حراك السودان يرفض خطة {العسكري} للانتخابات

البرهان يأسف لأعمال العنف ويعد بالتحقيق

محتجون يغلقون طريقاً في الخرطوم لمنع الجيش من الانتقال بعرباته في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
محتجون يغلقون طريقاً في الخرطوم لمنع الجيش من الانتقال بعرباته في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
TT

حراك السودان يرفض خطة {العسكري} للانتخابات

محتجون يغلقون طريقاً في الخرطوم لمنع الجيش من الانتقال بعرباته في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
محتجون يغلقون طريقاً في الخرطوم لمنع الجيش من الانتقال بعرباته في المنطقة أمس (أ.ف.ب)

رفضت قيادة الحراك السوداني إلغاء المجلس العسكري الانتقالي، أمس، الاتفاق السياسي الذي كان أبرمه معها، ودعوته إلى إجراء انتخابات في غضون تسعة أشهر، وذلك غداة مقتل متظاهرين. وحملت قيادة الحراك المجلس العسكري مسؤولية قتل المعتصمين أمام مقر قيادة الجيش، واعتبرته «جريمة مكتملة الأركان»، وتعهدت مقاومته وإسقاطه بوسائل المقاومة السلمية، وعلى رأسها الإضراب السياسي والعصيان المدني، في الوقت الذي تواصلت فيه عمليات العنف ضد المحتجين في أنحاء البلاد.
وأعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان في بيان صبيحة أمس، إجراء انتخابات في غضون تسعة أشهر {ستكون خاضعة لإشراف إقليمي ودولي}، وتشكيل حكومة مؤقتة على الفور {لإدارة البلاد لحين إجراء الانتخابات}.
وأبدى البرهان أسفه للعنف الذي صاحب {عملية لتطهير شارع النيل}، مؤكداً أنه سيتم التحقيق في أعمال العنف. وقال إن «القوى السياسية التي تُحاور المجلس العسكري» تُحاول «استنساخ نظام شمولي آخر يُفرض فيه رأي واحد يفتقر للتوافق والتفويض الشعبي والرضا العام ويضع وحدة السودان وأمنه في خطر حقيقي».
واعتبر عضو التفاوض في تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، مدني عباس مدني، الإعلان، {بيان انقلاب نرفضه جملة وتفصيلاً».
وقال مدني في مؤتمر صحافي عقده بالخرطوم، أمس، إن {فض الاعتصام بالقوة وقتل المدنيين العزل جريمة مكتملة الأركان نفذها المجلس العسكري}. واعتبر أن «ما حدث من المجلس العسكري (أول من أمس)، هو انقلاب، وموقفنا منه هو إسقاطه وإلحاقه بمن سبقه من شموليين». وتعهد {مقاومته بوسائل المقاومة السلمية كافة وعلى رأسها العصيان المدني والإضراب السياسي».
وبحسب مدني، فإن عدداً من الجثث والجرحى والمحتجزين لا يزالون في ميدان الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش الذي تطوقه السلطات.
وأعلن مدني أن تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» على استعداد للتعامل مع كل القوى الرافضة لما يحدث في البلاد، {للعمل على إسقاط المجلس العسكري الانتقالي}. وقال إن «قوى الحرية والتغيير، تمد يدها لكل القوى الراغبة في إسقاط المجلس العسكري للعمل المشترك فيما يوحّد السودانيين».
ودعا {تجمع المهنيين السودانيين}، أحد أبرز مكونات {تحالف الحرية والتغيير}، إلى إجراء {تحقيق دولي} في قتل المحتجين أول من أمس. وقال أمجد فريد، المتحدث باسم التجمع، إنه يرفض خطة لتشكيل لجنة تحقيق حكومية مثلما أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي.
وبحسب نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، فإن أعمال العنف لا تزال متواصلة في الخرطوم، ما أدى إلى ارتفاع حصيلة القتلى حتى أمس إلى أكثر من 35 قتيلاً وجرح وإصابة المئات، أثناء الهجوم على محيط الاعتصام، في حين تقول تقارير رسمية إن عدد الضحايا بلغ 13 قتيلاً وأكثر من مائة جريح.
وقطعت السلطات في الخرطوم خدمة الإنترنت عن البلاد منذ أول من أمس، وتواصل قطع الخدمة أمس، ما جعل مواقع التواصل الاجتماعي للسودانيين خارج البلاد هي المصدر الوحيد للمعلومات الواردة من هناك. ووزع النشطاء على الإنترنت نداءات للأطباء ومساعديهم للقدوم لمستشفيات في الخرطوم، لتقديم المساعدة للجرحى في هذه المستشفيات، في حين تم تبادل نداءات التبرع بالدم على مدار الساعة.
وأثناء ذلك، تواصل العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل في كل أنحاء البلاد؛ ما أدى إلى حالة شلل تام للدولة. وبعد فض الاعتصام، أقام محتجون متاريس في مناطق مختلفة من البلاد وسدوا الطرقات. وتشهد غالبية أحياء الخرطوم والولايات معارك كر وفر بين المتظاهرين والقوات الحكومية، لإزالة المتاريس، في حين أعلنت المزيد من المؤسسات والمصالح والشركات الدخول في الإضراب السياسي.
وجاء إعلان البرهان وقف التفاوض مع تحالف {قوى إعلان الحرية والتغيير}، بعد إعلانها وقف التفاوض مع المجلس الانتقالي ودعوتها إلى {إسقاطه}، رغم توصل الطرفين إلى اتفاق على تشكيل حكومة كفاءات انتقالية مستقلة، ومنح {الحرية والتغيير} نسبة 67 في المائة من جملة مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي، وفترة انتقالية قدرها ثلاث سنوات. وبقيت نقطة خلاف رئيسية تتمثل في نسب التمثيل في مجلس السيادة ورئاسته، ففي حين تتمسك {الحرية والتغيير}بمجلس سيادة مدني برئاسة مدنية وتمثيل عسكري، يتمسك المجلس العسكري بأغلبية عسكرية ورئاسة عسكرية للمجلس.
وحث {التحالف الديمقراطي للمحامين}، أحد مكونات الحركة الاحتجاجية في السودان، أمس، «بعض الدول العربية» على عدم التدخل في الشؤون السودانية والتوقف عن دعم المجلس العسكري الحاكم.
وندد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بما سماه «الاستخدام المفرط للقوة» من العناصر الأمنية السودانية ضد المدنيين؛ مما أدى إلى مقتل وإصابة الكثيرين، داعياً إلى «إجراء تحقيق مستقل» فيما حصل و«محاسبة المسؤولين» عن حالات الوفاة، في حين استعد مجلس الأمن لمناقشة هذه التطورات الليلة الماضية. وعقب الموقف الذي اتخذه غوتيريش، طلبت كل بريطانيا وألمانيا من الكويت التي تتولى رئاسة مجلس الأمن خلال الشهر الحالي، عقد اجتماع لمناقشة التطورات في السودان والاستماع إلى الموفد الدولي نيكولاس هايسوم، ولا سيما في شأن المطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة في الحوادث التي أدت إلى وقوع ضحايا بين المحتجين. وقرر رئيس مجلس الأمن المندوب الكويتي منصور العتيبي عقد جلسة مغلقة بعد ظهر الثلاثاء.
وفي بيان تلاه الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، عبّر الأمين العام عن «التنديد بشدة بالعنف والتقارير عن استخدام القوة بشكل مفرط من عناصر الأمن ضد المدنيين»، مضيفاً أن ذلك «أدى إلى وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى». وقال: «أندد باستخدام القوة لتفريق المحتجين في موقع الاعتصام»، معبراً عن «القلق من التقارير عن أن القوى الأمنية فتحت النار داخل منشآت طبية».
وإذ ذكّر المجلس العسكري الانتقالي «بمسؤوليته عن سلامة وأمن مواطني السودان»، حض كل الأطراف على «التصرف بأقصى درجات ضبط النفس»، بما في ذلك «مسؤولية الحفاظ على حقوق الإنسان لجميع المواطنين، بما في ذلك الحق في حرية التجمع والتعبير». كما دعا إلى «ضمان الوصول من دون عوائق لتقديم الرعاية الأساسية في موقع الاعتصام والمستشفيات التي يعالج فيها الجرحى». وطالب السلطات السودانية بـ«تيسير إجراء تحقيق مستقل في حالات الوفاة ومحاسبة المسؤولين عن ذلك». وكذلك دعا الأطراف إلى «مواصلة الحوار السلمي ومواصلة السير في المفاوضات في شأن نقل الصلاحيات إلى سلطة انتقالية بقيادة مدنية، على النحو الذي طلبه الاتحاد الأفريقي». وأكد «التزام الأمم المتحدة العمل مع الاتحاد الأفريقي لدعم هذه العملية واستعدادها لدعم أصحاب المصلحة السودانيين في جهودهم لبناء سلام دائم».
ونقل دوجاريك أيضاً تنديد مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت بـ«أشد العبارات» باستخدام الذخيرة الحية خلال الاحتجاجات في الخرطوم. وقالت: إن «المتظاهرين في السودان كانوا خلال الأشهر القليلة الماضية مصدر إلهام للجميع، على وقع تظاهرهم السلمي وتحاورهم مع المجلس العسكري الانتقالي». وأضافت: «نندد بأشد العبارات بالاستخدام المفرط للقوة خلال الاحتجاجات».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.