التخييم للطفل العربي... متعة المغامرة في الحياة البرية

اتّجاه متنامٍ بين الأسر لإلحاق أولادها بهذا النّوع من الأنشطة

تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)
تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)
TT

التخييم للطفل العربي... متعة المغامرة في الحياة البرية

تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)
تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)

تمثل كلمة التخييم مرادفاً للفطرة والطبيعة التي عاش فيها الإنسان الأول والتي لن ينساها، رغم كل التقدم الحضاري ووسائل الرّاحة المتقدمة، ولعل ممارسة برامجها هي في حد ذاتها الوسيلة الوحيدة التي يهرب بها الإنسان من تلك الحضارة، ليلتحف بالقمر والنّجوم ويوقد النّار ويصنع طعامه من دون أدوات الطّهي الكهربائية، ليشمّ رائحة شوائه ويصنع قهوته وتكون جلسته الليلية مجرد ضحكات وقصص رائعة بعيداً عن ضغوط الحياة الصّعبة.
وفي الفترة الأخيرة ظهر اتجاه متنامٍ لإلحاق الأطفال بالتخييم في كثير من الدول العربية في ضوء التقدم الملحوظ في وعي بعض الأسر، التي تسعى إلى دمج أبنائها وبناتها في برامج المخيمات.
وللتّخييم في المنطقة حكايات طويلة وأماكن كثيرة ساحرة وفوائد لا حصر لها في تنمية مهارات الصّغار وقدراتهم الشّخصية والقيادية. ومع بداية العطلة الصّيفية وزيادة فرص السّفر والتنقل، نحاول أن نتعرّف على هذه الحكايات والفوائد، من خلال الغوص في عالم تخييم الأطفال في المنطقة العربية.
والتخييم للطّفل العربي - كما يقول كابتن السيد محمد زيدان، أحد أهم خبراء المغامرة والتخييم ومدير أكاديمية مهارات الحياة البرّية وفن التخييم في الإمارات العربية - «لا يمثّل ظاهرة جديدة، فقد كانت عادة العائلات الكبيرة في مكة والجزيرة العربية أن يُرسلوا الرّضيع للبادية، لينشأ نشأة قوية فيصلب عوده، وتصقل عظامه من شمس البادية، ويدرك فصاحة اللغة العربية، ويشاهد الزهو في البرية ويعرف فائدتها، ويفرق بين النباتات السّامة والمفيدة، ويعرف الملاحة البرية بالشّمس والقمر والنّجوم».
ويلفت زيدان: «لا يرتبط التخييم بمرحلة عمرية، فالأم يمكنها أن تصحب الطّفل الوليد معها في المخيم ليستنشق رائحة الهواء النّقي، ويستفيد بأشعة شمس الصّباح، إلّا أن سن المشارك في المخيمات الموجهة تربوياً تكون بداية من عمر السادسة، ففي هذا السن هناك نوع من التخييم يسمونه برنامج (اليوم الكامل) منذ الشّروق حتى الغروب، لتأهيلهم لقضاء برنامج مخيم مبيت كامل فيما بعد».
في العصر الحديث، كانت لمصر الرّيادة، حيث كان الأمير عمر طوسون (أحد أشهر أمراء أسرة محمد علي - توفي عام 1944) الدّاعم الحقيقي لنشأة الحركة الكشفية في مصر، وربما كان هو الباعث الحقيقي لثقافة التخييم، التي ارتبطت بالكشافة في ذلك الوقت.
وفي شبه الجزيرة العربية كان التخييم حاضراً، ولكن ليس بالصّورة المقترنة ببرامج تربية الناشئة، ومع ازدهار المجتمع الخليجي أصبحت المخيّمات من الوسائل التربوية التي تتم في دول الخليج، فنجد الصيفية والشتوية والربيعية منها، وتتنافس الشركات على استقطاب أولياء الأمور بخلق نوع برامج مفيدة ومحببة.
في السعودية تُستقطب مجموعات من هواة المغامرة لإثراء برامج التخييم والمغامرة، وإلى جانب ذلك تعدّ المنطقة العربية كلّها مكاناً رائعاً وجاذباً لبرامج التخييم، ونجد الأردن من الدّول التي اهتمت في السنوات الأخيرة بهذا المجال، ففيها كثير من أماكن التخييم وأنشطة المغامرة، وتتميّز بوجود مخيّمات دائمة في الطبيعة يزورها العرب ويمارسون هذا النوع من الأنشطة. وتعتبر الإمارات العربية المتحدة من أهم الدّول العربية التي تنفّذ كثيراً من المخيمات للأطفال على مدار العام، وهي تتميز بوجود مسالك تسلق الجبال لهواتها والتخييم.
ويُمارس الأطفال من خلال أكاديمية الحياة البرّية ومهارات التخييم في الإمارات، برامج متخصّصة للبقاء والتعايش في كل الظّروف والأوقات والأماكن، بما يتناسب مع الطّفل العربي. وتشتهر المغرب بقمة جبل طوبقال كقبلة عالمية لتسلّق الجبال والتخييم، حيث يمكن للصّغار التخييم والاستمتاع ببعض أنشطة الحياة البرّية هناك.
أمّا سلطنة عمان فتتربع على عرش برامج التخييم، خصوصاً خلال فترة الصّيف، فتهطل الأمطار وتكثر الغيوم في منطقة صلالة التي يزورها عددٌ ضخمٌ من المخيمين كل عام، وتتميز جبالها بطبيعة خلابة، فتنتشر فيها برامج المغامرة لهواة تسلق الجبال والتخييم صيفاً. وبالنّسبة لمصر التي حباها الله بطبيعة خلابة ورائعة تصلح لتلك البرامج، فنجد أنّ معظم برامج التخييم يُنظّمها المغامرون الرّاشدون، وتكاد تختفي برامج الأطفال في الحياة البرية، حيث لا يمكن أن نحتسب مخيمات الكشافة التي تتم في المخيمات المبنية من الإسمنت المعنى الحقيقي للتّخييم، ولكن في ظلّ روعة الطبيعة والأمن تنتظر مصر نهضة لبرامج ترتبط بالبحر وبرامج الغوص وتسلّق الجبال والمغامرة.
وأثبتت التجارب التي خاضها المغامرون العرب الصّغار مدى استفادة الطّفل العربي من التخييم، وفي ذلك يقول كابتن زيدان لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «المردود التربوي أكثر من رائع، وذلك لتوفير الترفيه الرّاقي له، الذي يمارسه الطّفل في خروجه للطبيعة بعيداً عن وصاية الأبوين والأسرة، حيث يجد نفسه مضطراً للمواجهة مع المجموعة والطبيعة والاعتماد على النفس، كما يصبح مضطراً كذلك لخلق علاقات اجتماعية سوية وحقيقية».
وتزداد أهمية ذلك حين ندرك أنّ 70 في المائة من العلاقات الاجتماعية للجيل الحالي هي علاقات افتراضية، كما أنّ التخييم يُعطي القدرة للفرد بالاعتماد على نفسه والمحافظة على أغراضه الشّخصية، بل وأحياناً كثيرة مساعدة الآخرين، ويُقسّم الأطفال لمجموعات صغيرة، يقودها أحدهم بالتناوب، الأمر الذي يمنحهم القدرة على القيادة والعمل الجماعي، وحلّ المشكلات والتخطيط وتحقيق الأهداف وفقاً لفترة زمنية محددة.
ولا يقل أهمية عن ذلك «فصل التكنولوجيا عن عقل الطّفل» فيُجري عملياته الحسابية، ويحدّد اتجاه الشّمال، ويرسم خريطة ويستخدم البوصلة المغناطيسيّة، وعند المساء، يسهرون حول النّار حيث تُسرد الحكايات والقصص والأساطير ذات الطّابع التربوي.
ولكن ما يحقّقه التخييم للأطفال من متعة وتشويق وتعليم لا يحول دون قلق الآباء عليهم، ومن طرح تساؤلات حول نسبة المخاطرة. ويقول كابتن زيدان: «يجب أن تكون هناك ضمانات لعدم تعرض الأطفال لمخاطر التخييم، وكلها تدور حول الجهة المنظمة لبرنامج التخييم، فلا بد أن يكون المسؤول مؤهلاً تأهيلاً متخصصاً وأن يتم اختباره سنوياً وتدريبه لمواكبة الجديد في ذلك العلم، ويتم منع الهواة».



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.