البنوك العراقية والمستقبل مع بطاقة «كيو آي كارت»

TT

البنوك العراقية والمستقبل مع بطاقة «كيو آي كارت»

إن التكنولوجيا المالية أو «Fintech» هي أشبه بإعادة كتابة القواعد للقطاع المالي، من خلال تبسيط الأساليب النقدية التقليدية، باعتماد تقنيات مثل الهواتف الذكية للخدمات المصرفية، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتوفير خدمات الاستثمار والتأمين والإقراض.
وفي العالم المتقدم، تهدف الخدمات المقدمة إلى تحويل المشهد التنافسي لصالح المستهلك، وذلك بتخفيض التكاليف وزيادة الخيارات، بينما في العالم النامي هناك فرص للدخول في عالم الخدمات المالية، متجاوزين عقبات البنية التحتية بالدرجة التي تسمح بها، حتى لمن لا يمتلكون حسابات مالية بتنفيذ العمليات المالية.
في العراق، أصبح إدخال هذه الخدمات أمراً ممكناً بسبب الاتجاه السريع للهواتف المحمولة منذ عام 2003. وبعدها جاءت شبكة الإنترنت، رغم حدوث انخفاض طفيف في انتشار الهواتف المحمولة منذ عام 2014 بسبب احتلال تنظيم «داعش» لثلث الدولة.
وصاحب نمو مبيعات الهواتف المحمولة حدوث انخفاض مطرد في تكاليف الاستخدام، وزيادة في سرعات الإنترنت، وكلاهما يعد من المتطلبات الأساسية لانتشار بطاقات «Fintech» في كل مكان.
في كينيا والصين مثلاً، ساعد انتشار الهواتف المحمولة الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى أحد البنوك على استخدام «محافظ الهواتف المحمولة» لتحويل الأموال عبر الإنترنت، وجرى توفير هذه الخدمة من قِبل شركات مثل «M - Pesa» في كينيا، ومن خلال احتكار خدمة «Alipay - WeChat Pay» في الصين. وفي العراق، جرى تمهيد الطريق من خلال اعتماد بطاقة «Qi Card» التي أنتجتها شركة «إنترناشيونال سمارت كارد» المحلية.
ومن خلال الفوز بعقد توزيع الرواتب الحكومية والمعاشات ومدفوعات الضمان الاجتماعي، تمكنت شركة «إنترناشيونال سمارت كارد» من تسجيل نحو 7 ملايين شخص يستخدمون بطاقة «Qi» البيومترية لتسلم الأموال من خلال بنوك الدولة أو بنوك خاصة محددة أو شبكة «إنترناشيونال سمارت كارد» التي تضم 14 ألف وكيل، وقد حل ذلك محل العملية النقدية التقليدية السابقة التي كانت مرهقة، وعرضة لإساءة الاستخدام.
ومن بين المستفيدين هناك 5 ملايين مستخدم نشط لبطاقة «Qi Card»، وقد أكملت شركة «إنترناشيونال سمارت كارد» تقريباً تسجيل الموظفين المدنيين في الحكومة، إلا أنه لم يجرِ بعد تسجيل أفراد القوات المسلحة، رغم أنه بدأ في تسجيل أعضاء «قوات الحشد الشعبي».
واستطاعت منظومة بطاقات «Qi Card»، من خلال الاستخدام المبتكر للقياسات الحيوية، تسجيل العملاء، وتحديد هويتهم، وتخطي رقاقة «PIN»، والهيكل القديم، كما وفرت حلاً فعالاً للتغلب على عمليات تزوير الهوية العراقية التي انتشرت كالوباء.
ورغم أن بطاقة «Qi Card» تعمل من خلال تطبيقات الإنترنت والهاتف المحمول لعرض كشوف الحساب والأرصدة، فإنها ليست محفظة نقالة أو مزوداً للأموال عبر الهاتف المحمول.
وجرى ترخيص شركتي «آسيا سيل حوالة» و«زين كاش» كمزودي خدمات الهاتف المحمول في أواخر عام 2015 وأوائل عام 2016. ويتم تنظيم عملهما من خلال البنك المركزي العراقي. ورغم أن انتشارهما أصغر بكثير من بطاقات «Qi Card»، حيث لا يتخطى عدد حامليها ما بين 5 و10 في المائة فقط من مستخدمي الهواتف المحمولة، فإن الأنظمة الثلاثة تعمل بطرق مماثلة تجعل اللاعبين الآخرين يبدون أقزاماً أمامهم، كما أنها توفر إمكانية للتشغيل المتبادل في المستقبل لأموال المحمول عبر المنصات المختلفة.
وكما هو الحال في أفريقيا، فإن الخطوة الأولى نحو الإدماج المالي هي استخدام التكنولوجيا لتسلم الرواتب، وغيرها من المزايا النقدية. أبسط نموذج هو استخدام ميزة «السحب النقدي»، التي تتضمن أخذ جميع الأموال نقداً، وتجاهل البطاقة أو محفظة الهاتف المحمول حتى الدورة التالية.
وتتضمن الخطوة التالية استخدام بطاقة الهوية أو محفظة الهاتف المحمول كأداة للدفع الإلكتروني لمجموعة كبيرة من السلع والخدمات، لكن هذا ربما يواجه بمقاومة ثقافية، والتحدي الرئيسي هنا هو كسب ثقة مقدمي السلع والخدمات. فكما تحمل ورقة الدولار الأميركي عبارة In God We Trust»»، فإن الشركات الصغيرة تعيش وفق تعويذة «كل شخص آخر يدفع نقداً».
طريقة واحدة للتغلب على هذه الشكوك، وهي زيادة عدد منافذ استخدام البطاقة أو محفظة المحمول. ففي الوقت الذي ينمو فيه التسوق عبر الإنترنت في العراق من خلال منافذ التجارة الإلكترونية المحلية مثل «Miswag»، وهي منصة تسوق عبر الإنترنت تعرض مجموعة من المنتجات من الملابس إلى الإلكترونيات، لا يزال الدفع يجرى نقداً عند تسلم السلع المشتراة عبر الإنترنت.
وكما فعلت عندما بدأت في دفع الرواتب والمزايا من خلال بطاقة «Qi Card»، يمكن للحكومة العراقة أن تلعب دوراً رائداً في امتصاص المعاملات غير النقدية، إذا سمحت بالدفع الإلكتروني لفواتير الخدمات ورسوم الخدمات الحكومية في المرافق التي تخضع للدولة. لكن بدلاً من إنشاء حوافز تستند إلى سوق المعاملات غير النقدية الأقل كلفة، يبدو أن بيروقراطية الدولة اختارت فرض تبني النمط الجديد من خلال الإكراه فقط.
وتتمثل العقبة الأصعب في عنصر الشفافية التي تأتي مع اعتماد نمط «Fintech» الجديد. فكل معاملة مالية لا بد أن تترك ورائها أثراً أو توثيقاً ورقياً، وهو ما يواجه بمقاومة من ثقافة الفساد والتهرب الضريبي في البلاد. ولذلك فإن الفساد هو المستفيد الأول من استمرار النظام النقدي. وستستفيد الشركات، سواء كانت قانونية أو تلك التي تعمل في ظل الاقتصاد الاقتصادي، من انخفاض تكاليف التشغيل لشركة «Fintech»، لكنها ستجد نفسها مضطرة للكشف عن حجم مبيعاتها الحقيقية، وتعرضها لضرائب أعلى، ولتقلبات الإيجارات التي نشأت في ظل الفساد اللامركزي الذي استشرى بعد عام 2003.
ورغم التحديات الكثيرة، فقد قطع العراق شوطاً كبيراً نحو الاندماج المالي على مدار السنوات القليلة المضطربة، كما يتضح من قاعدة بيانات «غلوبال أنديكس» العالمية التي أصدرها البنك الدولي عام 2017. فقد ارتفع عدد العراقيين أصحاب الحسابات البنكية من 11 في المائة في عام 2014 إلى 20.3 في المائة عام 2017. وحدث ذلك النمو خلال فترة الانكماش المالي في 2014 - 2017، حيث مرت كثير من البنوك بأزمة ثقة. إن تمتع 19.1 في المائة من السكان بخدمة التحويل الرقمي أمر واعد في حد ذاته، مقارنة بالأرقام في باقي المنطقة.
ولعل الأهم من كل ذلك هو أن عملية التقييم والاعتماد الائتمانية المبتكرة الخاصة بشركة «Qi Card» على النحو المنصوص عليه في أكبر مصرف حكومي في البلاد، وهو «مصرف الرافدين»، قد أدت إلى إصدار أكثر من ملياري دولار من القروض عام 2018، في السنة الأولى من عمل الشركة. وتراوحت القروض ما بين مليون و10 ملايين دينار عراقي (840 - 8400 دولار)، مع نحو 9 في المائة من هذا المبلغ مستحقة الدفع على 60 شهراً، منها أكثر من 60 في المائة اتجهت إلى الشركات الناشئة.
إن رقم ملياري دولار أميركي، رغم صغره بالقيمة المطلقة، فإنه إيجابي مقارنة بإجمالي قيمة الائتمان البالغ 17 مليار دولار الذي جرى دفعه للقطاع الخاص العراقي عام 2018، وفق البنك المركزي العراقي.
إن هذه الأرقام تظهر إمكانية نمو القروض بمجرد أن يجري تغيير عملية التقييم والاعتماد الائتمانية القديمة والمكلفة عن طريق شركة «Fintech».
- أستاذ مساعد بالجامعة الأميركية في العراق كبير موظفي الاستثمار في صندوق الاتحاد الآسيوي للعراق عضو مجلس إدارة بنك التسليف العراقي



«موانئ» السعودية تطلق خدمتَي شحن جديدتين عبر ميناء جدة

إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)
إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)
TT

«موانئ» السعودية تطلق خدمتَي شحن جديدتين عبر ميناء جدة

إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)
إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) توسُّع عمليات شركة «باسيفيك إنترناشيونال لاينز» في ميناء جدة الإسلامي، عبر تدشين خدمتَي الشحن «آر جي إس» و«آر إس تو»، في خطوة تعكس تنامي دور الميناء بوصفه محوراً لوجيستياً رئيسياً على البحر الأحمر، وتعزِّز كفاءة الربط الملاحي مع الأسواق الإقليمية والعالمية، وفق الهيئة. وقالت «موانئ» إن الخدمة الأولى «آر جي إس» ستربط الميناء بـ4 موانئ تشمل نهافا شيفا، وموندرا في الهند، إضافة إلى جيبوتي وبربرة في الصومال، بطاقة استيعابية تصل إلى 1810 حاوية قياسية. وأضافت أن خدمة «آر إس تو» توسِّع نطاق الربط ليشمل 9 موانئ عالمية، من بينها موانئ رئيسية في الصين وسنغافورة، إلى جانب موانئ إقليمية مثل السخنة في مصر والعقبة في الأردن، بطاقة استيعابية تبلغ 11923 حاوية قياسية، في مؤشر على تنامي السعة التشغيلية للميناء وتعزيز قدرته على استيعاب خطوط الشحن العالمية. وأوضحت أن هذا التوسُّع يأتي ضمن جهود مستمرة لرفع كفاءة الأداء التشغيلي وتحسين تصنيف السعودية في مؤشرات الخدمات اللوجيستية العالمية، إلى جانب دعم نمو الصادرات الوطنية وتوسيع شبكة الربط البحري. ويُعد ميناء جدة الإسلامي من أكبر الموانئ في المنطقة، إذ يضم 62 رصيفاً متعدد الأغراض، إضافة إلى مناطق لوجيستية متكاملة ومحطات متخصصة لمناولة الحاويات، بطاقة استيعابية تصل إلى 130 مليون طن سنوياً، ما يعزِّز قدرته على التعامل مع الزيادة المتوقعة في أحجام التجارة.


عقود «وول ستريت» الآجلة تتراجع بعد تحذيرات ترمب لإيران

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

عقود «وول ستريت» الآجلة تتراجع بعد تحذيرات ترمب لإيران

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

انخفضت العقود الآجلة التي تتبع مؤشرات وول ستريت الرئيسية يوم الخميس في الجلسة الأخيرة من أسبوع قصير بسبب العطلة، بعد أن أشار الرئيس دونالد ترمب إلى احتمال شنّ هجمات أكثر شراسة على إيران، مما خفّض التوقعات بنهاية سريعة للصراع في الشرق الأوسط.

وفي خطاب طال انتظاره للأمة يوم الأربعاء، أكد ترمب أن العمليات العسكرية ستُكثّف خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، وذلك بعد يوم من تصريحاته لـ«رويترز» بأن الولايات المتحدة ستنسحب من إيران «بسرعة كبيرة». كما لوّح بإمكانية استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، مما دفع أسعار النفط للارتفاع بنحو 7 في المائة، ليصل سعر خام برنت إلى 108 دولارات للبرميل. وارتفعت أسهم شركات الطاقة الأميركية، حيث سجلت أسهم «إكسون موبيل» و«شيفرون» زيادات بنسبة 3 في المائة و2.6 في المائة على التوالي في تداولات ما قبل افتتاح السوق.

وقال روس مولد، مدير الاستثمار في شركة «إيه جيه بيل»: «الغموض يمثل نقطة ضعف الأسواق، وبين الرسائل المتضاربة من ترمب، والادعاءات المتنازع عليها من كلا الجانبين، وعدم وضوح خطة لحل النزاع، تتعرض الأسواق لضغوط كبيرة».

ومع ذلك، من المتوقع أن تسجل مؤشرات وول ستريت الثلاثة أكبر ارتفاع أسبوعي لها خلال أربعة أشهر، ليكون هذا الأسبوع أول مكاسبها خلال ستة أشهر، بعد أن رحبت الأسواق سابقاً بمؤشرات على قرب نهاية الحرب.

وفي الساعة 4:53 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 443 نقطة، أو 0.95 في المائة، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 75.25 نقطة، أو 1.14 في المائة، فيما تراجع مؤشر «ناسداك 100» بمقدار 357.75 نقطة، أو 1.48 في المائة. كما انخفض مؤشر «راسل 2000»، الحساس لأسعار الفائدة، بنسبة 1.5 في المائة، في حين ارتفع مؤشر تقلبات السوق بمقدار 1.86 نقطة ليصل إلى 26.40، بعد أن سجل أدنى مستوى له في أكثر من أسبوع يوم الأربعاء.

وقد أدَّى الغموض المحيط بالجدول الزمني وأهداف النزاع إلى تراجع الأسواق العالمية في مارس (آذار)، حيث سجَّل مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» أكبر خسارة شهرية لهما في العام، فيما سجَّلت أسعار خام برنت أقوى أداء شهري لها على الإطلاق. وأدَّت المخاوف من أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، إذ يتوقع المشاركون في سوق المال عدم وجود أي تخفيف من جانب «الاحتياطي الفيدرالي» هذا العام، وفق أداة «فيد ووتش»، بعد أن كانت التوقُّعات تشير قبل بدء الحرب لاحتمال خفضين، مع انعكاس الرهانات لاحقاً لاحتمال رفع سعر الفائدة بنسبة 50 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

وينصبُّ التركيز الآن على التطورات المتعلقة بشركة «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك، التي قدَّمت طلباً سرياً للاكتتاب العام الأولي في الولايات المتحدة يوم الأربعاء، ومن المتوقع أن تستهدف قيمة سوقية تبلغ 1.75 تريليون دولار، وفق تقرير «رويترز» نقلاً عن مصدرين مطلعين. كما شهدت أسهم شركات منافسة أصغر حجماً، مثل «روكيت لاب» و«بلانيت لابز» و«إنتويتيف ماشينز»، ارتفاعاً يوم الأربعاء تحسباً لتجدد اهتمام المستثمرين بالقطاع.

أما على صعيد البيانات، فسيسبق صدور تقرير الوظائف غير الزراعية يوم الجمعة قراءة أسبوعية لطلبات إعانة البطالة، فيما ستظل الأسواق الأميركية مغلقة بمناسبة عطلة الجمعة العظيمة. كما سيتم متابعة تصريحات رئيسة بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في دالاس، لوري لوغان، لاحقاً خلال اليوم. وفي تحركات ما قبل افتتاح السوق، قفزت أسهم شركة «غلوبال ستار» بنسبة 12. في المائة بعد تقرير أفاد بأن أمازون تجري محادثات للاستحواذ على شركة أقمار الاتصالات في المدار الأرضي المنخفض.


«بوابة التنف» السورية تفتح شريان طاقة عراقياً لمواجهة حصار «هرمز»

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

«بوابة التنف» السورية تفتح شريان طاقة عراقياً لمواجهة حصار «هرمز»

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في مسارات الطاقة الإقليمية، بدأت بغداد رسمياً تصدير النفط الخام براً عبر الأراضي السورية، في مسعى لتجاوز حالة الشلل التي ضربت ممرات التجارة البحرية التقليدية. وتأتي هذه الخطوة، التي وصفتها دمشق بأنها عودة إلى أنها «بوصلة العبور» ومنصة حيوية للطاقة العالمية، في وقت تعصف فيه التحولات الجيوسياسية بالمنطقة؛ مما يفرض واقعاً اقتصادياً جديداً يعتمد على التكامل البري بين البلدين.

أولى قوافل صهاريج الفيول العراقي انطلقت عبر منفذ «التنف - الوليد» الحدودي، متجهة نحو مصفاة بانياس على الساحل السوري، لتشكل بذلك تدشيناً فعلياً لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي. وذكرت «وكالة الأنباء السورية (سانا)» في هذا الإطار أن حمولة 299 شاحنةَ صهريجٍ تنقل الوقود العراقي ستُحمّل بعد ذلك للتصدير.

وكان معبر التنف مغلقاً منذ عام 2015 عندما سيطر «داعش» عليه. وفي عام 2016، أنشأت القوات المدعومة من الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في التنف. وسيطرت القوات السورية على القاعدة الشهر الماضي؛ مما مهد الطريق لإعادة فتح المعبر.

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

«بوصلة العبور»

ومع بدء أولى قوافل صهاريج الفيول العراقي دخول الأراضي السورية من خلال منفذ «التنف - الوليد»، متجهة نحو مصفاة بانياس على الساحل السوري، كتب وزير الطاقة السوري، محمد البشير، في حسابه على منصة «إكس»: «من الحدود السورية - العراقية إلى النواقل البحرية في بانياس... سوريا تعود لتكون بوصلة العبور ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة العالمية». ورأى أن هذه الخطوة «تعزز المصالح الوطنية وتدفع بعجلة التكامل الاقتصادي العربي إلى آفاق أوسع».

وأعلنت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» أن هذه الخطوة «محطة مهمة في مسار تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين، من خلال تنشيط خطوط التجارة والطاقة، بما يعزّز فرص التكامل الاقتصادي ويدعم حركة التبادل التجاري خلال المرحلة المقبلة»، مؤكدة جاهزيتها لتقديم كل التسهيلات وضمان سرعة وكفاءة الإجراءات.

وكان مدير العلاقات العامة في «الهيئة»، مازن علوش، أعلن، الثلاثاء، عبر صفحته على «فيسبوك»، إعادة افتتاح منفذ التنف - الوليد، مؤكداً بدء دخول أولى قوافل صهاريج النفط العراقي باتجاه مصب بانياس النفطي.

توازياً، أجرى وفد من رئاسة «الهيئة» جولة ميدانية للاطلاع على جاهزية منفذ «اليعربية - ربيعة»، تمهيداً لاستكمال تفعيل العمل فيه مطلع شهر مايو (أيار) المقبل، إلى جانب متابعة واقع منفذ «سيمالكا - فيشخابور» في إطار استكمال الإجراءات اللازمة لإدخاله ضمن منظومة عمل «الهيئة» بينما استؤنفت حركة المسافرين على منفذ «البوكمال - القائم».

وبالتوازي مع افتتاح «منفذ الوليد»، تتجه الجهود الحكومية السورية إلى تفعيل منفذ «اليعربية - ربيعة» مطلع مايو المقبل، واستكمال الإجراءات في منفذ «سيمالكا - فيشخابور»، لتعزيز شبكة الربط الحدودي الشاملة.

من جهته، أعلن مدير ناحية الوليد العراقية، مجاهد مرضي الدليمي، في تصريح لـ«وكالة الأنباء العراقية (واع)»، أن «(منفذ الوليد) الحدودي شهد الافتتاح التجريبي ومباشرة دخول صهاريج النفط الخام بين العراق وسوريا». وذكر أن أكثر من 150 صهريجاً موجوداً حالياً في انتظار دخول الأراضي السورية، متوقعاً أن يبلغ معدل دخول الصهاريج نحو 500 صهريج يومياً حداً أدنى.

ويحظى التعاون النفطي بين سوريا والعراق بدعم إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب. فقد صرّح المبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، لـ«المجلس الأطلسي» الأسبوع الماضي، بأن سوريا يمكن أن تكون «الحل» لأزمة الطاقة الناجمة عن الوضع في مضيق هرمز، مُشيداً بإمكانية تطوير خطوط أنابيب بالبلاد، بما في ذلك من العراق.

«سوريا خيار حيوي»

تكتسب هذه العملية أهمية مضاعفة بالنظر إلى اشتعال الجبهات الإقليمية وتصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة ثانية، وما نتج عنه من تهديدات مباشرة للملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن «العراق، بصفته أحد كبار منتجي النفط، وجد في سوريا خياراً حيوياً ومتاحاً لاستمرار تدفق صادراته، خصوصاً مع تعذر التصدير البحري الآمن»، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التوجه الحالي «يهدف إلى رفع معدل الدخول إلى ما بين 500 و700 صهريج يومياً حداً أدنى».

وفي ظل تعرض الجانب السوري من الحدود منذ اندلاع الحرب الإقليمية غير المسبوقة، لهجمات بطائرات مسيرّة وقصف بالقذائف من الجانب العراقي؛ منها هجوم بطائرة مسيَّرة السبت الماضي، انطلقت من العراق، على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، يبرز التساؤل بشأن مدى إمكانية استمرار فتح المنافذ بين البلدين ومواصلة عملية تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية في ظل هذه التوترات الأمنية.

يقول عياش: «لا شك في أن العراق من أكبر الدول الخليجية تضرراً من الحرب (الحالية)... نظراً إلى أنه أحد كبار المنتجين والمصدرين للنفط ويعتمد بشكل كبير على عوائد التصدير، ولذلك كان لا بد من البحث عن البدائل الممكنة لاستمرار التصدير وكانت سوريا خياراً متاحاً فعلاً... لكن استدامة التصدير تعتمد على موازنة الحاجة المالية والنفطية (خصوصاً مع استمرار الحرب وتعذر التصدير عبر مضيق هرمز) مقابل التحديات الأمنية الميدانية في منطقة النشاط العسكري».

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

ويسعى العراق إلى زيادة التصدير عبر سوريا إلى ما بين 600 و700 شاحنة يومياً؛ مما يجعله خياراً حيوياً ومُتفقاً عليه بين البلدين. ويعُدّ هذا الخيار، وفق عياش، «تطبيقاً واقعياً لمفاهيم الاقتصاد المكاني بوصفه حلاً مرحلياً لاستمرار التصدير، بحيث يتاح الوقت والإمكانات لإعادة إحياء خط الأنابيب الذي يصل بين العراق وسوريا، وصولاً إلى مرفأ بانياس النفطي على ساحل البحر المتوسط. فالتصدير عبر الأنابيب أكبر جدوى وأقل تكلفة وأعلى أماناً، حيث تشوب المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق بعض التوترات الأمنية وتتعرض أحياناً لسقوط القذائف، مما يشكل خطراً مباشراً على أمن الشاحنات والطواقم».

وكان العراق خفّض إنتاجه من النفط بنحو 80 في المائة إلى 800 ألف برميل بسبب صعوبة الشحن.

جولة تفقدية لوفد من رئاسة «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية» على منفذ «اليعربية» الحدودي مع العراق (الهيئة)

تسيير رغم المخاطر

ولكن رغم المخاطر، فقد بدأ تسيير أولى القوافل الفعلية؛ مما يشير إلى محاولة المضي قدماً رغم الظروف الإقليمية. ورأى عياش أن «الاستمرار في هذه العملية يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة القوات الأمنية في البلدين على تأمين الطريق الحيوية للصهاريج، ومدى توفر الإمكانات المادية والفنية والتقنية اللازمة لإعادة إحياء خطوط الأنابيب ومحطات الضخ التابعة لها والواقعة في الأراضي العراقية والسورية».

عوائد اقتصادية وإنعاش للخزينة السورية

ووفقاً للتقديرات الاقتصادية والاتفاقيات الجاري تفعيلها حالياً، يُتوقع - وفق عياش - أن «تحقق عملية تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية عوائد ومنافع مالية وفنية مباشرة وغير مباشرة لسوريا، حيث تقدر الدراسات الاقتصادية عوائد رسوم العبور بما بين 150 مليوناً و200 مليون دولار سنوياً في حال جرى تشغيل الخط بطاقة تصديرية عالية».

كما تستفيد الخزينة السورية من رسوم الموانئ، ورسوم استخدام المستودعات والتفريغ، بالإضافة إلى عوائد خدمات الطريق للشاحنات. كما يُتوقع تشغيل ما بين 600 و700 شاحنة يومياً؛ «مما يعني إنفاقاً كبيراً على الوقود (للشاحنات السورية المشاركة)، والصيانة، ورسوم الطرق؛ مما يحرك العجلة الاقتصادية في المناطق التي تمر بها القوافل».

وتوقع عياش أن توفر هذه العملية لسوريا «إمكانية الحصول على حصص من النفط أو المشتقات بأسعار تفضيلية أو في جزء من أجور العبور؛ مما يخفف فاتورة استيراد الطاقة». وقال: «تعدّ هذه العوائد حيوية لسوريا في ظل الظروف الراهنة، حيث تسهم في إنعاش النشاط الاقتصادي وتوفير العملة الصعبة، رغم أن أرقام الأرباح النهائية تعتمد على الكميات الفعلية المصدرة واستقرار الوضع الأمني على الحدود، فهذا شرط أساسي لتأمين واستمرار التصدير عبر المسار السوري».