الحب في فضاء افتراضي

شيرين فؤاد تبحث في تحولاته وهويته الإلكترونية

الحب في فضاء افتراضي
TT

الحب في فضاء افتراضي

الحب في فضاء افتراضي

يرصد هذا الكتاب طبيعة العلاقات الإنسانية في الفضاء الإلكتروني، ويحلل دوافعها ونوازعها المتنوعة عاطفيا واجتماعيا وثقافيا، وما تكتسبه من صفات وعادات جديدة، تبدو مغايرة للشائع والمألوف في الواقع العام، ويوضح إلى أي مدى ترتبط هذه العلاقات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي بفكرة الحرية التي لا سقف لها، وأيضا بفكرة التخفي في قناع الصورة، أو الآخر كرمز، والتي يلجأ إليها البعض أحيانا لإتاحة فرصة أكبر للتعبير الحر، والهروب الرشيق بعيدا عن أسوار الذات وقيود الواقع الشائكة، خصوصا على المستوى الشخصي والأسري.
يحمل الكتاب عنوان «البعد الآخر.. الهوية والحب والجنس في عالم افتراضي». وعلى مدار نحو 250 صفحة من القطع المتوسط، نجحت مؤلفته الكاتبة شيرين فؤاد، في أن تجعل القارئ يخوض مغامرة شيقة، في عالم أصبح لصيقا به، ويشكل إحدى ضروريات حياته. وهو ما جعل الكتاب يدخل على قائمة الكتب الأكثر مبيعا في سوق النشر المصرية، وتتولى حاليا طبعته الثانية مؤسسة «الأهرام» الصحافية، بعنوان جديد هو «الحب الإلكتروني»، وكانت طبعته الأولى صدرت عن دار «إشراق» للنشر بالقاهرة، وهي دار حديثة النشأة.
يستهل الكتاب فصوله الأولى بمناقشة مفهوم الفضاء الافتراضي، من منظور علمي صرف، من حيث المكان كحيز مادي، وعلاقات الجغرافيا ببعد المسافة والحجم والمسار، وكيف يختصر هذا الفضاء ويختزل كل هذه الأبعاد، فلا يبدو فضاء افتراضيا تماما، وإنما نتعايش معه، ونتفاعل مع حقائقه كامتداد لفضائنا الذاتي والعقلي والنفسي، يوفر إمكانيات ووسائل اتصال إنسانية هائلة، آمنة ومريحة إلى حد كبير، يمكن تحت مظلتها، وبوسائط بسيطة بلورة صورة وهوية افتراضية، يسهل الدخول والخروج منها وإليها في أي وقت، دونما حواجز أو عراقيل.
وبالتحليل ومتابعة الوقائع والأحداث عن قرب، ومن زوايا مختلفة ترصد المؤلفة أبعاد هذه العلاقة المتشعبة في سياقاتها المباشرة والمستترة، والمتخيلة، على المستوى النفسي والثقافي والعاطفي، وتتواصل معها من منطلق أنها أحد المكتسبات المهمة، شديدة الحساسية في التعاطي مع التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات خاصة على الإنترنت. وتوضح كيف انعكس كل هذا التحول على الفضاء الشخصي للإنسان؟ كيف اخترقه؟ ليخرج من نطاق فضائه الذاتي إلى فضاء أكثر اتساعا، لا مترامي الأبعاد، حيث العالم في قبضة يده وأنامله، لم يعد مجرد فكرة صماء، بل يمكنه بضغطة إصبع على جهاز الحاسوب، أن يتعرف على شوارده وسكناته وصراخه، وما يموج في داخله هنا وهناك، ويتخيل نفسه في قلب الأحداث، يحسها ويسمعها ويشاهدها، وكأنها تحدث على مرمى حجر منه.
ولا يتعامل هذا الكتاب مع أطراف هذه العلاقة من منظور مادي محض، أو في سياق الثنائيات المعرفية المجردة، ولا يتمسح في قضايا الوجود الكبرى، كعلاقة الخير والشر، أو النور والظلام، أو الكره والحب، وإنما يتعامل معها، باعتبارها شكلا جديدا من أشكال الإرادة الإنسانية، والحلم الإنساني. فهي علاقة مفتوحة دائما على قوس البدايات والنهايات تنحل فيها العقد والفواصل السميكة في الزمن والبشر والأشياء.. وهي علاقة - بحسب الكتاب - تؤسس خطوتها في الحلم، وتتوسل به، من أجل معرفة ذاتها ومعرفة ذات الآخر، وإعادة اكتشاف الاثنين معا، على قاعدة مرنة، يصبح فيها المجهول، فقط مجرد خط وهمي معصوب العينين مؤقتا، ربما إمعانا في التمويه والتخفي، وإثارة المزيد من الدهشة والجاذبية، فوق طاولة العلاقة، التي تجابه دوما حلم النزول من أرض الفضاء الافتراضي الرخو المثير، إلى أرض الواقع الخشن، حيث الأقدام الغليظة وضغوط ومخاوف الحياة.
أيضا لا ينشغل الكتاب كثيرا بمدارات الأعراف والتقاليد الاجتماعية والبحث عن مظان وحدود لـ«شرعنة العلاقة» في الفضاء الإلكتروني، فهي علاقات حرة لا ترتب مسؤولية مادية على كاهل المنخرطين فيها. بل يوضح الكتاب كيف أنها قد تصل في «غرف الدردشة» إلى آفاق شديدة الحساسية تتجاوز نطاق الألفة العاطفية، والمفاهيم العادية للصداقة، صعودا لمشارف العلاقة الجنسية، والتي قد يصل فيها التعارف الحميم إلى التعرف بالصوت والصور المتبادلة العابرة والمقيمة خاصة على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، المسرح الميداني الأساس لموضوع الكتاب. وهنا يحلل الكتاب بشفافية بالغة الدقة الأطر والدوافع المتنوعة التي تهيئ وتفرز هذا النوع من العلاقة. وتلفت المؤلفة إلى خطورة تحولها إلى علاقات ضدية، تنهض كبديل، أو شكل تعويضي بالمعني النفسي، يفرض ضمنيا نوعا من المقارنة بين شريك «السايبر سكس» والشريك الفعلي في الحياة، حينئذ تتحول «ازدواجية العلاقة» بدورها إلى فعل اعتيادي، يجد فيه أطراف العلاقة في الفضاء الإلكتروني متنفسا إنسانيا وعاطفيا شديد الإغواء، بل منافسا قويا لحياة زوجية، ربما بردت وفترت، ولم يبق منها سوى هيكل اجتماعي هش يترنح على أرض الواقع.
وفي المقابل يطرح الكتاب قضايا إنسانية شائكة، تقف على حافة هذا الفضاء الافتراضي البديل، تصل خطورتها إلى حد الجريمة الإنسانية المغلفة بنزق الحب وغبار حماقاته وأشواكه، ومنها على سبيل المثال، قضايا التحرش الجنسي، الخيانة الإلكترونية، الزنا الإلكتروني. ويوضح كيف تتسرب كل هذا القضايا، بتلقائية أحيانا، وكأنها تفيض عن المشهد أو ثمرة طبيعة لمداراته العاطفية، وأحيانا أخرى تبدو كاستثمار متعمد للحظات الغزل المموه باصطناع اللهفة والحنين، لاستثارة الضحية واستمالتها في اتجاه معين. ويفند الكتاب أنواعا من التحرش الجنسي، منها اللفظي والبصري، وغير المباشر أو الموجه باستخدام وسائط جنسية كالصور والألعاب الإباحية.
وفي كل فصول الكتاب تقدم المؤلفة وبأسلوب شيق الفضاء الإلكتروني كحقيقة علمية خالصة، ورافدا مهم من روافد المعرفة الإنسانية، وتمهد لذلك بمناقشة كينونة هذا الفضاء في رؤى وأفكار عدد من الفلاسفة والعلماء المختصين (كانط - نيوتن - ليبنتز - آينشتاين - أندرسن)، بل تناقش - من واقع خبرتها الدراسية في علوم الحاسب الآلي - معايير الأخلاق في الفضاء الإلكتروني، بكل مفرداته، من علاقات فردية، ومنتديات ومجموعات لها أنشطة ما، أو ذات طبيعة خاصة.
تبقى من أجمل الأشياء التي يتكشف عنها هذا الكتاب، هو مقاربته لخصوصية الظاهرة الإنسانية في الفضائي الإلكتروني، لافتا إلى أنها تتسم بكثافة عاطفية سريعة التحول والتصعيد، تتسم بالديناميكية وتتمتع بطبيعة جدلية خاصة، تتبلور في أشكال حديثة من التأثير والتأثر، تنعكس على منحنى العلاقات العاطفية، مدا وجذرا، صمتا وصخبا، جاذبية ونفورا.. لكن يبقى هذا الفضاء هو البيئة الأسرع، ليس فقط في تكوين الهويات الجديدة العابرة للتخوم التقليدية للهوية، وإنما أيضا لاكتشاف البعد الآخر لها، حتى على مستوى الحضور والغياب.
لقد عرض الكتاب كل هذه الظواهر، وسبر أغوارها بحيادية وموضوعية تامتين. ولم يتعامل مع أطراف العلاقات المتنوعة في الفضاء الإلكتروني، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والآيدلوجية، وحتى على مستويات أعمارهم، كعينة اختبار عشوائية، وإنما تعامل معهم كحالات إنسانية، رسخ هذا الفضاء هويتها المضطربة في الواقع، ووضعها في اختبار حر أمام مرايا متعددة وحرة أيضا، وفي حالات أخرى كان الحصاد عكس ذلك.
لذلك كله، أتصور أن هذا الكاتب نجح بسلاسة شديدة أن يدشن فكرة لاحت لي من خلال مطالعتي لموضوعه المثير، وهي فكرة «القارئ المعايش» التي تشعر معها بأن الكتاب أصبح صديقا لك.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.