القادة الأكراد يحاولون نفض غبار الهزيمة الأولية أمام «داعش» عن قوات البيشمركة

تعدد الولاءات والقتال في بيئة غير جبلية ونقص الجاهزية والتسليح من أبرز مشكلاتها

والدة عنصر في البيشمركة الكردية تودعه قبيل توجهه إلى خط المواجهة مع «داعش» قرب طوز خورماتو شمال شرقي تكريت الأحد الماضي (رويترز)
والدة عنصر في البيشمركة الكردية تودعه قبيل توجهه إلى خط المواجهة مع «داعش» قرب طوز خورماتو شمال شرقي تكريت الأحد الماضي (رويترز)
TT

القادة الأكراد يحاولون نفض غبار الهزيمة الأولية أمام «داعش» عن قوات البيشمركة

والدة عنصر في البيشمركة الكردية تودعه قبيل توجهه إلى خط المواجهة مع «داعش» قرب طوز خورماتو شمال شرقي تكريت الأحد الماضي (رويترز)
والدة عنصر في البيشمركة الكردية تودعه قبيل توجهه إلى خط المواجهة مع «داعش» قرب طوز خورماتو شمال شرقي تكريت الأحد الماضي (رويترز)

لعدة عقود من الزمن، كانت تسود في الأذهان صورة مخيفة عن قوات البيشمركة باعتبارهم قوات الجبال التي لا تُقهر، كما كان يُنظر إليهم باعتبارهم مقاتلي حرب العصابات، وأصبحت قوات البيشمركة هي القوات الرسمية المسؤولة عن المنطقة الكردية في شمال العراق. لكن عندما هاجم مقاتلو «داعش» إقليم كردستان في أغسطس (آب)، فرت قوات البيشمركة من خطوط المواجهة الأمامية، التي تبعد مسافة نصف ساعة فقط بالسيارة عن عاصمة الإقليم.
وقد أسفر انهيار قوات البيشمركة عن ترك عشرات الآلاف من إسكان العزل في مواجهة «داعش»، كما بدد أيضا تبديد الآمال الكبيرة حول إمكانية نجاح قوات البيشمركة في وقف زحف قوات «داعش» بعد أن فشل الجيش العراقي في ذلك، وأدى ذلك إلى إثارة التساؤلات حول أمن العراق.
وعلى الرغم من نجاح القوات الكردية في استعادة معظم الأراضي التي فقدتها خلال الأسبوعين الماضيين، بمساعدة حملة الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة، فإن هذه الخسائر الأولية أثارت تساؤلات كثيرة حول كيف لقوات البيشمركة أن تفشل في أكبر امتحان تواجهه منذ أكثر من 20 عاما.
ويسعى المسؤولون الأكراد جاهدين محاولين التغلب على سنوات من الخلاقات الداخلية السياسية والعسكرية لمواجهة هذا التهديد، وللحصول على المزيد من المساعدات العسكرية من الولايات الأميركية وإيران.
«قوات البيشمركة» تعني «القوات التي تواجه الموت»، ولكن كشفت مجموعة من المقابلات الشخصية التي أُجريت مع مسؤولين وقادة أمن أكراد أن التهديد الأكبر الذي واجه قوات البيشمركة في العقد الماضي كان يكمن في حالة الملل والاستياء. وتوقف الكثير من المحاربين المتمرسين عن العمل في صفوف البيشمركة وسعوا، بدلا من ذلك، إلى الاستفادة من الفرص الجديدة المتاحة أمامهم في خضم موجة من التنمية الاقتصادية.
وأصبح التدريب مسألة ثانوية، ولم يكن هناك شيء يُذكر يبعث على توحيد وحدات البيشمركة، التي ظلت منقسمة في الغالب وفق خطوط حزبية وسياسية؛ إذ تتلقى قوات البيشمركة تعليماتها من الحزب الذي تنتمي إليه، ولا تستجيب لقيادة مركزية، وهو ما أسفر عن اندلاع الحرب الأهلية الكردية عام 1996.
وقال فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة الإقليم: «الذي حدث الآن يعلمنا أننا لا يمكن أن نلتزم الجلوس في مقاعدنا كما لو أن ليس لنا أعداء»، مضيفا: «إننا ما زلنا بحاجة إلى ثقافة المقاومة للدفاع عما وصلنا إليه، وللدفاع عن الحياة الهادئة، وللدفاع عما نحن بصدد بنائه»، وأردف: «وإلا فإننا سندمر كل ما حققناه».
ولتحقيق ذلك تتعين أولا إعادة تنظيم قوات البيشمركة. وفي هذا السياق صادق مسعود بارزاني، رئيس الإقليم، قبل أسبوع على تعديل من شأنه بناء جيش وطني. فبدلا من وجود قوة منقسمة إلى حد كبير يتوزع ولاؤها بين الحزبين الرئيسين، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، سيعمل المسؤولون على دمج الوحدات تحت راية وزارة البيشمركة.
وقال مسؤولون إنه من المقرر التركيز على أعمال تدريب منتظمة، موضحين أن الشباب والشابات سيتلقون قدرا من التدريب العسكري سواء التحقوا بالجيش أم لا. من جهته، قال مصطفى سيد قادر، وزير البيشمركة: «لقد فشلنا أثناء هذه الفترة الزمنية الطويلة في خلق قوات بيشمركة ذات صبغة وطنية»، وأضاف: «نعتزم إنشاء وإقامة جيش موحد ووطني ومنتظم». لكن لا يزال يتشكك الكثيرون في وجود الإرادة السياسية لإحداث تغيير جذري في بنية السلطة التي استمرت لعدة عقود. ويعتقد بعض المسؤولين أنه من أجل تشجيع البيشمركة على إجراء إعادة هيكلة، يتعين فرض شروط على أي مساعدات تمنح إلى الحكومة الكردية. وقال أحد المسؤولين الكرديين، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع محل النقاش: «كما نعلم في هذا الجزء من العالم، لا يتعلق الأمر فقط بقوانين على الورق، ولكنه يتعلق بالالتزام السياسي»، مضيفا: «يمكن تحقيق ذلك الأمر، ولكن من الممكن أيضا أن تسير الأمور نحو الأفضل أو الأسوأ».
وكما يبدو يعتقد الخبراء أن كلا من الحزبين لديه أكثر من 60 ألف جندي، بينما يمكن الزعم بأن وزارة البيشمركة لديها فقط 50 ألف جندي في صفوفها. ويقول مايكل نايتس، باحث في معهد واشنطن والمختص في شأن القوات الكردية: «الغالبية العظمى من البيشمركة تخضع لسيطرة الأحزاب السياسية الفردية».
وتعد الأعداد الدقيقة لمقاتلي البيشمركة من المسائل السرية في كردستان، لكن الخبراء، مثل نايتس، يرون أن عدد قوات البيشمركة بلغ نحو 175 ألف مقاتل منذ بدء هجوم «داعش» مع توجه شبان وكبار في السن إلى جبهة القتال، ونفضوا الغبار عن أسلحتهم القديمة من أجل الدفاع عن المنطقة الكردية.
لكن المقاتلين من الشباب يفتقرون لخبرة قتالية بينما انخرط الكثير من المقاتلين القدامى في الأعمال التجارية وعانقوا الوجه الجديد لكردستان. أما أولئك الذين بقوا ضمن البيشمركة فإنه يمكن اعتبارهم عمليا في حكم المتقاعدين، إذ يتلقون أجرا ثابتا مقابل عمل قليل.
وقال سيروان بارزاني، وهو رجل أعمال بارز ومن أقارب رئيس الإقليم والتحق مجددا بقوات البيشمركة للمساعدة في التصدي لـ«داعش»: «لقد بدأنا جميعا إعادة بناء دولتنا»، مضيفا: «كان هناك طريق آخر للقتال، وهو العمل على تحسين بلدك وجعله يبدو جميلا».
وسيروان بارزاني موجود الآن في قاعدة بالقرب من بلدة الكوير التي استعادتها قوات البيشمركة أثناء المرحلة الأولى من الغارات الجوية الأميركية. ولفت سيروان بارزاني إلى أن البيشمركة كانت متعطشة للموارد من بغداد، وأنه اضطر لدفع رواتبهم وإعالتهم. كما أنه زود البيشمركة بالسيارات والأسلحة والطعام من ماله الشخصي. وفيما يتعلق بالخسائر، كرر بارزاني بعض التبريرات التي قدمها مسؤولون أكراد ومفادها أنه لم يتوقع مثل هذا الهجوم السريع والحاسم من جانب «داعش» وأن المقاتلين الأكراد يواجهون أيضا مسلحين أفضل تسليحا، بما لديهم من أسلحة ثقيلة ومركبات يُزعم أنهم حصلوا عليها من الجنود العراقيين الذين انهزموا أمام تقدمهم. لكن آخرين يقولون إنه بينما كان يمتلك مقاتلو «داعش» أسلحة متطورة، كانت لدى قوات البيشمركة أسلحة ثقيلة لكنها لم تكن في المكان الصحيح عندما شن «داعش» هجومه.
ويشير سيروان بارزاني، صاحب شركة كورك لخدمة الهاتف الجوال، بالإضافة إلى أحد أكبر مراكز التسوق التجارية في أربيل، أيضا إلى الحدود التي يزيد طولها على 600 ميل التي يتعين على كردستان أن تدافع عنها الآن، وكذلك إلى بيئة القتال الجديدة بعيدا عن الجبال حيث يتمتع الأكراد بسمعة براقة.
وفي هذا السياق، قال «إننا نعرف كيف نقاتل في الجبال»، مضيفا: «لكن هذه صحراء. إنها حارة للغاية. إنها مختلفة تماما».
وبالنسبة للدعوات إلى تسليح البيشمركة، فإنها، حسب ما أوضحه المسؤول الاستخباراتي الرفيع في الإقليم مسرور بارزاني، قد استجيب لها جزئيا، مشيرا إلى أن قوات البيشمركة بدأت تستقبل شحنات من الذخيرة والمدافع الرشاشة وقذائف الهاون، التي صُنع أغلبها في دول شرق أوروبا، مما يعني أن أنظمة تلك المعدات تتوافق مع الأنظمة التي استخدمها الأكراد. وقال مسرور بارزاني: «إنها ليست أسلحة أميركية الصنع»، لكنها «شحنات قدمتها الولايات المتحدة لنا». كما نوه إلى أنه لم تتم الاستجابة بعد لطلبات الحصول على أسلحة ثقيلة، بما في ذلك عربات همفي والأسلحة المضادة للدبابات.
وساعدت في تسليح قوات البيشمركة دول أخرى منها ألبانيا وكندا وكرواتيا والدنمارك وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا.
لكن كما كان الحال في الماضي، يبقى السؤال: إلى متى سيكون بمقدور قوات البيشمركة الاعتماد على الدعم من الخارج؟ وإلى جانب حالة عدم اليقين، لا يبدو التنسيق مع العراقيين واضحا. ويقول بعض المسؤولين إنه رغم الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة، لم تكن بغداد على استعداد لتقديم الأسلحة أو المساعدات العسكرية الأخرى.
وبافتراض أنه من الممكن إبعاد مسلحي «داعش» بشكل دائم عن كردستان، هناك سؤال يلوح في الأفق حول؛ ماذا ستكون الخطوة التالية لقوات البيشمركة؟.
على قمة تلة صخرية تطل على فرع من فروع نهر دجلة بعد ظهر أحد الأيام، نظر اللواء في قوات البيشمركة زرار سيدا من خلال منظار إلى رقعة أرض جرى تطهيرها مؤخرا. اللواء زرار - كما هو معروف بين أقرانه وغيرهم - يقاتل، جنبا إلى جنب أولاده الأربعة وأربعة من أبناء إخوته وثلاثة من أبناء أعمامه وأحد أشقائه، ضد «داعش» منذ أن شن التنظيم هجومه على حدود إقليم كردستان. ويؤكد زرار أن حماس البيشمركة لا يزال موجودا.
في اليوم السابق كان مسلحو «داعش» محاصرين بقرية «تل خيم» وفي ذلك اليوم أُجبروا على الانسحاب من كامل تلك الأرض الكردية. وعلى مبعدة شوهدت سيارة تابعة لـ«داعش» تندفع إلى أسفل طريق ترابي، وكانت تقف بشكل دوري. قال اللواء زرار: «إنهم يزرعون الألغام على طول الطريق».
وبسؤاله عن السبب وراء عدم تدخل قواته لمنع «داعش» من زرع الألغام، أجاب «إنهم على أرض عراقية. هذه ليست مشكلتنا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.