التخييم للطفل العربي... متعة المغامرة في الحياة البرية

اتّجاه متنامٍ بين الأسر لإلحاق أولادها بهذا النّوع من الأنشطة

تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)
تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)
TT

التخييم للطفل العربي... متعة المغامرة في الحياة البرية

تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)
تسلق الجبال من أهم أنشطة التخييم (الشرق الأوسط)

تمثل كلمة التخييم مرادفاً للفطرة والطبيعة التي عاش فيها الإنسان الأول والتي لن ينساها، رغم كل التقدم الحضاري ووسائل الرّاحة المتقدمة، ولعل ممارسة برامجها هي في حد ذاتها الوسيلة الوحيدة التي يهرب بها الإنسان من تلك الحضارة، ليلتحف بالقمر والنّجوم ويوقد النّار ويصنع طعامه من دون أدوات الطّهي الكهربائية، ليشمّ رائحة شوائه ويصنع قهوته وتكون جلسته الليلية مجرد ضحكات وقصص رائعة بعيداً عن ضغوط الحياة الصّعبة.
وفي الفترة الأخيرة ظهر اتجاه متنامٍ لإلحاق الأطفال بالتخييم في كثير من الدول العربية في ضوء التقدم الملحوظ في وعي بعض الأسر، التي تسعى إلى دمج أبنائها وبناتها في برامج المخيمات.
وللتّخييم في المنطقة حكايات طويلة وأماكن كثيرة ساحرة وفوائد لا حصر لها في تنمية مهارات الصّغار وقدراتهم الشّخصية والقيادية. ومع بداية العطلة الصّيفية وزيادة فرص السّفر والتنقل، نحاول أن نتعرّف على هذه الحكايات والفوائد، من خلال الغوص في عالم تخييم الأطفال في المنطقة العربية.
والتخييم للطّفل العربي - كما يقول كابتن السيد محمد زيدان، أحد أهم خبراء المغامرة والتخييم ومدير أكاديمية مهارات الحياة البرّية وفن التخييم في الإمارات العربية - «لا يمثّل ظاهرة جديدة، فقد كانت عادة العائلات الكبيرة في مكة والجزيرة العربية أن يُرسلوا الرّضيع للبادية، لينشأ نشأة قوية فيصلب عوده، وتصقل عظامه من شمس البادية، ويدرك فصاحة اللغة العربية، ويشاهد الزهو في البرية ويعرف فائدتها، ويفرق بين النباتات السّامة والمفيدة، ويعرف الملاحة البرية بالشّمس والقمر والنّجوم».
ويلفت زيدان: «لا يرتبط التخييم بمرحلة عمرية، فالأم يمكنها أن تصحب الطّفل الوليد معها في المخيم ليستنشق رائحة الهواء النّقي، ويستفيد بأشعة شمس الصّباح، إلّا أن سن المشارك في المخيمات الموجهة تربوياً تكون بداية من عمر السادسة، ففي هذا السن هناك نوع من التخييم يسمونه برنامج (اليوم الكامل) منذ الشّروق حتى الغروب، لتأهيلهم لقضاء برنامج مخيم مبيت كامل فيما بعد».
في العصر الحديث، كانت لمصر الرّيادة، حيث كان الأمير عمر طوسون (أحد أشهر أمراء أسرة محمد علي - توفي عام 1944) الدّاعم الحقيقي لنشأة الحركة الكشفية في مصر، وربما كان هو الباعث الحقيقي لثقافة التخييم، التي ارتبطت بالكشافة في ذلك الوقت.
وفي شبه الجزيرة العربية كان التخييم حاضراً، ولكن ليس بالصّورة المقترنة ببرامج تربية الناشئة، ومع ازدهار المجتمع الخليجي أصبحت المخيّمات من الوسائل التربوية التي تتم في دول الخليج، فنجد الصيفية والشتوية والربيعية منها، وتتنافس الشركات على استقطاب أولياء الأمور بخلق نوع برامج مفيدة ومحببة.
في السعودية تُستقطب مجموعات من هواة المغامرة لإثراء برامج التخييم والمغامرة، وإلى جانب ذلك تعدّ المنطقة العربية كلّها مكاناً رائعاً وجاذباً لبرامج التخييم، ونجد الأردن من الدّول التي اهتمت في السنوات الأخيرة بهذا المجال، ففيها كثير من أماكن التخييم وأنشطة المغامرة، وتتميّز بوجود مخيّمات دائمة في الطبيعة يزورها العرب ويمارسون هذا النوع من الأنشطة. وتعتبر الإمارات العربية المتحدة من أهم الدّول العربية التي تنفّذ كثيراً من المخيمات للأطفال على مدار العام، وهي تتميز بوجود مسالك تسلق الجبال لهواتها والتخييم.
ويُمارس الأطفال من خلال أكاديمية الحياة البرّية ومهارات التخييم في الإمارات، برامج متخصّصة للبقاء والتعايش في كل الظّروف والأوقات والأماكن، بما يتناسب مع الطّفل العربي. وتشتهر المغرب بقمة جبل طوبقال كقبلة عالمية لتسلّق الجبال والتخييم، حيث يمكن للصّغار التخييم والاستمتاع ببعض أنشطة الحياة البرّية هناك.
أمّا سلطنة عمان فتتربع على عرش برامج التخييم، خصوصاً خلال فترة الصّيف، فتهطل الأمطار وتكثر الغيوم في منطقة صلالة التي يزورها عددٌ ضخمٌ من المخيمين كل عام، وتتميز جبالها بطبيعة خلابة، فتنتشر فيها برامج المغامرة لهواة تسلق الجبال والتخييم صيفاً. وبالنّسبة لمصر التي حباها الله بطبيعة خلابة ورائعة تصلح لتلك البرامج، فنجد أنّ معظم برامج التخييم يُنظّمها المغامرون الرّاشدون، وتكاد تختفي برامج الأطفال في الحياة البرية، حيث لا يمكن أن نحتسب مخيمات الكشافة التي تتم في المخيمات المبنية من الإسمنت المعنى الحقيقي للتّخييم، ولكن في ظلّ روعة الطبيعة والأمن تنتظر مصر نهضة لبرامج ترتبط بالبحر وبرامج الغوص وتسلّق الجبال والمغامرة.
وأثبتت التجارب التي خاضها المغامرون العرب الصّغار مدى استفادة الطّفل العربي من التخييم، وفي ذلك يقول كابتن زيدان لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «المردود التربوي أكثر من رائع، وذلك لتوفير الترفيه الرّاقي له، الذي يمارسه الطّفل في خروجه للطبيعة بعيداً عن وصاية الأبوين والأسرة، حيث يجد نفسه مضطراً للمواجهة مع المجموعة والطبيعة والاعتماد على النفس، كما يصبح مضطراً كذلك لخلق علاقات اجتماعية سوية وحقيقية».
وتزداد أهمية ذلك حين ندرك أنّ 70 في المائة من العلاقات الاجتماعية للجيل الحالي هي علاقات افتراضية، كما أنّ التخييم يُعطي القدرة للفرد بالاعتماد على نفسه والمحافظة على أغراضه الشّخصية، بل وأحياناً كثيرة مساعدة الآخرين، ويُقسّم الأطفال لمجموعات صغيرة، يقودها أحدهم بالتناوب، الأمر الذي يمنحهم القدرة على القيادة والعمل الجماعي، وحلّ المشكلات والتخطيط وتحقيق الأهداف وفقاً لفترة زمنية محددة.
ولا يقل أهمية عن ذلك «فصل التكنولوجيا عن عقل الطّفل» فيُجري عملياته الحسابية، ويحدّد اتجاه الشّمال، ويرسم خريطة ويستخدم البوصلة المغناطيسيّة، وعند المساء، يسهرون حول النّار حيث تُسرد الحكايات والقصص والأساطير ذات الطّابع التربوي.
ولكن ما يحقّقه التخييم للأطفال من متعة وتشويق وتعليم لا يحول دون قلق الآباء عليهم، ومن طرح تساؤلات حول نسبة المخاطرة. ويقول كابتن زيدان: «يجب أن تكون هناك ضمانات لعدم تعرض الأطفال لمخاطر التخييم، وكلها تدور حول الجهة المنظمة لبرنامج التخييم، فلا بد أن يكون المسؤول مؤهلاً تأهيلاً متخصصاً وأن يتم اختباره سنوياً وتدريبه لمواكبة الجديد في ذلك العلم، ويتم منع الهواة».



تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
TT

تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

كشفت تقارير إعلامية أن امرأتين وجّهتا اتهامات إلى النجم الإسباني خوليو إغليسياس بالاعتداء الجنسي عليهما خلال فترة عملهما موظفتين منزليتين في قصوره بمنطقة البحر الكاريبي، بحسب ما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وتزعم إحدى الموظفتين أنها أُجبرت على الدخول في علاقة مع المغني الإسباني، مشيرةً إلى تعرضها للصفع والاعتداء الجسدي واللفظي.

أما اختصاصية العلاج الطبيعي، التي عملت أيضاً لدى المغني، فقد ادعت أنها تعرضت للمس غير اللائق والإهانات خلال فترة عملها، في أجواء من السيطرة والمضايقات المستمرة.

ويواجه إغليسياس، أحد أحدث المشاهير المرتبطين بفضيحة «مي تو» (حراك اجتماعي عالمي يهدف إلى تسليط الضوء على انتشار الاعتداء والتحرش الجنسي، خاصة في بيئات العمل)، اتهامات بالاعتداء على الامرأتين عام 2021، عندما كانت إحداهما تبلغ من العمر 22 عاماً.

ويُزعم أن الاعتداءات وقعت في منزليه الكائنين في بونتا كانا بجمهورية الدومينيكان، وليفورد كاي في جزر البهاما.

ونُشرت هذه الادعاءات اليوم الثلاثاء عقب تحقيق مشترك أجرته صحيفة elDiario.es الإسبانية وقناة Univision التلفزيونية.

وتقول إحدى الضحايا المزعومات، التي تُدعى ريبيكا (اسم مستعار)، إن الفنان الإسباني، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 77 عاماً، كان يستدعيها إلى غرفته في نهاية كل ليلة.

وأضافت قائلة: «كان يستغلني كل ليلة تقريباً. شعرتُ وكأنني عبدة».

وأشارت إلى أن اللقاءات الجنسية المزعومة كانت تحدث في أغلب الأحيان بحضور أحد أفراد طاقم الخدم، الذي كان أعلى رتبةً منها.

وتزعم امرأة أخرى، تُدعى لورا (وهو اسم مستعار أيضاً)، أن إغليسياس قبّلها ولمسها رغماً عنها.

النجم الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

وأفادت كل من elDiario.es وUnivision بأنهما حاولتا مراراً وتكراراً التواصل مع إغليسياس ومحاميه، لكنهما لم تتلقيا أي رد على استفساراتهما عبر البريد الإلكتروني أو الاتصالات الهاتفية أو الرسائل التي وُجهت إلى منزله.

كما حاولت الوسيلتان الإعلاميتان التواصل مع الشخص المسؤول عن إدارة المنزل الذي يُزعم وقوع الاعتداءات فيه، إلا أن المحاولات باءت بالفشل.

وفي المقابل، نفت المرأة التي عرّفتها ريبيكا بوصفها أول مشرفة لها في القصر الكائن في بونتا كانا هذه الادعاءات، ووصفتها بأنها «محض هراء».

وقالت الموظفة السابقة إنها لا تكنّ سوى الامتنان والإعجاب والاحترام لهذا الفنان، واصفةً إغليسياس بأنه «متواضع وكريم ورجل نبيل يحترم جميع النساء».

ويُذكر أن نجم إغليسياس سطع في المملكة المتحدة عندما حققت أغنيته Begin the Beguine نجاحاً باهراً، متصدرةً قوائم الأغاني البريطانية عام 1981.

وباع إغليسياس أكثر من 300 مليون أسطوانة حول العالم.


«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

تستضيف محافظة العلا، يوميْ 22 و23 يناير (كانون الثاني) الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا»، تحت رعاية وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان. يأتي الحفل استمراراً للرحلة الإبداعية للأوركسترا والكورال الوطني السعودي في حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح المحلية والعالمية، وتمثل العُلا وجهة مهمة ومتقدمة على خريطة السياحة الثقافية الدولية. وحققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية، وسط إشادات واسعة وتفاعل جماهيري لافت، لتلتقي، اليوم، بجمهورها في واحدة من أهم مناطق البلاد ثقافياً.

حققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية (واس)

وتُعد العلا إحدى أبرز الوجهات الثقافية والسياحية عالمياً، بما تحمله من تاريخ ضارب في عمق الحضارة الإنسانية، وإرث ثقافي ممتد لقرون طويلة جعل منها مقصداً للسائح الدولي، وملتقى حضارياً يعكس ثراء الهوية الثقافية للسعودية. ويُشكِّل اختيار قاعة «مرايا» لاستضافة هذه التجربة الموسيقية حدثاً مميزاً، حيث تُمثِّل نموذجاً فريداً في العمارة المعاصرة، ومسرحاً يعكس التلاقي بين الفن والطبيعة، ويمنح العروض بُعداً بصرياً استثنائياً. وتسعى الهيئة، عبر هذه المحطة، إلى تعزيز حضور الموسيقى السعودية، وإبراز التنوع الثقافي والفني الذي تزخر به المملكة، ومنح الجمهور المحلي والدولي الموجود في العلا فرصة الاستمتاع بتجربة موسيقية تُجسد الهوية الوطنية، وتُسهم في إثراء المشهد الثقافي للبلاد.


فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
TT

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

يُسلّمك المخرج السوري أمير فخر الدين مفاتيح مشواره مع الغربة وقسوة المنفى خارج وطنه منذ اللقطة الأولى لفيلم «يونان». فيلمٌ كُتب بقلم مجروح، وأُخرج بعين دامعة، فتحوّل ولادةً جديدةً أشبه بعملية قيصرية شاقّة. أخرج فخر الدين أوجاعه وآلام انسلاخه عن أرضه في نصّ مكثّف وحوارات قصيرة ومختزلة، فطغى الصمت على حبكته السينمائية بوصفه لغة أساسية.

إنما هذا الصمت كسره أداء جورج خباز بقدراته التمثيلية الفذّة، فحمل شخصية «منير» المركّبة الآتية من الشتات وضياع الهوية، عبر تعابير وجهه ولغة جسده، وترجم مآسي المهاجر بهدوء مكثّف، مشحون بمشاعر مكبوتة لا تحتاج إلى كلمات.

من ناحية ثانية، تلاقيه الممثلة الألمانية هانا شيغولا بشخصية «فاليسكا» بأداء ناضج ومتّزن. فيما تنثر نضال الأشقر بحضورها المُتقن نفحات من نسمة الوطن الأم. وهكذا تكتمل دائرة شريط سينمائي إنساني، يرسّخ مكانة الشاشة الذهبية بوصفها مساحة للتأمل والوجع والصدق الفنّي بامتياز.

حصد فيلم «يونان» عدداً من الجوائز العربية والعالمية في فئات «أفضل ممثل» و«أفضل مخرج» و«أفضل ممثلة» ضمن مهرجانات سينمائية مرموقة، كان أحدثها «مهرجان هونغ كونغ السينمائي الدولي» و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي». واليوم يحطّ في بيروت ليُعرض في صالاتها؛ بينها سينما «متروبوليس».

يحكي مخرج الفيلم أمير فخر الدين وجعه مع الغربة من خلال «يونان» (سينما متروبوليس)

استغرق تصوير الفيلم نحو 3 سنوات، اعتمد خلاله أمير فخر الدين على كاميرا إنسانية هادئة، بعيدة عن الصخب السردي، تحرّض المُشاهد على الغوص في أعماقه والدخول في حالة شاعرية وتأمّلية طويلة. قدَّم الغربة بإيقاع بطيء، تفترسها الوحدة والعزلة الداخلية، ويترجم ثقلهما بالصمت أكثر مما تفعل الكلمات.

يروي الفيلم قصة كاتب عربي يُدعى «منير»، هاجر إلى ألمانيا، منفصلاً عن أرضه وأمه وأخته. ومع تراكم خساراته وانكساراته، يفكّر في الانتحار، فيقصد جزيرة نائية لتنفيذ قراره. هناك، يتعرَّف إلى امرأة مسنّة تدير بيت ضيافة تُدعى «فاليسكا»، تعيش مع ابنها «كارل» (توم والشيها)، فتشكّل هذه العلاقة الإنسانية الهشّة مدخلاً لإعادة إشعال شغفه بالحياة تدريجياً.

وعلى امتداد نحو ساعتين، يعيش المتفرّج في حضن الطبيعة: طقس عاصف، وفيضانات، ورياح قوية، وأمواج بحر عالية، وسهول خضراء شاسعة، فتعكس حالات داخلية تعيشها الشخصيات. ويدور معظم المَشاهد في أجواء صامتة، يتّكئ عليها المخرج لترجمة ثقل الوحدة والغربة على صاحبهما، فيتحوَّل الصمت لغةً قائمة بذاتها. كما يستخدم شعر المتنبي في بداية الفيلم مُعبّراً عن مشاعره العميقة، فتحضر عبارة من إحدى قصائده:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ

وأعجبُ من ذا الوصلِ والهجرِ أعجبُ

أما السؤال الرئيسي الذي يطرحه فخر الدين بشأن معاني الهجرة، فيختصره بعبارة: «ماذا لو في هذا البُعد نسيَتك أمّك؟»، مشيراً إلى انسلاخه المرّ عن أمّه البيولوجية، وتلك التي تتمثّل في الأرض والوطن.

يطوي جورج خباز من خلال هذا الدور صفحة طويلة من الأدوار الدرامية والكوميدية التي برع فيها، لينقل المُشاهد إلى ضفّة تمثيلية مغايرة تماماً؛ ضفّة عنوانها العريض «الانسلاخ الإنساني» بكلّ معانيه. يرتقي خباز بأدائه إلى تخوم الصوفية؛ تنقطع أنفاسه فيتنفّس المُشاهد الصعداء بدلاً منه. تنهمر دموعه بهدوء طفل يبحث عن حضن أمّه. يرتشف كوب العصير مثل مَن يروي عطشاً امتدّ عقوداً، وتضيئه ابتسامة اشتاق إليها منذ دهور. حتى مشهد عراكه مع ابن صاحبة بيت الضيافة، الذي انتهى بخسارة تثير ضحكاته، يترجم علاقته الملتبسة بالفقد، كأنه يتلذّذ بإضافة خسارة جديدة إلى أرشيف أوجاعه المتراكمة.

يُجسّد جورج خباز شخصية كاتب عربي (فيسبوك)

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناة الغربة، وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة. فالجراح غير الملتئمة، والعزلة المفروضة، وأنين الشوق إلى الوطن، يُعبّر عنها المخرج بالسكوت، ممّا يفرز حالة إنسانية دائمة تحلّق في فضاء الفيلم لتبني المواجهة مع الزمن.

استخدم فخر الدين موهبة خباز على أنها مرآة صادقة لذاته، فمزجها بأوجاعه وأحلامه الكئيبة، ليُعبّر عن حالة البحث عن الهوية التي يخوضها، فجاء الفيلم انعكاساً لواقعه بوصفه شاباً سورياً من الجولان المحتلّ يعيش في برلين، بعيداً عن أرضه ووطنه وأمه، خائفاً من الترحال الدائم والرحيل المتكرر. وتبقى علامة استفهام كبرى يردّدها خباز بصوته في القسم الأخير من الفيلم: «ستُنسى... كأنك لم تكن حلماً جميلاً... كأن وجودك لم يكن إلا وهماً. ستُنسى... كأنك لم تكن».

في مَشاهد تجمع جورج خباز وهانا شيغولا، نلمس بوضوح توق المهاجر إلى دفء العائلة. وفي مواجهة وهمية مع والدته، التي تؤدّيها نضال الأشقر، تتكسّر مشاعر الوحدة ويتحوّل الكاتب «منير» إلى طفل يستعيد الأمل في الحياة. ويأتي أداء الأشقر مثل طوفان من المشاعر، يغمره بحنان الأم ودفئها، ليمنح الفيلم إحدى أعمق لحظاته الإنسانية صفاءً وتأثيراً.

في استعادة رمزية لأسطورة يونان (النبي يونس)، يناجي المخرج الله طلباً للرحمة والخلاص. فنرى الكاتب العربي، بطل الحكاية، واقفاً أمام حوت ضخم لفظته أمواج المحيط، في صورة بصرية كثيفة الدلالة، تدفعه إلى إعادة التأمُّل في شريط حياته بعيداً عن فكرة الموت والانتحار. هنا يتحوّل الحوت من رمز للهلاك إلى علامة خلاص وفرصة ولادة جديدة.

وإلى جانب الحالات الإنسانية العميقة التي يتناولها الفيلم، يُعرّج المخرج على أبعاد اجتماعية وسياسية، فيمرّر رسائل مبطّنة عن المجتمع الأوروبي ونظرته إلى النازح العربي؛ بين الشفقة والريبة، والاحتواء المشروط والعزلة المقنّعة.

وفي أحد أهم مَشاهد الفيلم، حيث تختلط مشاعر الهجرة بالحنين إلى الوطن، نُتابع جورج خبّاز يرقص مذبوحاً من الألم على إيقاع أغنية «حوّل يا غنّام» للراحلة نجاح سلام. مشهد يُذكّرنا برقصة أنطوني كوين في فيلم «زوربا»، فيتفوّق على نفسه، مُعبّراً عن وجع مكبوت يتحوّل تدريجياً إلى فعل تحرُّر. وينقلنا خباز بخطواته التعبيرية إلى مساحة من الفرج والرجاء، راسماً إحدى أجمل اللوحات الفنّية التي يتضمّنها الفيلم.

هي رحلة إنسانية عميقة؛ بسيطة في شكلها، غنية بفلسفة حياة قاسية، يُقدّمها فيلم «يونان»، ليغدو مرجعاً سينمائياً يُوثّق الغربة بحسّ مرهف ومقاربة روحية عالية، بعيداً عن السردية التقليدية، ومُحمَّلاً بأسئلة الوجود والهوية ومعنى الخلاص.