الرسوم الأميركية على الصين ستزيد التكلفة على الجانبين

مغامرة اقتصادية قد تترك خسائر دائمة

صورة أرشيفية للرئيس الأميركي ترمب مع نظيره الصيني شي جينبينغ في بيكين (رويترز)
صورة أرشيفية للرئيس الأميركي ترمب مع نظيره الصيني شي جينبينغ في بيكين (رويترز)
TT

الرسوم الأميركية على الصين ستزيد التكلفة على الجانبين

صورة أرشيفية للرئيس الأميركي ترمب مع نظيره الصيني شي جينبينغ في بيكين (رويترز)
صورة أرشيفية للرئيس الأميركي ترمب مع نظيره الصيني شي جينبينغ في بيكين (رويترز)

صرح كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس دونالد ترمب الأحد بأن المستهلكين الأميركيين سيعانون من بعض الآلام الناجمة عن الحرب التجارية المتفاقمة مع الصين، وهو ما يتناقض مع مزاعم ترمب بأن تعريفاته تقدر بعدة مليارات من الدولارات تسير غالبيتها في اتجاه واحد من الصين إلى الخزانة الأميركية.
جاءت تعليقات لاري كودلو، مدير «المجلس الاقتصادي الوطني» عقب اختتام الجولة الحادية عشرة من المفاوضات من دون التوصل إلى اتفاق، مما دفع بترمب إلى زيادة التعريفات على البضائع الصينية التي تقدر قيمتها بنحو 200 مليار دولار والبدء في بحث فرض ضرائب تقريبا على جميع المنتجات التي تقوم الصين بتصديرها إلى الولايات المتحدة.
وفي تصريح لقناة «فوكس نيوز» الأميركية منتصف الشهر الجاري، صرح كودلو بقوله: «في الواقع، سيدفع الجانبان الثمن، وسيعاني الطرفان نتيجة لذلك».
جاء اعتراف كودلو بـ«الآلام» الاقتصادية التي أقرها خبراء الاقتصاد على النقيض من رؤية الرئيس أن الحرب التجارية ستصب في النهاية في صالح للولايات المتحدة من الناحية المالية. وأفاد كودلو بأنه من السهل كسب الحروب التجارية وأن العبء يقع على عاتق شركاء الولايات المتحدة بشكل غير متناسب.
يقول كودلو والرئيس إن الحرب التجارية الطويلة ستكون في النهاية في صالح الولايات المتحدة ماليا، فيما قال كودلو إن أي ألم سيستحق الثمن الذي يدفع من أجله حال أجبر ذلك الصين على التعامل مع الشركات الأميركية بشكل أكثر عدلا.
وأضاف كودلو: «عليك فقط أن تفعل ما تفعله. فقد تعرضنا لممارسات تجارية غير عادلة طيلة كل تلك السنوات، ولذلك أرى أن التبعات الاقتصادية ضئيلة للغاية وأنها تستحق ما يقابلها من تحسن محتمل في التجارة والصادرات وفي الأسواق المفتوحة أمام الولايات المتحدة».
وعكست الأسواق المالية استعدادها للشعور بالألم، فقد انخفضت سوق الأسهم الآسيوية بداية الاثنين الماضي، وأظهرت المؤشرات أن أسواق وول ستريت سوف تستهل تعاملاتها منخفضة هي الأخرى.
وتعطلت المباحثات بين الدولتين بداية هذا الشهر بعدما اتهم مسؤولو الإدارة الأميركية الصينين بالتراجع عن الكثير من البنود الخاصة بالاتفاق المقترح، ومن ضمنها الموافقة على تعديل بعض البنود في القانون الصيني. ويصر المسؤولون الصينيون على أن المباحثات كانت بناءة ويقولون إنهم سيمضون في المسار الحالي. وبحسب كودلو، ربما يتضمن ذلك عقد لقاءات الشهر القادم بين ترمب والرئيس الصيني خلال فعاليات قمة العشرين في أوساكا اليابانية، لكن ترمب عكر هذه الرسالة بتغريدات أوحت بأنه سيكون سعيدا لو أنه ترك التعريفات على حالها إلى الأبد.
لقد عززت ثقة ترمب في قوة الاقتصاد الأميركي من قراراته التي تؤجج الحرب التجارية، لكن ذلك يمثل مغامرة اقتصادية ربما تترك خسائر دائمة استنادا إلى المدى الذي يريد أن يسير فيه ترمب في المعركة وما ستفسر عنه في النهاية.
وفي تغريدة، قال ترمب: «كانت الولايات المتحدة على حق في الموقف الذي أردناه مع الصين»، مضيفا أن «الولايات المتحدة ستحصل على عشرات المليارات من الدولارات على هيئة تعريفات من الصين».
غير أن خبراء الاقتصاد يختلفون حول درجة تأثير الحرب التجارية على النمو الاقتصادي، لكن الأغلبية تتفق على أن تكلفة التعريفات ستذهب إلى المشروعات أو المستهلكين على هيئة أسعار مرتفعة في كل شيء، بما في ذلك تركيبات الإضاءة والمعدات الفنية. وتضمنت السلع التي طالتها زيادة التعريفات التي أقرتها الإدارة الأميركية التي بلغت 25 في المائة أجهزة الكومبيوتر، وورق الحمام، وأطواق الكلاب، ولمبات إضاءة شجرة عيد الميلاد، وحتى حشو مراتب النوم.
وبحسب الخبراء، لن تتسبب التعريفات الجديدة في كساد للاقتصاد الأميركي، لكنها ستلحق الضرر بالنمو، وربما يكون ذلك بدرجة حادة حال واصل ترمب خططه الرامية إلى تطبيق التعريفات على كل ما تستورده بلاده من الصين.
- من يدفع الثمن؟
استوردت الولايات المتحدة من الصين بضائع بقيمة 540 مليار دولار عام 2018 بحسب الإحصاءات الحكومية الأميركية. وفي هذا الصدد، أفاد تشاد باون، الخبير الاقتصادي بمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، الأسبوع الماضي بأن: «ترمب يدفع بالمشكلات وسوء الفهم إلى نقطة حرجة في خلافه مع الصينيين، وهو ما سيدفع ثمنه أصحاب المشروعات والمستهلكون على حد سواء».
ويذكر أن التعريفات التي أقرت العام الماضي قلصت دخل المستهلكين الأميركيين المعدل للأخذ في الاعتبار قيمة التضخم، بمقدار 4.4 مليار دولار شهرياً بحلول نوفمبر (تشرين الثاني)، تبعاً لما خلصت إليه إحدى الدراسات. وتصل هذه الخسارة الناجمة عن كل من التعريفات ومن الواردات الأغلى تكلفة، إلى 419 دولاراً للأسرة على مدار العام. ومن المتوقع أن تدفع الجولة الأخيرة من الزيادات التكلفة بالنسبة للأسرة إلى ما يزيد على 800 دولار، حسبما ذكر ديفيد وينستاين، العالم الاقتصادي من جامعة كولومبيا والذي شارك في وضع الدراسة.
من جهتهم، يصر ترمب ومستشاروه على أن التوجه الذي يتبعه البيت الأبيض سيؤتي ثماراً إيجابية نهاية الأمر للولايات المتحدة... إما من خلال دفع الصين لفتح أسواقها بدرجة أكبر ومعاملة الشركات الأميركية على نحو أكثر إنصافاً، أو من خلال تشجيع الشركات على تحويل نشاطات التصنيع الخاصة بها إلى الولايات المتحدة لتجنب التعريفات.
ومع هذا، فإن قرار إطالة أمد الحرب التجارية ربما يقلب التوقعات الاقتصادية التي أظهرت نشاطاً في التوظيف والنمو والاستثمار هذا العام، رأساً على عقب، خاصة أن أحد الأسباب وراء هذه التوقعات الإيجابية كان انحسار المخاوف من اشتعال حرب تجارية طويلة الأمد بين البلدين. وربما يشكل القرار كذلك تحدياً للتوقعات الصادرة باستمرار عن الخبراء الاقتصاديين التابعين للإدارة الأميركية الذين يرون أن سياسة ترمب التجارية ستساعد في زيادة النمو عام 2019 إلى 3.2 في المائة؛ وهو ما يزيد بفارق كبير على توقعات معظم الخبراء الآخرين من خارج الإدارة.
في هذا الصدد، قال روب مارتن، المسؤول السابق ببنك الاحتياطي الفيدرالي والمدير التنفيذي الحالي لـ«يو بي إس»، عن التصعيد المحتمل: «ليس ثمة شك على الإطلاق في أن هذه التعريفات حال فرضها والإبقاء عليها ستعزز احتمالية حدوث ركود. وتزيد التعريفات من المخاطر أمام الاقتصاد الأميركي».
ويقدر مارتن وزملاء له أن الزيادة الأخيرة التي أقرها ترمب قد تقلص إجمالي الناتج الداخلي على مدار الشهور الستة القادمة بما يتراوح بين 0.25 و0.35 في المائة. وإذا تعرض الجزء الباقي من المنتجات الصينية إلى تعريفة بقيمة 25 في المائة، فإن هذا قد يقضي على 1 في المائة أخرى من إجمالي الناتج الداخلي.
وأعرب مارتن عن اعتقاده بأنه: «حال انتقالنا إلى الشريحة التالية من التعريفات، سندخل بذلك إلى منطقة مجهولة تماماً». جدير بالذكر أن السلع المنتمية إلى هذه الفئة تشكل في ثلثيها سلعا استهلاكية، قد تتضمن لعب أطفال ودراجات وأجهزة «آيفون»، وقد يجد الكثيرون صعوبة في إيجاد بدائل سريعة لها.
على الجانب المقابل، من الممكن أن تلحق الحرب التجارية طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والصين أضراراً بالاقتصاد الصيني. وكان النمو الاقتصادي في الصين قد تباطأ خلال النصف الثاني من العام الماضي، الأمر الذي يعود في جزء منه إلى إضرار التعريفات بثقة أصحاب الأعمال. ومنذ ذلك الحين، ضخت الحكومة الصينية مليارات الدولارات داخل نظامها المالي وضغطت على البنوك المملوكة للدولة لتعزيز جهودها بمجال توفير الاعتمادات.
وذكر مسؤولون الشهر الماضي أن الاقتصاد نما بمعدل 6.4 في المائة خلال الربع الأول من العام، ما يكافئ المعدل الذي نما به خلال الربع السابق.
إلا أنه من الواضح أن ترمب يعول على صراع طويل الأمد بهدف إحداث تحول في الحسابات الاقتصادية القائمة، وحذر الصين عبر تغريدة أطلقها: «سيكون الاتفاق أسوأ بكثير بالنسبة لهم إذا جرى التفاوض بشأنه خلال فترة رئاستي الثانية».
*أضرار مؤكدة للاقتصاد:
وفي الوقت الذي يبدو ترمب واثقا في توجهه، شكل قراره بإضافة عوائق تجارية جديدة مع الصين ـ في صورة تعريفات أكبر ـ صدمة لمحللين وبعض المجموعات المرتبطة بالنشاط التجاري والتي أثنت من قبل على مجمل إدارته للاقتصاد.
على سبيل المثال، يقول محللون من «تاكس فاونديشن»، مؤسسة فكرية في واشنطن توقعت حدوث زيادة كبيرة في النمو الاقتصادي من وراء إجراءات خفض الضرائب التي أقرها ترمب عام 2017 الآن إن التعريفات التي أقرها الرئيس بالفعل أو يهدد بفرضها - وما تحمله من تبعات تتمثل في تعريفات صينية انتقامية ضد مستوردين أميركيين - ستقضي على جميع النتائج الإيجابية المترتبة على قانون الضرائب الأخير.
في هذا السياق، حذرت نيكول كيدينغ، الخبيرة الاقتصادية لدى «تاكس فاونديشن» من أن: «التعريفات، حال السماح لها بالتنامي، ستقضي على الفوائد الاقتصادية المترتبة على الإصلاح الضريبي»، خاصة بالنسبة للمستهلكين منخفضي ومتوسطي الدخول الذين سيتعين عليهم دفع أسعار أعلى. وأضافت: «يتجادل الخبراء الاقتصاديون حول كثير من الأمور، لكن تأثير التعريفات على الاقتصاد ليس حوله جدال. التعريفات تؤذي الاقتصاد ـ قولاً واحداً».
وتقول الكثير من هذه المجموعات إن النمو سيكون أقوى هذا العام إذا توصل ترمب لاتفاق مع الصين وتجنب الإغلاق الحكومي لفترة طويلة. وتلقي هذه المجموعات باللوم على سوء فهم ترمب الجوهري للتعريفات - والتي يرى أنها ستعزز الاقتصاد - عن دفع البلاد باتجاه منطقة خطر.
وقال محللون من «غولدمان ساكس» في ورقة بحثية نشروها إن مزيداً من التصعيد للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين من الممكن أن يقلص النمو بمعدل نصف درجة مئوية تقريباً هذا العام، وأنه «إذا أثارت التوترات التجارية عمليات بيع كبرى داخل سوق الأسهم، فإن التأثير على النمو قد يكون أسوأ عن ذلك بكثير».
يذكر أن نشاط الأسهم تراخى بعض الشيء الأسبوع الماضي، لكنه بدأ في استعادة عافيته بحلول الجمعة. ورغم تأزم الظروف المالية، فإنها تبقى بعيدة بدرجة كبيرة عن مستويات وصلتها بالفعل أواخر العام الماضي.
من ناحيته، قال روبرتو بيرلي، الخبير الاقتصادي لدى مؤسسة «كورنرستون ماكرو»: «حتى الآن، لا تعرب الأسواق الأميركية عن كثير من القلق ـ أعتقد أن الجميع يتوقع التوصل لاتفاق. أما المخاطرة القائمة فهي أن يمر الوقت ولا يحدث شيء وتدرك السوق أنها ربما بالغت في تفاؤلها».
- يقين ترمب:
من جهته، أعرب ترمب عن رضاه إزاء «التعريفات الكبيرة الرائعة» والتي قال إنها تضخ «مليارات الدولارات» لأميركا. وأضاف في تغريدة نشرها عبر «تويتر» الأسبوع الماضي: «أشعر بسعادة كبيرة إزاء التعريفات التي تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار سنوياً التي تتدفق على الخزائن الأميركية... هذا أمر عظيم للولايات المتحدة، وليس جيداً بالنسبة للصين».
من ناحية أخرى، فإنه من بين التكلفة التي تتكبدها كل أسرة بسبب التعريفات التي فرضت العام الماضي بقيمة 419 دولاراً للأسرة الواحدة، يأتي الضرر الأكبر ـ 286 دولاراً ـ من التعريفة ذاتها. ونظراً لأن الولايات المتحدة جمعت هذه الأموال، وتمكنت من إعادة توزيعها، بما في ذلك من خلال برنامج بقيمة إجمالية تبلغ 12 مليار دولار لتوفير إعانات زراعية، لكن هذا الوضع قد يتبدل حال استمرار الحرب التجارية بين الطرفين.
وقال وينستاين، من جامعة كولومبيا: «من المحتمل للغاية أن تتراجع عائدات التعريفات»، مع اكتشاف الشركات عدم قدرتها على تحمل المعدلات الأعلى، ما يدفعها للتوقف عن الاستيراد من الصين. وأضاف: «سنشهد الكثير من التحولات في سلاسل العرض من حولنا».
ويعني ذلك أن الشركات الصينية ستخسر هذه الأخرى مع شراء أصحاب الأعمال المزيد من السلع أميركية الصنع أو استمرارها في التحول إلى منتجين آخرين منخفضي التكلفة خارج الصين، مثل فيتنام وماليزيا.
ويبدو أن التحول الذي اتخذه ترمب تجاه التعريفات فاجأ مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي الذين كانوا يتوقعون تحرك وتيرة الخلاف التجاري بين الطرفين نحو الهدوء. هذا الشهر، أدلى رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بتصريحات خلال مؤتمر صحافي قال فيها إن المخاطر التي تهدد النمو بسبب السياسات التجارية «هدأت بعض الشيء»، مشيراً إلى «تقارير عن إحراز تقدم في المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين».
ومن غير المحتمل أن يقدم باول وزملاؤه رد فعل سريع تجاه التعريفات الأكبر وتجدد الحرب التجارية. والاحتمال الأكبر أن الاحتياطي الفيدرالي سيحكم على أي تضخم ناجم عن السياسة التجارية باعتباره مؤقتا وربما يرغب في تراجع النمو الاقتصادي قبل الشروع في خفض معدلات الفائدة أو اتخاذ إجراءات أخرى.
من ناحيته، قال كريشنا غوها، رئيس قسم شؤون السياسات العالمية واستراتيجية البنك المركزي لدى مؤسسة «إيفركور آي إس آي»: «من غير المحتمل أن يتحرك الاحتياطي الفيدرالي على الفور، لأسباب منها أنه من غير الواضح بعد ما إذا كانت هذه الدراما ستنتهي باتفاق أو حرب تجارية شاملة أو أمر بين الاثنين».
أما إذا تحرك الاحتياطي الفيدرالي بالفعل، فإن الاحتمال الأكبر أنه سيعمد إلى تقليص معدلات الفائدة من أجل معادلة الألم الاقتصادي. وقال رافاييل بوستيك، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا خلال مؤتمر الاتحاد الوطني لاقتصاديات الأعمال، الأسبوع الماضي، إن زيادة التعريفات قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي لتقليص معدلات الفائدة إذا تسبب ارتفاع الأسعار في إحجام المستهلكين: «حسب مستوى حدة رد الفعل».
وأبدى غوها اتفاقه مع هذا الرأي، قائلاً إن الاحتياطي الفيدرالي لن يتردد تجاه اتخاذ رد فعل إذا ظهرت مؤشرات على وجود مخاطرة حقيقية تهدد النمو الاقتصادي. بدلاً عن ذلك، فإن الاحتمال الأكبر أن «يقلص معدلات الفائدة على التأمين، خاصة في حالة ضعف التضخم».

- خدمة «نيويورك تايمز»



من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)

لم تكن موجة الهبوط العنيفة التي ضربت «وول ستريت» مجرد رد فعل عابر على نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية؛ بل كشفت عن تصدعات في الرهان الأكبر الذي قاد صعود الأسهم خلال العام الحالي: طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؛ فبعد أشهر من الارتفاعات القياسية، وجد المستثمرون أنفسهم أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرة شركات التكنولوجيا على تحقيق عوائد تبرر إنفاقها الضخم، في وقت باتت فيه التكاليف التمويلية والضغوط السياسية تهدد بإبطاء التوسع في البنية التحتية لهذه التكنولوجيا.

ووفقاً لتحليل نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، محا الهبوط نحو 3.2 تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم الأميركية في جلسة واحدة، بعدما تحوّل فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي إلى شرارة أشعلت موجة بيع واسعة، في سوق كانت تعاني أصلاً من تراكم مراكز استثمارية ضخمة ومخاوف متزايدة بشأن تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي.

وكان مؤشر «ناسداك 100»، المثقل بأسهم التكنولوجيا، قد هبط بأكثر من 6 في المائة الخميس، قبل أن يسترد جزءاً من خسائره في جلسة الجمعة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً 4.9 في المائة.

ولم يكن العامل السياسي وحده وراء هذا التحول؛ فقد تزايدت مخاوف المستثمرين من أن يؤدي صعود الديمقراطيين إلى تشديد القيود على إنشاء مراكز البيانات، سواء على المستوى الفيدرالي أو في الولايات، بما يهدد خطط التوسع التي تستند إليها توقعات نمو شركات التكنولوجيا. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع تقديرات بوصول الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى تريليون دولار خلال العام المقبل.

متداول يعمل في بورصة نيويورك وخلفه شاشات تعرض تحرك الأسهم (أ.ب)

ونقلت الصحيفة عن لودوفيك سوبرا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أليانز» الألمانية، أن نتائج الانتخابات أنهت افتراض أن قطاع الذكاء الاصطناعي سيحصل على تمويل مفتوح بلا قيود، مشيراً إلى أن الأسواق بدأت تدرك أن توقعات النمو غير المحدود لا تصلح وحدها أساساً لتقييم الشركات.

وتزامن ذلك مع ضغوط مالية كانت تتراكم قبل الانتخابات؛ فقد أثارت نتائج الربع الثالث تساؤلات بشأن التوازن بين الإنفاق الرأسمالي الهائل لشركات التكنولوجيا الكبرى، ونمو إيرادات أنشطتها الأساسية، بينما غذّت خسائر أدوات الدين المرتبطة بشركات متخصصة في توفير البنية التحتية السحابية مخاوف من اتساع مشكلات التمويل في القطاع.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تكن ترفع أسعار الأسهم من خلال أرباح شركات تصنيع الرقائق والمعدات ومراكز البيانات فحسب؛ بل كانت تعزز أيضاً توقعات النمو الاقتصادي الأميركي. وبالتالي، فإن أي تباطؤ في الإنفاق قد يضغط في الوقت نفسه على أرباح الشركات وعلى التوقعات الاقتصادية، بما يضعف أحد أبرز محركات صعود الأسواق.

انسحاب المستثمرين يضخم الخسائر

لكن ما حوّل المخاوف إلى موجة بيع واسعة كان التراجع المتزامن للمستثمرين الأفراد وصناديق التحوط عن مراكزهم في الأسهم؛ فبعد أن اعتاد المستثمرون الأفراد شراء الأسهم عند كل تراجع سعري، سجلوا هذه المرة عمليات بيع صافية في الأسهم الفردية بلغت 388 مليون دولار خلال أول ساعتين من التداول الخميس، وفق بيانات «فاندا ريسيرش».

ومع تسارع الهبوط، اضطرت صناديق التحوط إلى تقليص مراكزها الاستثمارية الممولة بالاقتراض، في عملية تعرف في الأسواق باسم خفض الرافعة المالية، بهدف الحد من المخاطر وتوفير السيولة. وأدى هذا الانسحاب المتزامن إلى زيادة ضغوط البيع، بعدما تحولت المراكز الاستثمارية التي عززت المكاسب خلال فترة الصعود إلى مصدر إضافي للخسائر.

وأبلغ «جي بي مورغان» عملاءه بأن الخميس كان أسوأ يوم لصناديق التحوط من حيث الخسائر اليومية منذ تداعيات الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أبريل (نيسان) من العام الماضي، مشيراً إلى أن تقليص الصناديق لاقتراضها وخروجها من المراكز الاستثمارية بلغ أقوى مستوياته خلال فترة 20 يوماً منذ موجة البيع التي صاحبت جائحة «كوفيد-19».

وفي مؤشر إضافي إلى عمق الاضطراب، أعلنت مجموعة «والي» لصناديق التحوط إغلاق جزء من أنشطة الاستثمار في الأسهم وإعادة بعض الأموال إلى المستثمرين.

هل انتهت طفرة الذكاء الاصطناعي؟

رغم الارتداد الجزئي لأسهم التكنولوجيا الجمعة، لا يزال المستثمرون منقسمين بشأن ما إذا كانت موجة البيع تمثل تصحيحاً مؤقتاً للمراكز الاستثمارية المزدحمة، أم بداية تحول أعمق في تقييم آفاق الذكاء الاصطناعي؛ فبعضهم يرى أن المخاوف السياسية مبالغ فيها، خصوصاً أن كثيراً من مشروعات مراكز البيانات دخل بالفعل مرحلة الإنشاء، ما يجعل وقفها بالكامل أمراً مستبعداً. كما عززت بيانات الوظائف الأميركية هذه النظرة، بعدما أظهرت إضافة 165 ألف وظيفة في أكتوبر (تشرين الأول)، متجاوزة توقعات الأسواق.

لكن في المقابل، يرى مستثمرون أن الاضطراب الأخير قد يكون مؤشراً إلى بلوغ طفرة الذكاء الاصطناعي ذروتها، وأن الأسواق بدأت تعيد النظر في افتراضاتها بشأن حجم الإنفاق والعوائد المستقبلية.

تُعرض معلومات السوق على شاشة في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

وتنقل «فاينانشال تايمز» عن نيكيل سرينيفاسان، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق «بنزايتن ماكرو»، اعتقاده بأن الأسواق قد تواصل التراجع، حتى لو شهدت ارتدادات مؤقتة خلال الفترة المقبلة، في إشارة إلى أن إعادة تقييم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد لا تكون انتهت بعد.

ما التوقعات؟

على صعيد توقعات التداول، لا تبدو الأسواق مقبلة على استعادة سريعة للاستقرار مع بداية الأسبوع الجديد، رغم الارتداد الجزئي الذي سجلته أسهم التكنولوجيا في جلسة الجمعة. ونقلت «رويترز» عن محللين، أن عمليات التخلص من المراكز الاستثمارية المموّلة بالاقتراض قد تستمر، بما يبقي التقلبات مرتفعة، فيما لا تزال الأسئلة المتعلقة بتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي والعوائد المنتظرة منها دون إجابات واضحة.

وفي حين يرى بعض المستثمرين أن موجة البيع ربما تجاوزت حدودها، يحذّر آخرون من اعتبار التراجع قد بلغ نهايته، مشيرين إلى أن الأسواق لم تستوعب بعد التداعيات المحتملة للتحولات السياسية والتنظيمية في الولايات المتحدة.

وسيكون اختبار الأسواق الأبرز الثلاثاء، مع صدور بيانات التضخم الأميركية، التي قد تؤثر في توقعات أسعار الفائدة، خصوصاً أن العقود الآجلة كانت تسعّر احتمالاً بنحو 80 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في اجتماعه خلال ديسمبر (كانون الأول).

كما ستتجه الأنظار إلى نتائج «كور ويف»، المتخصصة في الحوسبة السحابية، و«أبلايد ماتيريالز» و«سيسكو»، للحصول على مؤشرات بشأن قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على مواصلة التوسع وتوفير التمويل اللازم لمشروعاتها.


تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

رغم موجة التراجع الحادة التي ضربت أسواق الأسهم الأميركية والآسيوية على وقع المخاوف من تضخم استثمارات الذكاء الاصطناعي، وتداعيات التحولات السياسية في واشنطن، واصل المستثمرون ضخ أموالهم في صناديق الأسهم العالمية للأسبوع السابع على التوالي، في مفارقة تعكس استمرار شهية الاستثمار خارج بؤر الاضطراب، بالتزامن مع توجه متزايد نحو أدوات السيولة، والأصول الأكثر أماناً. ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي ليبر»، بلغت التدفقات الصافية إلى صناديق الأسهم العالمية 38.63 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) ، مسجلة أعلى مستوى أسبوعي منذ سبتمبر (أيلول).

وأبقى الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، في حين لمح الأخير إلى احتمال رفعها مجدداً في ديسمبر (كانون الأول).

واستقطبت صناديق الأسهم الأوروبية صافي تدفقات بقيمة 13.25 مليار دولار، وهو أكبر حجم من التدفقات الأسبوعية منذ 12 أغسطس (آب). كما جذبت صناديق الأسهم الآسيوية تدفقات صافية بلغت 8.34 مليار دولار.

وساهم تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعي، التي كانت قد رفعت معدلات التضخم في أوروبا منذ اندلاع الحرب مع إيران، في تعزيز الطلب على الأسهم، والصناديق الاستثمارية الأوروبية. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنحو 15.6 في المائة خلال الأسبوع.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة طفيفة بلغت 0.05 في المائة منذ بداية الأسبوع، رغم تراجع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول بنسبة 2.91 في المائة، وانخفض مؤشر «إم إس سي آي» لأسواق آسيا والمحيط الهادئ -باستثناء اليابان- بنسبة 4.69 في المائة.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

وفي المقابل، تراجع الطلب على صناديق قطاع التكنولوجيا إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع، مع تسجيلها صافي تدفقات داخلة أسبوعية بقيمة 623.61 مليون دولار. وفي قطاعي الرعاية الصحية والخدمات المالية، بلغت التدفقات الداخلة 1.33 مليار دولار و1.2 مليار دولار على التوالي.

وسجلت صناديق السندات العالمية صافي مشتريات بقيمة 9.91 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول). واستقطبت صناديق السندات الحكومية تدفقات بقيمة 3.07 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. كما سجلت صناديق السندات مرتفعة العائد، والسندات المقومة باليورو، والسندات قصيرة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.02 مليار دولار، وملياري دولار، و1.52 مليار دولار على التوالي.

أما صناديق أسواق النقد العالمية، فقد اجتذبت تدفقات ضخمة بلغت 172.71 مليار دولار، وهي الأكبر منذ أبريل (نيسان) 2020.

صناديق السلع الأولية

وفيما يتعلق بصناديق السلع الأولية، سجلت صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى تدفقات داخلة بقيمة 269.79 مليون دولار، ما عوّض جزئياً التدفقات الخارجة البالغة 1.54 مليار دولار في الأسبوع السابق. كذلك سجلت صناديق الطاقة تدفقات داخلة للأسبوع الثالث على التوالي، بلغت 327.31 مليون دولار.

وفي الأسواق الناشئة، سجلت صناديق الأسهم صافي مشتريات أسبوعية بقيمة 1.91 مليار دولار، للأسبوع الخامس على التوالي من التدفقات الداخلة. في المقابل، شهدت صناديق السندات تدفقات خارجة بقيمة 299.07 مليون دولار، وفقاً للبيانات التي شملت 29229 صندوقاً.

وعلى صعيد الولايات المتحدة، سجلت صناديق أسواق النقد أكبر تدفقات نقدية داخلة في ستة أشهر خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر، مع تنامي الحذر قبيل انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد المخاوف بشأن ارتفاع إنفاق شركات التكنولوجيا العملاقة على الذكاء الاصطناعي، واستنزافها للسيولة، ما عزز الطلب على الأصول الآمنة.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي ليبر» أن المستثمرين ضخّوا صافي 117.97 مليار دولار في صناديق أسواق النقد الأميركية خلال الأسبوع، وهو أكبر استثمار أسبوعي منذ 6 مايو (أيار).

صناديق الأسهم الأميركية

وفي المقابل، استقطبت صناديق الأسهم الأميركية صافي تدفقات داخلة بقيمة 14.81 مليار دولار، معوضة التدفقات الخارجة الصافية البالغة 6.54 مليار دولار في الأسبوع السابق، بدعم من تراجع أسعار الطاقة، وانخفاض عوائد سندات الخزانة عن مستوياتها المرتفعة المسجلة في أكتوبر.

وفاز الديمقراطيون بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي جرت الثلاثاء، ما أثار مخاوف من أن يؤدي تشديد الرقابة التنظيمية إلى الحد من التوسع السريع لقطاع الذكاء الاصطناعي.

وأثرت هذه المخاوف سلباً على الأسواق يوم الخميس، إذ تراجعت مؤشرات «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» الصناعي بنسبة 5.52 في المائة و4.36 في المائة و3.44 في المائة على التوالي.

وعلى مستوى فئات الأسهم الأميركية، اشترى المستثمرون صافي 10.35 مليار دولار من صناديق الشركات الكبرى، و1.64 مليار دولار من صناديق الأسهم متعددة الأحجام، و422.77 مليون دولار من صناديق الشركات الصغيرة، في حين سحبوا صافي 1.07 مليار دولار من صناديق الشركات المتوسطة.

صناديق التكنولوجيا

وسجلت صناديق التكنولوجيا والصناعة وخدمات الاتصالات تدفقات خارجة بلغت 160.23 مليون دولار و624.67 مليون دولار و965.68 مليون دولار على التوالي. في المقابل، استقطبت صناديق القطاعين المالي والصحي تدفقات داخلة بقيمة 1.3 مليار دولار و1.09 مليار دولار على التوالي.

كما سجلت صناديق السندات الأميركية تدفقات داخلة صافية بقيمة 7.31 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. واستقطبت صناديق الدخل الثابت -الخاضعة للضرائب المحلية العامة- وصناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة طويلة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.72 مليار دولار و2.66 مليار دولار على التوالي. كذلك اشترى المستثمرون ما قيمته 794.32 مليون دولار من صناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة قصيرة ومتوسطة الأجل.


صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، إن البنوك المركزية حول العالم ستحتاج إلى أخذ أي تباطؤ في النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي في الحسبان، لدى تقييم الخطوات اللازمة لمكافحة التضخم.

وأوضحت غورغييفا أن المخاوف بشأن الاعتماد على طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وارتفاع تقييمات الشركات المرتبطة به، بدأت تؤثر في الأسواق حول العالم.

وقالت خلال فعالية في مقر صندوق النقد الدولي بواشنطن: «الأمور تشهد صعوداً وهبوطاً، ومن المرجح أن يستمر ذلك»، مضيفة أن التقلبات ستزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد استقرار الأسعار.

وجاءت تصريحاتها غداة موجة هبوط حادة ضربت أسهم شركات التكنولوجيا، الخميس، وامتدت تداعياتها إلى الأسواق العالمية، وسط مخاوف من أن يؤدي فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، إلى تشديد الرقابة التنظيمية على الذكاء الاصطناعي وإبطاء التوسع في إنشاء مراكز البيانات، ما دفع المستثمرين إلى اللجوء إلى السندات باعتبارها ملاذاً أكثر أماناً.

وتأتي هذه المخاوف السياسية في وقت تواجه فيه الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ضغوطاً متزايدة، بسبب التساؤلات بشأن العوائد المحتملة من الإنفاق الضخم على البنية التحتية اللازمة لهذه التكنولوجيا. وأدت موجة التراجع الأخيرة إلى تفعيل طلبات تغطية الهامش، وأثارت قلق المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط.

وقالت غورغييفا إن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدعم النمو الاقتصادي في بعض البلدان، وتساعد في تعويض الآثار السلبية لصدمة نقص إمدادات النفط الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغوط التضخمية ومخاطر الاستقرار المالي.

وكان صندوق النقد قد حذّر الشهر الماضي، من مخاطر كبيرة تهدد النمو والاستقرار المالي إذا انتهت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاطر أخرى من بينها استمرار الحرب في الشرق الأوسط لفترة طويلة.

وأشار الصندوق حينها إلى أن التراجع الحاد في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى هبوط كبير في أسعار الأصول، بما قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.1 في المائة بحلول عام 2028، بما في ذلك تراجع الناتج الأميركي بنسبة 1.8 في المائة.

ولم تكرر غورغييفا هذه التوقعات السلبية في تصريحاتها الجمعة، لكنها أقرت بتزايد التقلبات في الأسواق، وقالت إن «حدوث تباطؤ في الزخم الذي يوفره النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي، سيشكل عاملاً يتعين أخذه في الحسبان، بينما تقيّم البنوك المركزية الخطوات اللازمة لمواجهة التضخم المستعصي».

وفي سياق متصل، أفادت «رويترز»، الجمعة، بأن الديمقراطيين يعتزمون طرح حزمة واسعة من التشريعات الجديدة التي تستهدف أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطوير مراكز البيانات، فور توليهم السيطرة على الكونغرس الأميركي في يناير (كانون الثاني).

ويمثل ذلك تحولاً واضحاً عن نهج الكونغرس السابق الذي قاده الجمهوريون؛ إذ ركز المشرعون إلى حد كبير على تشجيع تطوير الذكاء الاصطناعي، وامتنعوا عن إقرار تشريعات تفرض قيوداً على هذه التكنولوجيا.