ألما وتدرس شخصيتها. عندها تدرك الممرّضة أن اعترافاتها تحوّلت إلى مادة تتأملها الممثلة، فتتصدّع الثقة بينهما.


شاشة الناقد: ليام نيسون... مُحارب أفغانستان في فيلمين

ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
TT

شاشة الناقد: ليام نيسون... مُحارب أفغانستان في فيلمين

ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)

THE MONGOOSE

النمس | ★★★* إخراج: مارك فانسلوف

‫* الولايات المتحدة وأستراليا (2026) | عروض تجارية

منذ عام 2008، دأب ليام نيسون على الظهور في دور المُحارب المنفرد في سلسلة من أفلام الحركة. كان «تيكن» (Taken) أولها، وتبعه جزءان آخران، ثم شارك في «الأيام الثلاثة المقبلة» (The Next Three Days)، بدور صغير، و«مجهول» (Unknown)، و«من دون توقف» (Non-Stop)، و«الركض طوال الليل» (Run All Night)، ضمن مجموعة كبيرة من أفلام النوع.

لا يعني ذلك أنه امتنع عن تمثيل سواها؛ فأفلامه بالغة التنوّع، وتتوالى بلا انقطاع، لكنه كوّن لنفسه صورة حافظ عليها بنجاح مهني، حتى وإن أخفق بعضها في تحقيق نجاح تجاري.

«النمس» فيلم حركة آخر تتفاوت مستوياته. فمن ناحية، هو فيلم بارع في الكتابة والتنفيذ، يستند السيناريو على مطاردة طويلة بالسيارات بين رجل هارب من الشرطة وقوى القانون التي تلاحقه. ريان فلاناغان، الملقّب بـ«فانغ» (نيسون)، محارب سابق في أفغانستان نال أوسمة عسكرية، ويجد نفسه متهماً بالقتل بعدما يقتل خطيب زوجته السابقة دفاعاً عن النفس. وهو يدرك الآن أنّ الحروب لم تعد تُخاض دفاعاً عن قيم بقدر ما تقوم على مبرّرات لا يُعوّل عليها. ويستخدم مهاراته في المراوغة حتى لا تتكرّر تجربته في تلك الحرب، عندما وقع مع رفاقه في الأسر، ودُفنوا في التراب حتى رؤوسهم، قبل أن يتمكّن هو ومعظمهم من النجاة.

مشهد النجاة كرتوني، ولا جديد فيه، لكن المخرج، الذي ينجز هنا فيلمه الروائي الطويل الأول، وسبق أن عمل مؤدّياً ومنسّقاً لمَشاهد الخطر في عدد من أفلام نيسون، يستخدم الاسترجاع الزمني في مواضع صحيحة ومبرّرة خلال النصف الأول من الفيلم، ثم ينصرف إلى متابعة المطاردات الشيّقة في نصفه الثاني. نيسون مناسب للدور بموهبته، ويستفيد هنا من تجسيد شخصية تختلف عن معظم أدواره السابقة.

تدور الأحداث في الزمن الحاضر، لكن الفيلم متيّم بسينما السبعينات، إخراجاً ومواقف وشخصيات، وحتى بالأغنيات التي تعود إلى تلك المرحلة. والأغنية التي نسمعها نغمةً لاتصال زوجة ريان السابقة، وعنوانها «أنتِ مثيرة» (You Sexy Thing)، تعود بدورها إلى السبعينات، واشتهرت بأداء فرقة «هوت شوكليت» (Hot Chocolate)، وإن كانت النسخة المستخدمة في الفيلم إعادة أداء لها. وبذلك، فهو فيلم جيد أيضاً في استحضار الحنين إلى الماضي.

THE FIX

التصويب | ★☆

* إخراج: غاي موشي

‫* الولايات المتحدة (2026) | عروض تجارية

في «التصويب» (The Fix)، يقتل فريق أميركي من عناصر العمليات الخاصة، بقيادة تاكر (زاكاري ليفاي)، الإيرانيين الأشرار والإيرانيين الأخيار على السواء. يدخل الفريق طهران بحثاً عن 25 مليون دولار مخبّأة في فندق منذ أيام الثورة الإيرانية.

ليام نيسون في «التصويب» (أسترال فيوتشر)

كان الفريق قد خدم في أفغانستان خلال الأيام الأخيرة من الوجود العسكري الأميركي هناك، وهي المدّة التي تدور فيها أحداث مطلع الفيلم. ثم يزور تاكر رئيس عملياته السابق، لاري (ليام نيسون)، الذي يعاني مشكلات في الذاكرة، فيكشف له عن الأموال المخبّأة في طهران. يقرّر تاكر اقتحام طهران متخفّياً مع رجاله في زيّ مدني، بحثاً عن ذلك الكنز. أما الساعة الأخيرة، فتتوالى فيها مشاهد الحركة والقتال التي تعرف منذ بدايتها مَن سيُقتل فيها ومَن سيخرج حيّاً منها.

للسيناريو همّ واحد، هو تقديم فيلم حركة عسكري متوّج بالضحايا. وهنا يكمن تناقض أساسي في شخصية تاكر، لأنّ السيناريو يقدّمه رجلاً يحمل في نفسه رفضاً للمهمّات العسكرية التي انصرف إليها طوال حياته، ويدرك مسؤوليته حيال عائلته التي نبذته بسبب غيابه معظم الوقت عن البيت. لكن هذا الرفض لا يمنعه من القيام بعملياته في أفغانستان، ولاحقاً في إيران، بكل استعداد لدعم رسالة عسكرية واضحة ضد البلدين، ثقافةً وسياسةً. هذا ما يجعل الفيلم أحد تلك الإنتاجات الحافلة بالبطولات الخارجة عن الواقع، منذ أن انبرى تشاك نوريس وسيلفستر ستالون لتلقين الفيتناميين دروساً قاسية، حتى بعد الهزيمة الأميركية هناك.

ينتقل الفيلم من ورطة إلى أخرى لحشد أكبر قدر ممكن من الأحداث. وكلما بدا أنه حلّ مشكلة، خلق مشكلة أخرى، ممّا يؤدّي إلى إطالة رتيبة. هو متخم من دون إشباع، وكثير الحركة من دون متعة.

سبق للمخرج موشي أن خدم في الجيش الإسرائيلي، ولا يتطلّب الأمر كثيراً من الخيال لندرك أنّ فيلمه هذا، الذي كتبه مع آخرين، يتبع أجندة سياسية خاصة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).