«العسكري» يدعو لحوار يشمل الجميع و«مصالحات» على غرار جنوب أفريقيا ورواندا

ارتفاع القتلى بميدان الاعتصام إلى 110 بعد انتشال 40 جثة من النيل ومطالب بتحقيق دولي... اعتقال عرمان... والمهدي يطالب بتسليم السلطة للمدنيين

محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
TT

«العسكري» يدعو لحوار يشمل الجميع و«مصالحات» على غرار جنوب أفريقيا ورواندا

محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)

عرض المجلس العسكري الانتقالي، الحاكم في السودان أمس، استئناف المحادثات مع جماعات المعارضة «بلا شرط أو قيد»، و«دون إقصاء لأحد»، ملوحا بغصن زيتون بعد مرور يومين على اقتحام قوات الأمن موقع اعتصام بوسط الخرطوم. ولا تزال حتى مساء أمس، تسمع أصوات عيارات نارية في أنحاء العاصمة، فيما بلغت حصيلة فض الاعتصام 110 قتلى منذ الاثنين، بعد انتشال 40 جثة من النيل، كانت قوات أمنية قد ألقت بهم في عرض النهر بعد الحادثة.
وأصبحت الخرطوم، حاليا، مدينة أشباح، حيث خلت الشوارع من المارة، وباتت مثل سجن كبير... ولا تسمع فيها غير زخات الرصاص بكثافة، فيما تعلوها أدخنة الإطارات التي يحرقها الثوار لسد الطرقات أمام حركة الآليات العسكرية، السماء. وانتشرت قوات الأمن في الطرقات، التي سدت بآلاف الحواجز والمتارس. وفي وقت سابق من الصباح سُمع صوت إطلاق نار في حي الخرطوم 2 الذي يضم كثيرا من السفارات.
وجاء عرض العودة للحوار الذي طرحه الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري بمثابة الرجوع خطوة عن قرار الجيش إلغاء كل الاتفاقات مع تحالف المعارضة بعد الاقتحام، وجاء مع تصاعد الانتقادات الدولية لاستخدام العنف. وأبدى البرهان في لهجة تصالحية، انفتاحه على مفاوضات «لا قيد فيها» حول مستقبل البلاد، مشيداً بـ«الثورة السودانية»، مؤكداً استعداد مجلسه لتسليم السلطة لحكومة منتخبة. وقال: «نتأسف جدا على ما حدث» مبديا استعداده للتفاوض حول مستقبل البلاد. وقال البرهان في خطاب بثه التلفزيون الرسمي «نحن في المجلس العسكري نفتح أيادينا لتفاوض لا قيد فيه إلا لمصلحة الوطن، نكمل من خلاله التأسيس للسلطة الشرعية التي تعبّر عن تطلعات ثورة السودانيين».
وأكد في خطابه التصالحي أن التغيير الذي تشهده البلاد يأتي في «ظروف صعبة»، تستوجب الاحتكام لإرادة الشعب، بقوله: «لا مناص إلا بالاحتكام لإرادة الشعب ورفض الأجندات الخارجية».
وأوضح البرهان أنه وجه القيادة العامة في التحقيق حول الأحداث المؤسفة التي رافقت فض الاعتصام، وتابع: «ستتم محاسبة من تثبت مسؤوليته عن أحداث فض الاعتصام»، ودعا إلى: «طي الصفحة الماضية، وفتح صفحة جديدة للعبور نحو المستقبل»، مشيراً إلى تجربة المصالحات في جنوب أفريقيا ورواندا: «نفتح أيادينا للتفاوض مع القوى كافة».
وفي السياق ذاته، قال نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إن مجلسه لم يأت ليحكم، وتعهد بتسليم السلطة لحكومة منتخبة، تشارك فيها كل الأحزاب السياسية ما عدا المؤتمر الوطني. ونفى حميدتي اشتراك قواته «الدعم السريع» في ترويع المواطنين، وقال إنها «مستهدفة، وهناك من ينتحل صفتها لترويع المواطنين».
لكن قادة المحتجين رفضوا الدعوة للحوار ودعوا مؤيديهم إلى «العصيان المدني الشامل» للإطاحة بالمجلس العسكري. وقال القيادي البارز في تحالف الحرية والتغيير مدني عباس مدني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن المجلس العسكري، لم يعد مصدر ثقة، مؤكدا أن دعوته «مرفوضة... لأنه يقوم بالترويع في الشوارع».
من جهته، نقل القيادي في قوى «إعلان الحرية والتغيير» عمر الدقير في تصريحات صحافية، أن تحالفه كان على وشك توقيع اتفاق نهائي مع المجلس العسكري الانتقالي، يتضمن مجلسا رئاسيا مناصفة ورئاسة دورية، بيد أن عملية فض الاعتصام أعادت الأوضاع إلى نقطة الصفر.
من جانبه، طالب الزعيم السياسي والديني البارز الصادق المهدي، الأمم المتحدة بإجراء تحقيق حول مقتل العشرات من المواطنين في عمليات فض الاعتصام، والمجلس العسكري الانتقالي لمحاسبة كل من شارك في جريمة فض الاعتصام بالقوة.
وقال المهدي في خطبة العيد التي تلاها على حشد من مؤيديه، أمس، إن أمام المجلس العسكري خيارين: «إما أن يمضي في نهج النظام السابق، أو يتحمل المسؤولية في معالجة الأوضاع»، ودعاه للعمل دون إملاءات خارجية.
وأضاف: «فض الاعتصام الوحشي، غير المناخ الوطني كلية»، وتابع: «ما حدث دليل على أن المجلس العسكري قد بدد ما اكتسب من فضيلة برفض فض الاعتصام بالقوة بأمر الطاغية». واعتبر «الهجوم الغادر وغير المبرر» على المتظاهرين «فراقا بين الثورة الشعبية السودانية ومن كانوا وراءه، ودعا قوى الحرية والتغيير وكل القوى الشعبية المؤيدة للثورة لاجتماع عاجل لتحديد كيفية تسلم النظام الانتقالي الجديد».
واشترط المهدي اعتراف المجلس العسكري الانتقالي بالهجوم على المعتصمين وتحمل مسؤوليته، لمواجهة مسؤوليته أمام التاريخ، وقال: «أمام المجلس العسكري في وجه التاريخ خياران، أن يصر على الهجوم وتحمل نتائجه، وبالتالي وضع نفسه في خانة المخلوع نفسها، واستدعاء المواجهة المحتومة للشعب الثائر، أو أن يعلن مسؤوليته عما حدث، ومحاسبة من تورط في الجريمة، والاستعداد لنقل السلطة للنظام المدني الديمقراطي المنشود بالصورة التي يقررها ممثلو الثورة الشعبية».
وفي تصعيد جديد، قال المتحدث باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان مبارك أردول في تصريحات أمس، إن قوات الأمن ألقت القبض على نائب الأمين العام للحركة ياسر عرمان من محل إقامته واقتادته إلى مكان مجهول بعد أن اعتدت عليه بالضرب.
ويقيم القيادي البارز في المعارضة المسلح ياسر سعيد عرمان خارج البلاد منذ اندلاع النزاع المسلح في جنوب كردفان والنيل الأزرق في 2011، وصدر ضده حكم بالإعدام، بيد أن الرجل قرر العودة للبلاد متحدياً حكم الإعدام الصادر ضده.
وقبل أيام أعلن عرمان أن كلا من رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، أبلغاه بمغادرة البلاد لكن رفض طلبها، قبل أن يعلن عن لقاء جمع وفداً برئاسته مع المجلس العسكري الانتقالي الأسبوع الماضي.
وفي غضون ذلك، توقفت حركة الطيران في الأجواء السودانية بشكل كامل جراء إضراب الطيارين وفنيي الملاحة الجوية، ومقدمي خدمات المناولة طوال الثلاثة أيام الماضية، وعلقت شركات الطيران الدولية رحلاتها المتجهة إلى مطار الخرطوم والمطارات السودانية الأخرى.
واتسعت دائرة الاحتجاجات والإضراب لتشمل البلاد كافة، وخرجت «مدن الأبيض وزالنجي غرباً، ومدني وربك في الوسط» ومدن أخرى في الوسط في مسيرات ومواكب معارضة هادرة عقب صلاة العيد، وقال شهود إن «السودان تحول إلى بلد من المتاريس والاحتجاجات في أنحائه كافة».
وفي هذا السياق، قالت مستشفيات الخرطوم إنها تجد صعوبة في استيعاب أعداد الجرحى بعد فض الاعتصام الاثنين. وصرح طبيب يعمل في مستشفيين في المدينة لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن «الوضع صعب للغاية، معظم المستشفيات استقبلت أعدادا من الجرحى أكبر من قدرتها على الاستيعاب».
وأضاف الطبيب الذي طلب عدم الكشف عن هويته أن «هناك نقصا في العاملين الطبيين وكميات الدم، ومن الصعب إجراء الجراحات لأن بعض العمليات الجراحية لا يمكن إجراؤها إلا في مستشفيات معينة». وأضاف أنه «من بين الجرحى أشخاص في حالة حرجة وأتوقع أن يرتفع عدد القتلى».
واتهمت لجنة أطباء السودان قوات الأمن بمهاجمة المستشفيات وموظفيها في أنحاء البلاد. وكثفت قوات الأمن وجودها بعد خروج المصلين في عدد من الأحياء لأداء صلاة عيد الفطر عقب دعوة قادة المحتجين «إلى الصلاة على أرواح الشهداء». وفي أم درمان الواقعة على الضفة المقابلة للخرطوم من نهر النيل، شوهدت قوات الأمن تسيّر دوريات في شاحنات ثبت عليها ما يبدو أنها مدافع مضادة للطائرات وغيرها من الأسلحة ومن بينها قاذفات صواريخ، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
من جهته، نفى المتحدث العسكري شمس الدين الكباشي في تصريحات أمس، أن تكون قوات الجيش قد فضت الاعتصام، وقال إنها تعاملت مع «متفلتين فروا من موقع الاعتصام وأحدثوا فوضى»، وهو التصريح الذي أثار سخرية واسعة بين النشطاء والثوار.
وطالبت القوات المسلحة السودانية، أمس، المواطنين بالابتعاد عن المناطق والمواقع العسكرية ونقاط الارتكاز والقيادات في كل أنحاء البلاد مشاركة منهم في حفظ الأمن الذي هو مسؤولية الجميع. وأكدت القوات المسلحة، في تعميم صحافي أصدرته أمس وبثته وكالة الأنباء السودانية «سونا»، أنها «ستظل على الدوام بتاريخها واحترافيتها المشهودة صمام أمن الوطن وملاذ المواطنين وفية لعهدها ووعدها في حماية الأرواح والممتلكات وبسطاً للأمن والاستقرار». وقالت إنه «لا نكوص عن انحياز القوات المسلحة لرغبة الشعب السوداني وإرادته في التغيير حتى يصل إلى تحقيق مطالبه وطموحاته المشروعة حتى تعبر بلادنا هذه المرحلة الدقيقة إلى آفاق الحرية والعدالة والسلام والاستقرار».
وفي هذا الصدد، يتجه محامون ونشطاء حقوقيون للتنسيق مع منظمات حقوق إنسان دولية، لتوجيه دعوى جنائية دولية ضد قتلة المعتصمين والمحتجين السلميين.
وقال المحامي معز حضرة لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن فريقاً مكوناً من عدد من المحامين والنشطاء في حقوق الإنسان شرع في اتصالات مع منظمات حقوقية دولية من أجل رفع دعوى جنائية دولية لمجلس الأمن، بشأن قتل المعتصمين لتحال إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وأوضح حضرة أن الانتهاكات التي شهدتها البلاد إبان فض الاعتصام والأيام الماضية «ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، تواجه رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائبه حميدتي».



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.