الإعلاميون المؤثرون سياسياً يغيّرون مسار الحكومات

براين والدن صحافي ساهم في سقوط المرأة الحديدية في بريطانيا

مقابلة أجراها والدن عام 1989 مع ثاتشر (رئيسة الوزراء آنذاك) على قناة «آي تي في» يجزم البعض بأنها من أسباب سقوطها
مقابلة أجراها والدن عام 1989 مع ثاتشر (رئيسة الوزراء آنذاك) على قناة «آي تي في» يجزم البعض بأنها من أسباب سقوطها
TT

الإعلاميون المؤثرون سياسياً يغيّرون مسار الحكومات

مقابلة أجراها والدن عام 1989 مع ثاتشر (رئيسة الوزراء آنذاك) على قناة «آي تي في» يجزم البعض بأنها من أسباب سقوطها
مقابلة أجراها والدن عام 1989 مع ثاتشر (رئيسة الوزراء آنذاك) على قناة «آي تي في» يجزم البعض بأنها من أسباب سقوطها

هناك نماذج بارزة من الإعلاميين المؤثرين سياسياً الذي ساهموا في تعديل مسار حكومات وإقناع سياسيين بتغيير خططهم وتعديل أخطائهم. منهم كان الصحافي والمحلل السياسي البريطاني براين والدن الذي توفي في شهر مايو (أيار) الماضي. وكان والدن هو أحد أشهر الإعلاميين المؤثرين على الساحة الإعلامية البريطانية خلال عهد رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر.
كانت شهرة والدن سياسياً تماثل شهرة ديفيد أتنبره في الطبيعة وعالم الحيوان. ولكن اهتمام البريطانيين بالسياسة كان دوما أقلّ. تُوفي والدن قبل أسابيع في عمر 86 عاماً تحت وطأة مرض ضيق الشعب الهوائية في الرئة المعروف باسم «امفسيما».
وهو من بين الإعلاميين القلائل التي كانت ثاتشر تخشى مواجهتهم. ولم يكن والدن هو نجم عصره الوحيد فقد كان ينافس عمالقة الصحافة السياسية مثل روبن داي، في سنوات الحكم القوي لثاتشر وتوني بلير. ولكنه كان الوحيد الذي اشتهر بأسلوب الحوار التحليلي بحيث يقنع السياسي بقبول رأي معين ثم يبنى عليه رأياً آخر ثم استنتاجات لا يجد السياسي مناصاً من القبول بها.
من المؤثرين أيضاً في حقبة ثاتشر كان روبن داي في محطة «بي بي سي»، الذي اعتنى بالمظهر العام حيث رابطة العنق الأنيقة والنظارات ذات الحواف السميكة. وكان والدن يظهر بمظهر بسيط في بدلة زرقاء اللون ويعتمد في حواراته على عشرات من القصاصات الصحافية وعلى سجل مجلس العموم الذي يُسمى «هانسارد»، مع الاهتمام بأدق التفاصيل. واهتم والدن بشرح وتبسيط الحقائق للمشاهد عبر 284 حلقة في تلفزيون نهاية الأسبوع قبل أن يحصل على برنامجه الخاص.
في بحث جرى في منتصف الثمانينات حول أفضل محاور سياسي بريطانيا حصل والدن على نسبة 87 في المائة من الأصوات حول مدى الثقة فيه، ولكنه لم يحقق سوى 7 في المائة فقط من حب الجماهير له. وكان سبب هذا التراجع في الأصوات أسلوبه الفلسفي الذي يبدو فيه وكأنه يتعالى به على المشاهد العادي، ونبرة الصوت، وعدم النطق الصحيح لحرف الراء، بالإضافة إلى أسلوبه الذي كان يتمحور حول نفسه.
ولكنه مع ذلك كان بارعاً في حواراته السياسية، وذلك لخبرته في عالم السياسة بحث كان يعرف أسلوب السياسيين جيداً، وكان في حواراته يبدو وكأنه يقرأ عقولهم. وكان والدن يبتعد عن مجتمع لندن المخملي وحفلاته ويفضل مجموعات الأصدقاء من أيام الجامعة وزملاء الإعلام. وعندما أُتيحت له فرصة التقاعد المبكر انتقل على الفور إلى جزيرة غيرنسي التي توفر أسلوب معيشة تقليدياً.
من المؤثرين أيضاً في الوقت الحاضر من متبعي أسلوب والدن الصحافي أندرو نييل، الذي قال عن والدن إنه كان من أبرع المحاورين السياسيين تلفزيونياً، واخترع أسلوبه الخاص في الحوار. وابتكر والدن هذ الأسلوب بعد خبرته الطويلة في البرلمان وقبله في رئاسة اتحاد طلبة جامعة أكسفورد ومحاضراته الأكاديمية في الجامعة نفسها.
وخلال فترة حكمها ظهرت ثاتشر في برامج والدن 15 مرة، وكان الحوار يبدو وكأنه مباراة في الشطرنج بين عقول فذة. وفي كل الأحوال كان الظهور في برنامج والدن يتطلب استعدادات شاملة وتحضيراً جيداً حتى لا ينقلب الوضع إلى ظهور السياسي في مواقف محرجة.
وكان لبراين والدن ضلع في سقوط ثاتشر عندما واجهها قرب نهاية عصرها بما يُشاع حولها من أعضاء برلمان حزبها الذين لم يجرؤ أحدهم على مواجهتها شخصياً. وقال والدن في أحد حواراته معها: «الانطباع السائد عنك من أعضاء البرلمان المنتمين لحزبك هو أنك قد تعانين من اختلال بسيط، فأنت متسلطة وديكتاتورية وترفضين الاستماع إلى الآخرين، فلماذا؟». وأضاف: «لماذا لا تعكسين بصفة عامة ما تقولين لي في اللقاءات الخاصة؟» وكان رد ثاتشر هو: «براين، إذا كان هناك من شخص متسلط في هذا الحوار فهو أنت!».
وحقّق والدن كثيراً من الجوائز الإعلامية، وكان شخصية العام الإعلامية في عام 1991.
قالت عنه زوجته بعد وفاته إنه كان شخصاً سعيداً وجيد الاختلاط بالآخرين. وأكدت أنه كان يعتقد بضرورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقال قبيل وفاته إن مسؤولة مثل ثاتشر لم تكن تسمح بالأمور أن تتطور إلى هذا الحد مثلما فعلت تيريزا ماي. وأضافت زوجته أنها تأسف لعدم حضور والدن لحظة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثلما كان يأمل.
من القضايا العامة التي ساهم براين والدن في تغيير الرأي العام بشأنها خلال فترة عضوية البرلمان وبعدها من منصات الإعلام المطالبة بإنهاء عقوبة الإعدام في بريطانيا. كما ساهم في زيادة وعي العامة بنظم المعاشات والتأمين الصحي وحطم المفهوم الخاطئ السائد بأن كل مواطن له حساب خاص لدى الحكومة توضع فيه مساهماته في التأمين الصحي والمعاش. فالواقع أن كل مصروفات التأمين الصحي والمعاشات تأتي من الميزانية العامة.
هذا الأسلوب التحليلي الذكي اختفى الآن من الإعلام البريطاني لعدة أسباب، منها خوف المحطات من فقدان نسب المشاهدة عند تناول موضوعات لا تتمتع بالشعبية، والاتجاه إلى تقديم عدة فقرات في برنامج واحد على غرار المجلات ذات المواضيع المتعددة. بالإضافة إلى خوف السياسيين من قبول المشاركة في برامج حوار طويلة وعميقة. ويعتقد البعض أن حوارات والدن لا يمكن أن تحدث في عصر ماي وكوربن لأن مستشاريهما الإعلاميين لن يقبلوا بها.
والمؤسف أن برامج والدن تحولت الآن إلى الأرشيف، ولم يعد لها أهمية باقية، لأنها تتعلق بحوارات الماضي مع زعماء سابقين. ولم يبق من حوارات والدن إلا ذكرى باقية خصوصاً مع مارغريت ثاتشر كدرس مفيد في دورات دراسة الإعلام والتاريخ. فمن ناحية يمكن للسياسيين الجدد تعلم الكثير من 15 ساعة من ثاتشر في حوارات مع والدن، بينما يتعلم طلبة الإعلام من أسلوب الحوار السياسي الذي تميز به والدن. ووصف والدن أسلوبه بأنه يعتمد على قراءة كل شيء والاستماع بدقة إلى الإجابات ثم سؤال المزيد من الأسئلة بحزم وأدب.
ومن بين المحاورين السياسيين الحاليين في بريطانيا يبدو أندرو نييل هو الأقرب في أسلوبه من حوارات والدن. بينما يتبع صحافيو «بي بي سي»، من أمثال جيريمي باكسمان، وجون همفريز، أسلوب روبن داي المسرحي.
من الجيل الجديد على طريق التأثير السياسي في بريطانيا يبرز كثيرون، مثل نك روبنسون وهو يحتل منصب المحرر السياسي في «بي بي سي»، وآدم بولتون المحرر السياسي في «سكاي نيوز»، وبولي توينبي المعلقة السياسية في صحيفة «الغارديان»، وميلاني فيليبس كاتبة أعمدة في صحيفة «ديلي ميل»، وزميلها ريتشارد ليتلجون.
وعربياً، يشتهر في التأثير السياسي من ستينات القرن الماضي صحافيون عرب مثل محمد حسنين هيكل ومصطفى وعلي أمين. ومن لبنان اشتهر في الفترة نفسها سليم اللوزي، والأخير تسببت كتاباته الجريئة في مقتله. ولم يكن الوحيد الذي دفع حياته ثمناً لجرأته الصحافية، فهناك أيضاً ناجي العلي وسمير قصير وكامل مروة، والمصري رضا هلال، والسوداني محمد طه محمد أحمد.
- والدن وثاتشر... علاقة إعجاب وانتقاد
> رغم خلفية براين والدن العمالية، فإنه كان شديد الإعجاب برئيسة الوزراء عن حزب المحافظين، مارغريت ثاتشر. وفي حوار إذاعي على «بي بي سي» جرى في عام 2005 قال والدن إن «ثاتشر غيّرت كل شيء في السياسة البريطانية». وأضاف أن البريطانيين يعيشون في مجتمع اليوم المتحضر بفضل ما حققته ثاتشر في الثمانينات.
وفي تعليقه على زعماء آخرين قال إن رونالد ريغان كان رجلاً مرحاً، لم يعرف الكثير من المعلومات، ولكنه فهم أساسيات السياسة، وشارك بآرائه البسيطة الرأي العام الأميركي الذي أحبه. ولكن والدن لم يكن من المعجبين بجون ميجور الذي جاء بعد ثاتشر، لأنه لم يفتح قلبه في الحوارات الإعلامية وكره الضغوط النفسية المصاحبة للحوارات التلفزيونية ولم يكن الظهور الإعلامي من نقاط القوة لديه.
كان والدن قاسياً على ثاتشر في بعض حواراته وضغط عليها بأسئلته الصعبة، ولكنه في كل الأوقات كان عادلاً ومحايداً في مواقفه منها، رغم اختلافه معها في الآراء السياسية. كان والدن يتوجه للمشاهد الذكي الذي يريد أن يفهم.
ويختلف هذا الأسلوب تماماً عن حوارات اليوم السياسية القصيرة التي لا تهتم كثيراً بالحقائق ولا وجهات النظر المختلفة ولا تصلح إلا للنشر على «يوتيوب» كمقاطع فيديو قصيرة بها كلمات لافتة للنظر، ولكن محتواها لا يوفر أي قيمة للمشاهد.
ويمكن تذكر مدرسة براين والدن في الحوار السياسي وفق ما قاله بنفسه: «ليست وظيفتي أن أكون محققاً بوليسياً لمجرد تعزيز مكانتي وتسجيل النقاط في مواجهة الضيف. إن مهمتي هي استخراج الرأي الصحيح من هؤلاء الذين أحاورهم، وأن أمنحهم الوقت الكافي لكي يردوا».


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.