الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد

بين أسوار القصر وطموح الدبلوماسية ومناصرة حقوق المرأة

الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد
TT

الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد

الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد

لقد تحدثوا من دون مترجم!
عبارة ترددت في العديد من وسائل الإعلام اليابانية لوصف ما حدث خلال استقبال الإمبراطور الياباني ناروهيتو والإمبراطورة ماساكو للرئيس الأميركي دونالد ترمب والأميركية الأولى ميلانيا ترمب في بداية الأسبوع الحالي (الاثنين 27 مايو/ أيار).
العفوية والراحة اللتان سادتا كلاً من اللقاء والمأدبة المقامة في القصر الإمبراطوري على شرف ترمب بصفته أول زعيم أجنبي يلتقي الإمبراطور الجديد، شكلتا صورة غير معهودة للأسرة الإمبراطورية. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي توالت التعليقات الإيجابية من المتابعين اليابانيين، وخصوصاً تلك التي تعبر عن الإعجاب بالإمبراطورة ماساكو وسلوكها الراقي وقدرتها على التحدث بالإنجليزية بطلاقة (وهو أمر يعدّ نادراً حتى بين كبار المسؤولين في بلد يعرف بانعزاليته اللغوية رغم تقدّمه الاقتصادي). حتى صحيفة «النيويورك تايمز» وصفت الإمبراطورة ماساكو بأنها كانت «نجمة» خلال زيارة ترمب، وهي الصحيفة ذاتها التي كانت قد عنونت مقالاً سابقاً عنها بعبارة «إمبراطورة في قفص». فما الذي حدث؟ وهل ستستطيع الإمبراطورة تحقيق تغيير حقيقي في المؤسسة الإمبراطورية التي تُعرف بصرامتها الفائقة؟

انتهى عصر «هيسي» الإمبراطوري في اليابان مع نهاية شهر أبريل (نيسان) المنصرم بعدما استمر 31 سنة. وفي اليوم الأول من شهر مايو 2019 دخلت اليابان عصراً إمبراطورياً جديداً باسم «ريوا». وواكب هذا الانتقال مناخ احتفالي غير مسبوق في اليابان، ذلك أن مراسم تولي إمبراطور جديد لمهامه تترافق عادة مع مراسم الحداد على إمبراطور راحل. ولكن هذا الأمر لم يحدث هذه المرة بفضل تنحي الإمبراطور السابق أكيهيتو رسمياً عن العرش ليصبح بمثابة «الإمبراطور الأب»، مفسحاً المجال أمام ابنه ولي العهد ناروهيتو ليتبوأ عرش أعرق سلالة حاكمة في العالم، وإلى جانبه زوجته الإمبراطورة ماساكو.

مناسبة استثنائية

عاشت اليابان، إذاً، حالة من النشوة تشبه ما يحدث عادة في فترة رأس السنة...
عاشت مختلف أنواع التعبيرات الثقافية والسلوكية المتعلقة بهذا الحدث، بدءاً من إبرام عقود زواج بعد منتصف تلك الليلة ووصولاً إلى التنزيلات في المتاجر والبضائع التي تحمل اسم العهد الجديد. غير أن الحدث الأكثر أهمية على الإطلاق تمثل في إقامة شعائر تكريس الإمبراطور الجديد في منصبه وفق ديانة الشينتو التي تنتمي لها الأسرة الإمبراطورية.
إنها طقوس فريدة تابع العالم تفاصيلها المنفذة بأناقة ودقة شديدتين، تتضمن تسليم الكنوز الثلاثة التي تتوارثها السلالة الإمبراطورية، وهي الجوهرة والسيف والمرآة، ولائحة طويلة من المراسم التي لم تتغير منذ قرون.
ولكن القواعد التي تحكم تلك الطقوس تنصّ أيضاً على تحريم حضور الإناث من الأسرة الإمبراطورية، وهو ما عنى غياب الإمبراطورة ماساكو عن مراسم تكريس الإمبراطور. ويكتسب هذا الغياب بعداً رمزياً بالغ الوضوح هذه المرة، نظراً لصورة الإمبراطورة الحالية ماساكو كامرأة عملت على اقتحام عوالم كان محصورة على الذكور في المجتمع الياباني. فماساكو أوادا، التي تخرّجت في جامعة هارفارد، وعملت في وزارة الخارجية، كانت من الدفعة الأولى من السيدات اللواتي استطعن تلقي معاملة مماثلة إلى حد ما مع نظرائهنّ من الرجال في الوزارة إثر تغييرات كان قد طال انتظارها في قوانين الحكومة اليابانية.
وكانت أقاويل كثيرة انتشرت عن تردّدها في قبول الزواج بولي العهد، وتخوّفها من القواعد التي ستتحكم بتصرفاتها ما إن تدخل القصر الإمبراطوري. وهو ما حدث فعلاً وبشكل ربما فاق تصورها، إذ عانت من عوارض نفسية نشأت عن الضغط الذي واجهته لسنوات، وتأخرت في إنجاب طفلتها الوحيدة آيكو... التي تُعرف باسمها الإمبراطوري الأميرة توشي.

أصل الأسرة

ولدت ماساكو أوادا لأسرة يابانية تعود جذورها إلى عشيرة تحمل الاسم ذاته «أوادا» ازدهر نفوذها في مقاطعة نييغاتا بشمال غربي جزيرة هونشو (كبرى جزر الأرخبيل الياباني) منذ أواسط عصر إيدو في القرن السادس عشر وأنجبت عدداً من الشخصيات المعروفة. أما والدها هيساشي أوادا – الذي يحمل درجة الدكتوراه من جامعة كمبريدج البريطانية، فهو من أبرز الدبلوماسيين ورجال القانون في اليابان خلال العقود الأخيرة، حيث كان سفير اليابان لدى الأمم المتحدة من عام 1994 ولمدة أربع سنوات ترأس خلالها مجلس الأمن مرتين، ثم انضم كقاضٍ إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي ليصبح بعدها رئيساً للمحكمة من عام 2009 إلى عام 2012. ووالدتها يوميكو إيغاشيرا أيضاً سليلة أسرة معروفة من الصناعيين ورجال الأعمال.
مسيرة الأب الحافلة بالتنقلات والمناصب اقتضت أن ترتحل الأسرة بشكل متكرر من دولة لأخرى. ماساكو، الابنة البكر للعائلة، ولدت في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 1963. وأمضت فترات من طفولتها ومراهقتها في موسكو ونيويورك وبوسطن، ثم انتسبت لكلية رادكليف في جامعة هارفارد الأميركية الشهيرة عام 1981 حيث درست العلوم الاقتصادية. ومنذ تلك الفترة بدأت بإظهار إمكانياتها القيادية إذ ترأسّت الجمعية اليابانية في كليتها وبرزت كناشطة في مجال العلاقات الدولية حيث كان لها دور فعّال في مؤازرة عمل القنصلية اليابانية في بوسطن، وذلك خلال فترة شهدت توتراً في العلاقات اليابانية الأميركية بسبب غزو الشركات اليابانية للمجال الاقتصادي الأميركي بشكل غير مسبوق، وبروز مخاوف على الجانب الأميركي من تزايد النفوذ الاقتصادي لليابان واختلال الميزان التجاري لصالح طوكيو... وهو ما يذكر بالأزمة الحالية بين واشنطن وبكين. كذلك أمضت ماساكو فترة أثناء المرحلة الجامعية في جامعة غرونوبل في فرنسا ما يفسّر إتقانها للغة الفرنسية أيضاً.
بعد تخرّجها في هارفارد عام 1986 عادت ماساكو إلى طوكيو للتحضير لامتحان دخول وزارة الخارجية في وقت كانت حظوظ النساء شحيحة جداً في دخول الوزارة المرموقة. إلا أن إمكانياتها المميزة ساعدتها على أن تكون من ضمن ثلاث نساء نجحن في الامتحان وباشرن عملهنّ إلى جانب خمسة وعشرين رجلاً قُبلوا ضمن تلك الدفعة.
وخلال العامين التاليين أنجزت عدداً من المهمات بأداء متميز وفقاً لزملائها. وبعدها أرسلتها الوزارة في منحة أكاديمية لدراسة العلاقات الدولية بجامعة أوكسفورد في بريطانيا، ولكنها عادت إلى طوكيو عام 1990 من دون إكمال البرنامج الدراسي.

اللقاء الأول مع ناروهيتو

أثناء مرحلة التحضير لامتحان وزارة الخارجية التحقت ماساكو ببرنامج أكاديمي لمدة ستة أشهر في جامعة طوكيو، وخلال تلك الفترة كان اللقاء الأول بينها وبين ولي العهد الأمير ناروهيتو، وذلك في حفل استقبال أقيم على شرف أميرة من العائلة المالكة الإسبانية. أعجب الأمير بماساكو فوراً واستمر في لقائها لعدة مرات مما أثار اهتمام الصحافة في الشهور التي تلت. ورغم مغادرتها اليابان للدراسة في أوكسفورد لم ينقطع اهتمام ولي العهد بها. وبعدما رفضت عرضه للزواج مرتين نظراً لأن ذلك يعني تخليها عن مسيرتها المهنية الواعدة، قبلت في المرة الثالثة، يوم عيد ميلادها التاسع والعشرين في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 1992. وبينما تدور إشاعات رومانسية حول وعد الأمير الشاب بأنه «سيحميها مدى الحياة» من ضغوط الوكالة الإمبراطورية، فإن الرواية القائلة بأنه أقنعها بكون المهام الرسمية التي تقوم بها الإمبراطورة أحد أنواع العمل الدبلوماسي، تبدو أقرب للصحة. ولقد شهدت مزرعة البطّ التابعة للقصر الإمبراطوري في مقاطعة تشيبا (شرقي طوكيو) عرض الزواج الذي تكلل بالنجاح، وتعدّ المزرعة منذ ذلك الوقت موقعاً رومانسياً بالنسبة لعشاق أخبار الأسرة الإمبراطورية.
في مطلع العام التالي 1993 أعلن رسمياً عن الخطوبة التي تمت في أبريل من العام ذاته. وفي التاسع من يونيو (حزيران) 1993 أقيم حفل زفاف تقليدي ياباني لولي العهد الأمير ناروهيتو وماساكو أوادا التي اكتسبت لقب صاحبة السمو الإمبراطوري ولية العهد، كما جرت تسمية زهرة من نوع الأوركيد باسمها، وفقاً للتقاليد. ويعدّ ذلك الزفاف الثالث الذي يجمع عضواً في العائلة الإمبراطورية بسيدة من العامّة، وهو تقليد لم يبدأ إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتخلي الإمبراطور هيروهيتو عن صفة الألوهية.

الضوابط الصارمة

مع حصول ماساكو على منصبها الرسمي داخل الأسرة الإمبراطورية، بدأت الضوابط الصارمة التي تحكم تصرفات العائلة الإمبراطورية تضيّق الخناق على الأميرة الشابة. وبالإضافة إلى القيود السلوكية كان هناك ضغط الحاجة لإنجاب وريث للعرش الإمبراطوري، وهو ما لم يحصل في النهاية. فبعد ثماني سنوات من الزواج وفترات طويلة من العلاج النفسي والجسدي وحمل لم يكتمل عام 1999. أنجبت الأميرة ماساكو فلذة كبدها الوحيدة الأميرة توشي (آيكو) عام 2001. ولم تنتهِ معاناة الأميرة بعد الإنجاب، بل تفاقمت لدرجة دفعت بولي العهد للتصريح علناً للصحافة عام 2004 بأن موظفي الوكالة يتصرّفون بشكل يهدف لإنكار القدرات الشخصية للأميرة، وأن ذلك قد أثر بشكل مباشر على وضعها الصحي. وعقب ذلك الإعلان، وبإصرار من ناروهيتو والأطباء المشرفين على علاج الأميرة خفّض عدد المهام الرسمية التي تشارك بها إلى ما يقارب الصفر لسنوات، وفي الآن ذاته كانت لديها الرغبة في المشاركة في الرحلات الخارجية لزوجها إلا أن وكالة القصر الإمبراطوري منعتها من ذلك أملاً في رفع فرص إنجابها لطفل آخر يؤمل أن يكون ذكراً.
وفي أواسط العقد الحالي بدأت الأميرة ماساكو بالعودة لأداء جزء من الدور المنوط بها كزوجة ولي العهد. ويبدو أن صحتها النفسية في تحسن مستمر، ولكن المقرّبين والاختصاصيين النفسيين يؤكدون أن الأمر لا يعني أنها قد تعافت تماماً، وأن على من حولها أن يتوقّعوا مرورها بموجات من التحسن والانتكاس على طريق الشفاء.

تاريخ يعيد نفسه

كثيرون من اليابانيين يرون أن التاريخ يكرر نفسه من خلال معاناة الإمبراطورة ماساكو، إذ أن الإمبراطورة السابقة ميتشيكو كانت قد مرّت بظروف مشابهة. ذلك أن ميتشيكو شودا، التي ولدت أيضاً في كنف عائلة ميسورة عالية الثقافة، كانت أول امرأة من العامة تدخل القصر الإمبراطوري بعد زواجها بولي العهد (يومذاك) أكيهيتو عام 1959.
السيدة الأنيقة التي مثلت المرأة المعاصرة، في حينه، وجدت نفسها تنهار تحت عبء الحياة الإمبراطورية وقيودها، حتى أنها فقدت القدرة على النطق لعدة أشهر في ستينيات القرن المنصرم، وتعرضت لانهيار الأعصاب عدة مرات. إلا أنها في نهاية المطاف حازت على إعجاب الكثير من اليابانيين من خلال التزامها بأداء مهماتها الرسمية، وخصوصاً، عند زيارة المناطق المنكوبة بعد الكوارث مع زوجها. كذلك عُرفت بحساسيتها الأدبية وإبداعها الشعري في نظم قصائد «واكا» التقليدية وترجمة أدب الأطفال وتأليف الكتب المصورة للناشئة. ثم إنها حققت بعض التغييرات الفعلية في الممارسات المتبعة داخل القصر، ومنها إصرارها على الإشراف الكامل على تربية أولادها بنفسها، رغم أن التقاليد تنص على أن يتولّى مختصون تربويون الإشراف اليومي على تعليم أولاد الإمبراطور.

ملفات المستقبل

قد يكون من الصعب على الإمبراطورة الحالية أن تجري تغييرات جذرية في مؤسسة ترجع تقاليدها لقرون. وربما يكون الملف الأصعب هو ملف التوريث، إذ أن العرش الإمبراطوري سيذهب بعد الإمبراطور الحالي إلى أخيه الأمير أكيشينو إن كان على قيد الحياة، أو إلى ابن أخيه الأمير هيساهيتو، نظراً لأن القواعد الحالية تمنع وصول أنثى للعرش الإمبراطوري. إلا أن ملفات أخرى قد تشهد تطورات كبيرة، وربما يكون العالم قد اطلع على نموذج من ذلك خلال زيارة الرئيس ترمب لطوكيو.
بعض المختصين بشؤون القصر الإمبراطوري يتوقعون أن تتجاوز الإمبراطورة ماساكو ما أنجزته سالفتها الإمبراطورة ميتشيكو، وأن تتبنى عدداً من القضايا بشكل مستقل عن زوجها، على رأسها قضية رفع مساهمة المرأة في المجتمع وسوق العمل الياباني، وهي مسألة تبدو عصيّة على الحل رغم السياسات المعلنة من الحكومات المتعاقبة لدعم مساواة المرأة بالرجل في الشركات والمؤسسات اليابانية.
أيضاً الإمبراطورة قد تلعب دوراً تكاملياً مع زوجها فيما يخص القضايا البيئية، إذ يعرف عن الإمبراطور أنه متخصّص أكاديمياً في شؤون المياه، وخصوصاً في عدد من مناطق العالم الثالث، أما الإمبراطورة ماساكو فقد انخرطت ضمن عملها في وزارة الخارجية في ملفات السياسة البيئية ضمن إطار علاقة اليابان بمنظمة التعاون الدولي والتنمية التي تضم 30 دولة من الأكثر تقدماً في العالم من الناحية الاقتصادية.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.