صفقات ترمب تثير القلق داخل «دويتشه بنك»

صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)
صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)
TT

صفقات ترمب تثير القلق داخل «دويتشه بنك»

صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)
صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)

أوصى متخصصون بمجال مكافحة غسل الأموال داخل «دويتشه بنك» عامي 2016 و2017 بضرورة إخطار مؤسسة رقابية فيدرالية معنية بمكافحة الجرائم المالية بصفقات عدة اتخذتها مؤسسات قانونية يديرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوج ابنته جاريد كوشنر.
كانت هذه الصفقات، التي شاركت في بعضها مؤسسته التي انحلت الآن، قد أثارت أجراس الإنذار داخل نظام كومبيوتري مصمم لرصد نشاطات غير قانونية، تبعاً لما ذكره خمسة موظفين حاليين وسابقين في البنك. وأعد الموظفون، المعنيون بالالتزام بالتنظيمات القانونية والذين تولوا مراجعة الصفقات، بعد ذلك تقارير حول ما وصف بأنه نشاطات مريبة رأوا أنه ينبغي إرسالها إلى وحدة داخل وزارة الخزانة تتولى جهود التصدي للجرائم المالية.
إلا أن مسؤولين تنفيذيين داخل «دويتشه بنك»، الذي أقرض مليارات الدولارات إلى شركات تتبع ترمب وكوشنر، رفضوا الأخذ بنصيحة موظفيهم. وعليه، لم يجر رفع التقارير إلى الحكومة قط.
ولم تتضح طبيعة الصفقات المعنية، لكن بعضاً منها على الأقل تضمن أموالا متدفقة ذهاباً وإياباً مع كيانات أو أفراد بالخارج، الأمر الذي اعتبره موظفو البنك أمراً يثير الريبة.
جدير بالذكر أن العاملين بمجال المقاولات العقارية، مثل ترمب وكوشنر، أحياناً ما يبرمون صفقات ضخمة تتضمن مبالغ نقدية هائلة، بما في ذلك مع أشخاص خارج الولايات المتحدة، ومن الممكن أن تثير أي من هذه الصفقات مراجعات من جانب الجهات المعنية بمكافحة غسل الأموال. ولا يعني أن يشعر موظفون بالريبة تجاه صفقة ما، وينبهون المسؤولين التنفيذيين تجاهها، بالضرورة أن الصفقة بها ما يخالف القانون، ذلك أنه في بعض الأحيان تختار البنوك عدم رفع تقارير عن نشاطات مريبة إلى جهات حكومية، إذا ما خلصت إلى أن شكوك موظفيها غير مبررة.
إلا أن موظفين سابقين في «دويتشه بنك» قالوا إن قرار عدم إخطار السلطات الفيدرالية بخصوص صفقات ترمب وكوشنر عكس توجهاً عاماً من جانب البنك تجاه قوانين مكافحة غسل الأموال يتسم بالتراخي. وقال الموظفون، الذين اشترط معظمهم عدم كشف هويتهم كي يحتفظوا بقدرتهم على العمل في الصناعة المصرفية، إن هذه القرارات كانت جزءاً من نمط تصرف متكرر من جانب المسؤولين التنفيذيين بالبنك، الذين يرفضون تقارير مشروعة لحماية علاقات البنك بعملاء كبار يدرون كثيراً من الأرباح عليه.
وفي هذا الصدد، قالت تامي مكفادين، خبيرة سابقة بمجال مكافحة غسل الأموال داخل «دويتشه بنك» تولت مراجعة بعض الصفقات المشار إليها: «نقدم لهم كل شيء، ونقدم إليهم توصية، ولا يحدث شيء».
وذكرت مكفادين أنه صدر قرار بإنهاء عملها مع البنك العام الماضي، بعدما دقت أجراس الإنذار إزاء بعض ممارسات البنك. ومنذ ذلك الحين، تقدمت بشكاوى لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية وجهات تنظيمية أخرى بخصوص مدى التزام البنك بتطبيق تنظيمات مكافحة غسل الأموال.

مؤسسة ترمب تنفي
من جهتها، قالت كيري مكيو، المتحدثة الرسمية باسم البنك، إنه كثف جهوده لمكافحة الجرائم المالية، وأضافت أن برنامجاً فاعلاً لمكافحة غسل الأموال «يتطلب تكنولوجيا مراقبة الصفقات، ومجموعة مدربة من الأفراد بإمكانهم تحليل النقاط التي دفعت النظام التكنولوجي لإطلاق الإنذار على نحو شامل وفاعل».
وأضافت: «لم يحدث أن منع محقق ما من تصعيد الإجراءات ضد نشاط جرى النظر إليه باعتباره قد يكون مريباً. علاوة على ذلك، فإن التلميح بأن أي شخص جرت إعادة تعيينه أو فصله من العمل للتغطية على أي مخاوف مرتبطة بعميل ما كاذبة، شكلاً وموضوعاً».
على الجانب الآخر، قالت أماندا ميلر، المتحدثة الرسمية باسم «مؤسسة ترمب»، كيان مظلي يضم كثيراً من الشركات المملوكة لآل ترمب: «ليس لدينا علم بأي صفقات أثارت القلق لدى (دويتشه بنك)»، مضيفة أن «مؤسسة ترمب» في الوقت الحالي «ليس لديها أي حسابات عاملة لدى (دويتشه بنك)». إلا أنها لم تجب لدى سؤالها حول ما إذا كانت هناك مؤسسات أخرى تتبع ترمب لديها حسابات فاعلة في البنك.
وقالت كارين زابارسكي، المتحدثة باسم «كوشنر كو»: «أي مزاعم حول علاقة دويتشه بنك و(كوشنر كمبانيز)، تتضمن ادعاءات بحدوث غسل أموال، مختلقة وكاذبة تماماً. وما تزال (نيويورك تايمز) مستمرة في خلق ادعاءات غير مترابطة».
ويأتي قرار «دويتشه بنك» بعدم الإبلاغ عن صفقات تخص ترمب وزوج ابنته بمثابة الحلقة الأحدث في علاقة طويلة ومعقدة بين آل ترمب والبنك الألماني الذي يعتبر المؤسسة المالية الوحيدة المنتمية للتيار الرئيسي التي تبدي دوماً استعدادها للتعاون مع ترمب.
وفي الوقت الحالي، تعكف هيئات تتبع الكونغرس، وأخرى تتبع الدولة، على التحقيق في العلاقة بين الجانبين، وقد طالبت البنك بالكشف عن سجلات تخص الرئيس وأسرته والشركات الخاصة بهما. كما تسعى مذكرتان صدرتا عن لجنتين تابعتين لمجلس النواب إلى الكشف عن وثائق تتعلق بأي نشاطات مريبة جرى رصدها في الحسابات البنكية والتجارية الخاصة بترمب منذ عام 2010، تبعاً لما ورد بنسخة من مذكرة متضمنة في ملف دعوى أمام محكمة فيدرالية.
كان ترمب وأسرته قد تقدموا بدعوى قضائية ضد «دويتشه بنك» في أبريل (نيسان)، سعياً لمنعه من الالتزام بالمذكرتين الصادرتين عن الكونغرس. ووصف محامو الرئيس المذكرتين بأن خلفهما دوافع سياسية.

التقرير تعرض للقتل
جدير بالذكر أن الإبلاغ عن النشاطات المريبة يقع في قلب جهود الحكومة الفيدرالية لرصد النشاطات الإجرامية، مثل غسل الأموال والصفقات التي تشكل انتهاكاً للقانون. إلا أن التنظيمات الحكومية تمنح البنوك حرية اختيار الصفقات التي يمكنها الإبلاغ عنها إلى شبكة الإنفاذ المعنية بالجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة.
يذكر أن جهات الإقراض عادة ما تتبع توجهاً يتكون من خطوات مختلفة في رصد النشاطات غير المقبولة. وتتمثل الخطوة الأولى في تصفية آلاف الصفقات والتعاملات بالاعتماد على برامج كومبيوتر، التي تبعث بالصفقات التي تعتبرها مريبة على نحو محتمل إلى موظفين من المستويات الإدارية المتوسطة لمراجعتها بصورة مفصلة. وبإمكان هؤلاء الموظفين اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان عليهم وضع تقرير بخصوص وجود نشاط مريب، لكن القرار الأخير بخصوص ما إذا كان ينبغي رفع التقرير إلى وزارة الخزانة غالباً ما يجري اتخاذه من جانب مديرين على مستوى إداري أعلى.
وفي صيف 2016، أطلق البرنامج الإلكتروني داخل «دويتشه بنك» الإنذار بخصوص سلسلة من الصفقات، تتضمن الشركة العقارية التابعة لكوشنر الذي أصبح اليوم مستشاراً رفيع المستوى بالبيت الأبيض.
وقالت مكفادين التي تعمل منذ فترة طويلة خبيرة بمجال مكافحة غسل الأموال في مكتب جاكسون فيل، التابع لـ«دويتشه بنك»، إنها تولت مراجعة الصفقات، ووجدت أن أموالاً انتقلت من شركة كوشنر إلى أشخاص روس. وخلصت إلى أن هذه الصفقات ينبغي إخطار الحكومة بشأنها لأسباب منها أن الجهات التنظيمية الفيدرالية سبق أن أمرت «دويتشه بنك»، الذي ضبط متورطاً في غسل مليارات الدولارات لحساب روس، بتشديد إجراءات المراقبة على الصفقات التي ربما تكون غير قانونية. وبالفعل، وضعت مكفادين مسودة تقرير عن النشاط المشبوه الذي رصدته، وأرفقت به عدداً من الوثائق الداعمة لقرارها.
وفي العادة، تجري مراجعة مثل هذا القرار من جانب فريق من الخبراء المعنيين بمكافحة غسل الأموال، يتميزون بالاستقلالية عن الخط التجاري الذي جاءت منه الصفقات، في هذه الحالة قسم الصرافة الخاصة، تبعاً لما ذكرته مكفادين واثنين من المديرين السابقين في البنك.
إلا أن هذا لم يحدث مع هذا التقرير، وإنما جرى توجيهه إلى مديرين في نيويورك كانوا جزءاً من البنك الخاص الذي يتولى رعاية مصالح العملاء بالغي الثراء. وخلص هؤلاء إلى أن مخاوف مكفادين لا أساس لها، وقرروا عدم رفع تقرير إلى الحكومة، حسبما ذكره موظفون في البنك.
وقالت مكفادين وبعض من زملائها إنهم يعتقدون أن التقرير تعرض للقتل للحفاظ على العلاقة القوية بين قسم المصرف الخاص وكوشنر.
وبعد أن أصبح ترمب رئيساً، جرت مراجعة الصفقات المتعلقة به وبشركاته من جانب فريق لمكافحة الجرائم المالية في البنك، يطلق عليه «وحدة التحقيقات الخاصة». وأصدر هذا الفريق الذي يوجد مقره في جاكسون فيل عدة تقارير بخصوص صفقات مريبة، تتضمن كيانات مختلفة يملكها ترمب أو يسيطر عليها، تبعاً لما ذكره ثلاثة موظفين سابقين لدى «دويتشه بنك» اطلعوا على التقارير عبر نظام الكومبيوتر الداخلي.
وتضمنت بعض هذه التقارير شركات محدودة المسؤولية تملكها «دونالد جيه. ترمب فاونديشن»، حسبما ذكر اثنين من الموظفين.
وفي نهاية الأمر، اختار «دويتشه بنك» عدم الإبلاغ عن هذه الصفقات المريبة هي الأخرى لدى وزارة الخزانة. وقال الموظفون إنه كان من غير المألوف أن يرفض البنك سلسلة من التقارير المتعلقة بذات العميل رفيع المستوى.

علاقة قديمة من التعاون
جدير بالذكر أن علاقة ترمب بـ«دويتشه بنك» تمتد إلى عقدين. وخلال فترة، توقفت غالبية بنوك وول ستريت عن التعاون معه بسبب إشهاره إفلاسه على نحو متكرر، أقرض «دويتشه بنك» ترمب وشركاته إجمالياً يفوق 2.5 مليار دولار. ومن بين المشروعات التي تولى قسم المصرف الخاص تمويلها منتجع «دوال غولف» الذي يملكه ترمب قرب ميامي، وتم تحويل مبنى مكتب البريد القديم في واشنطن إلى فندق فاخر.
وعندما أصبح ترمب رئيساً، كان يدين لـ«دويتشه بنك» بأكثر من 300 مليون دولار، مما جعل من البنك الألماني أكبر جهة دائنة لترمب.
وشعر مسؤولون تنفيذيون رفيعو المستوى من أنه حال اتخاذهم موقفاً صارماً تجاه حسابات ترمب، مثلاً من خلال المطالبة بسداد قرض متأخر، فإنهم بذلك قد يثيروا غضب الرئيس. على الجانب الآخر، إذا لم يحركوا ساكناً، فإن البنك قد يبدو متساهلاً إزاء ترمب الذي تسيطر إدارته على سلطات تنظيمية على البنك.
جدير بالذكر أنه خلال السنوات القليلة الماضية، عاقبت سلطات تتبع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي «دويتشه بنك» لمعاونته عملاء، بينهم روس أثرياء، في غسل أموال ونقلها إلى داخل دول مثل إيران على نحو يخرق العقوبات الأميركية. وقد دفع البنك مئات الملايين من الدولارات كعقوبة، ويعمل في ظل أمر صادر له من بنك الاحتياطي الفيدرالي لبذل مزيد من الجهد لوقف النشاطات غير القانونية.
من ناحية أخرى، يضم مكتب جاكسون فيل، التابع لـ«دويتشه بنك»، آلاف الموظفين الذين يعكفون على تفحص العملاء والصفقات. وقال ستة موظفين حاليين وسابقين بالمكتب إن الصفقات المرتبطة بآل ترمب تثير قلقاً عميقاً.
وقال الموظفون إنه جرى الضغط على الموظفين المعنيين بمكافحة غسل الأموال كي يمروا سريعاً عبر الصفقات لتقييم ما إذا كانت مريبة. وعليه، فإنهم غالباً ما يقعون في أخطاء على جانب عدم الإبلاغ.
وذكر اثنان من الموظفين السابقين أنهما نبها إلى صفقات تتضمن شركات يملكها روس بارزون، لكن مديري البنك أخبروهم بعدم كتابة تقارير عن وجود نشاطات مريبة. وشعر الموظفان بأن البنك لا يرغب في إثارة ضيق عملاء مهمين.
وقال كثير من الموظفين إنهم اشتكوا من العمليات المعنية بمكافحة غسل الأموال داخل البنك إلى جوشوا بليزر، رئيس قسم التحقيقات في الجرائم المالية داخل «دويتشه بنك» في جاكسون فيل، وتعرضوا للانتقاد باعتبار أنهم يتبعون توجهاً سلبياً. وقالت واحدة من الموظفات إنها استقالت الصيف الماضي لأنها شعرت بالقلق إزاء الجانب الأخلاقي لعمل البنك.
أما بليزر، الذي استعان به البنك عام 2017 لتعزيز جهاز مكافحة الجرائم المالية لديه، فرفض التعليق.
ومن ناحيتها، كانت وظيفة مكفادين في «دويتشه بنك» فحص العملاء والصفقات المرتبطة بقسم المصرف الخاص، الوحدة التي تقرض ترمب المال. وكانت مكفادين قد انضمت للعمل في البنك عام 2008، بعد أن عملت في «بنك أوف أميركا»، أيضاً في جاكسون فيل.
ورحلت مكفادين عن «بنك أوف أميركا» عام 2005، وتقدمت بدعوى قضائية ضده في وقت لاحق بسبب التمييز العرقي، وإنهاء خدمتها على نحو ظالم. وتبعاً لسجلات المحكمة، جرت تسوية قضيتها بناءً على بنود غير معلنة في العام ذاته الذي التحقت خلاله بالعمل لدى «دويتشه بنك»، حيث فازت بكثير من جوائز الأداء.
وقالت مكفادين إنه في الفترة التي نبهت خلالها إلى صفقات شركة كوشنر، اشتكت كذلك من الأسلوب العام لفحص البنك لحسابات العملاء رفيعي المستوى، مثل أولئك الذين يتقلدون مناصب رسمية. وجرى النظر إلى هؤلاء العملاء باعتبارهم ينطوون على مخاطرة أكبر، من حيث التورط في الفساد. وعليه، خضعت حساباتهم لفحص إضافي.
وقالت مكفادين إنها أخبرت رؤسائها بأن العشرات من هؤلاء العملاء في قسم المصرف الخاص، وبينهم ترمب وأفراد أسرته، لا يخضعون لهذا الفحص الإضافي. إلا أن رؤسائها أخبروها بالتوقف عن إثارة الأسئلة، تبعاً لما ذكرته مكفادين واثنين من المديرين السابقين بالبنك.
وبعد أن نقلت شكواها إلى قسم الموارد البشرية، جرى نقل مكفادين إلى قسم آخر، وأنهي عملها لدى البنك في أبريل (نيسان) 2018، وأخبرها البنك بأنها لا تتولى معالجة عدد كاف من الصفقات.
وقد اعترضت مكفادين على ذلك، وقالت إن رؤساءها قلصوا عدد الصفقات التي يتعين عليها مراجعتها بعد إعلانها عن قلقها بخصوص صفقات ترمب وأقاربه. وقالت هي واثنين من المديرين السابقين بالبنك إنهم يرون قرار إنهاء خدمتها كإجراء انتقامي منها.
وقالت: «لقد حاولوا إسكاتي. واليوم، أشعر بالسلام لأني فعلت الصواب».
- خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)

اقترح صندوق النقد الدولي مزيجاً بديلاً من السياسات الاقتصادية لتحقيق تطلعات الإدارة الأميركية دون التسبب في ارتدادات عالمية سالبة. وفي مراجعته السنوية لعام 2026، أكد الصندوق أن اعتماد آليات ضريبية وهيكلية أكثر استدامة بدلاً من الرسوم الجمركية سيخدم الأهداف الوطنية لواشنطن ويحمي في الوقت ذاته استقرار النظام المالي الدولي من مخاطر التضخم والدين المتصاعد.

وأشار البيان إلى أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح، حيث اقترح الصندوق إحلال «ضريبة استهلاك مبنية على الوجهة» محل الرسوم الجمركية، والتحول نحو نظام هجرة قائم على المهارات.

وترى المديرة العامة، كريستالينا غورغييفا، أن هذا التحول سيعالج الاختلالات التجارية بفاعلية أكبر، متفادياً الآثار الجانبية للرسوم التي تسببت في ضغوط على جانب العرض وأججت تضخم السلع، مما شكل عائقاً أمام تحقيق معدلات نمو أقوى.

حماية الاستقلالية

أثنى الصندوق على النهج النقدي المتبع خلال عام 2025، معتبراً توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير خطوة صائبة لمواجهة تباطؤ التوظيف. ويتوقع الصندوق استقرار الفائدة عند نطاق 3.25 في المائة – 3.50 في المائة بنهاية عام 2026، مما يمهد لعودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة بحلول أوائل 2027.

كما شدد التقرير على ضرورة صون «استقلالية الفيدرالي» كأصل استراتيجي يحمي مصداقية السياسات النقدية بعيداً عن التجاذبات السياسية.

العجز المالي ومخاطر الدين العام

لفت الصندوق إلى أن الفجوة في المالية العامة لا تزال تمثل مخاطر حقيقية، حيث حذر من بقاء العجز المالي عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا المسار الصعودي، الذي قد يدفع بالدين العام إلى 140 في المائة بحلول عام 2031، يستوجب وضع خطة «ضبط مالي» واضحة لضمان استدامة الميزانية وتقليص المخاطر السيادية التي قد تمتد آثارها لتشمل الأسواق العالمية برمتها.

مرونة النمو في مواجهة التقلبات

توقع الصندوق أن يحافظ الاقتصاد الأميركي على زخم نمو صحي عند 2.4 في المائة خلال عام 2026، مع انخفاض معدلات البطالة إلى حدود 4 في المائة. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أكدت غورغييفا أن الصندوق يراقب بعناية التطورات القانونية المتعلقة بالرسوم الجمركية لتحليل تبعاتها في التقارير المقبلة، مشددة على أن تبني «مزيج السياسات البديل» هو الضمانة الأكيدة لنمو مستدام وشامل.


صندوق النقد الدولي يمنح الضوء الأخضر لصرف 2.3 مليار دولار لمصر

آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يمنح الضوء الأخضر لصرف 2.3 مليار دولار لمصر

آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)

أعلن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة بموجب «تسهيل الصندوق الممدد» (EFF)، بالإضافة إلى المراجعة الأولى بموجب «تسهيل الصلابة والاستدامة» (RSF) لصالح مصر.

يمثل هذا الإعلان شهادة على تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي المصري نتيجة الجهود المستمرة لتحقيق الاستقرار، وهو ما يتيح للسلطات المصرية سحب ما يعادل 2.3 مليار دولار تقريباً بشكل فوري.

وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس لتؤكد التزام الدولة بمسار الإصلاح، رغم التحديات الإقليمية والدولية القائمة.

تعافٍ ملموس وانخفاض ملحوظ في التضخم

أشار البيان إلى أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح، حيث شهدت مصر تحسناً في ظروفها الاقتصادية العامة. وقد قفز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.4 في المائة في السنة المالية 2024-2025، في حين سجل التضخم تراجعاً كبيراً ليصل إلى 11.9 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويعود الفضل في ذلك إلى السياسات النقدية والمالية المتشددة ومرونة سعر الصرف التي أسهمت في استعادة استقرار السوق وتعزيز الوضع الخارجي للدولة. كما تقلص عجز الحساب الجاري إلى 4.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مدعوماً بقوة تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والتدفقات القياسية لغير المقيمين في أسواق الدين المحلية.

مصريون يسيرون بجانب ترام في مدينة الإسكندرية الساحلية (أ.ف.ب)

الاحتياطيات والوضع المالي

أدى تحسن المركز الخارجي ومرونة سعر الصرف إلى زيادة ملموسة في إجمالي الاحتياطيات الدولية، حيث ارتفعت من 54.9 مليار دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2024 لتصل إلى نحو 59.2 مليار دولار بحلول ديسمبر 2025.

وعلى الصعيد المالي، تحسن الأداء العام مدعوماً بخفض الاستثمارات العامة وزيادة الإيرادات الضريبية. ومع ذلك، لفت الصندوق الانتباه إلى أن الفائض الأولي جاء دون المستهدف في البرنامج نتيجة غياب عوائد برنامج التخارج من أصول الدولة (الخصخصة) التي كان مخططاً لها.

تسهيل الصلابة والاستدامة

أشاد الصندوق بالتقدم المحرز في إطار «تسهيل الصلابة والاستدامة» الذي يدعم التحول نحو اقتصاد أخضر. وقد استكملت السلطات المصرية إجراءين إصلاحيين رئيسيين: الأول هو نشر جدول زمني لتنفيذ أهداف الطاقة المتجددة، والآخر هو إصدار توجيه يلزم البنوك بمراقبة والإبلاغ عن التعرض لمخاطر التحول المناخي. تهدف هذه الخطوات إلى تعزيز القدرة على إدارة المخاطر البيئية وجذب الاستثمارات المستدامة.

تحدي الإصلاح الهيكلي

رغم النجاح في تثبيت الاستقرار الاقتصادي، وصف الصندوق التقدم في الإصلاحات الهيكلية بأنه «غير متساوٍ». وشدد البيان على أن تسريع تنفيذ هذه الإصلاحات يعد أمراً حاسماً لضمان نمو مستدام يقوده القطاع الخاص. في حين لا يزال الدين العام المرتفع واحتياجات التمويل الإجمالية يمثلان ضغطاً على الحيز المالي وآفاق النمو على المدى المتوسط.

تتلاطم الأمواج على الصخور قرب مكان جلوس الناس على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في محافظة كفر الشيخ بمصر (رويترز)

الأولويات

تتمثل أولوية مصر في المرحلة المقبلة، وفقاً للصندوق، في الانتقال نحو نموذج نمو أكثر استدامة. وتعد «الرواية الوطنية للتنمية الاقتصادية» إطاراً مهماً لتعزيز التنافسية، ولكن يجب تسريع الإصلاحات من خلال الحفاظ على مرونة سعر الصرف لتجنب تراكم الاختلالات الخارجية، واستكمال مسار خفض التضخم وتعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وتنفيذ استراتيجية شاملة لإدارة الدين مع تعزيز الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز الحوكمة في الشركات والبنوك المملوكة للدولة.

نظرة بين التحديات والفرص

حذر الصندوق من مخاطر نزولية كبيرة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية المتزايدة وتشديد الظروف المالية العالمية، فضلاً عن التأخر المحتمل في إصلاحات قطاع الطاقة. في المقابل، تبرز عوامل إيجابية قد تدعم النمو، مثل الانتعاش السريع في نشاط قناة السويس أو زيادة إنتاج الهيدروكربونات (النفط والغاز)، بالإضافة إلى المشاريع الكبرى المدعومة من دول الخليج والتي قد ترفع توقعات الاستثمار الأجنبي المباشر.

مرونة الصرف وحوكمة البنوك

في ختام مناقشات المجلس التنفيذي، أكد نائب المديرة العامة للصندوق نايجل كلارك أن تدابير الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها، لكنه شدد على ضرورة إحراز تقدم أعمق في قطاعات غير استراتيجية وإدارة الدين. وأوضح أن الحفاظ على نظام سعر صرف مرن، بحيث تكون التحركات مدفوعة بآليات السوق، هو أمر حيوي لمنع ظهور الاختلالات مجدداً، مع ضرورة أن يقتصر تدخل البنك المركزي على معالجة ظروف السوق غير المنظمة وبطريقة شفافة. كما شدد على ضرورة تعزيز إدارة المخاطر في البنوك المملوكة للدولة وتحسين مناخ الأعمال من خلال الرقمنة وتيسير التجارة، مؤكداً أن تأثير هذه الإجراءات سيبقى محدوداً دون تقدم ملموس في برنامج التخارج من الأصول.


«إنفيديا»: أرباح فلكية وتوقعات تتجاوز السقف... وتساؤلات حول «الفائض النقدي»

شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
TT

«إنفيديا»: أرباح فلكية وتوقعات تتجاوز السقف... وتساؤلات حول «الفائض النقدي»

شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

شهدت الأسواق المالية العالمية لحظة ترقب قصوى مع إعلان شركة «إنفيديا»، العملاق المهيمن على صناعة الرقائق الإلكترونية، عن نتائجها المالية للربع الأخير من عام 2026. وبينما نجحت الشركة في تحطيم تقديرات المحللين وتسجيل أرقام قياسية تعكس الطفرة غير المسبوقة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فإن رد فعل «وول ستريت» جاء مشوباً بنوع من الحذر والمطالبة برؤية عوائد نقدية مباشرة للمساهمين.

يضع هذا التباين بين الأداء التشغيلي المذهل وتحركات الأسهم المستقرة الشركة أمام تحدي الموازنة بين الاستثمار في مستقبل الحوسبة وتلبية طموحات المستثمرين في جني ثمار هذا النجاح التاريخي.

أداء مالي يتحدى التوقعات

نجحت «إنفيديا» في تسجيل قفزة نوعية في إيرادات الربع المنتهي في يناير (كانون الثاني)، حيث بلغت المبيعات 68.13 مليار دولار، متجاوزة التوقعات التي كانت تشير إلى 66.21 مليار دولار، وهو ما يمثل نمواً سنوياً هائلاً بنسبة 94 في المائة.

ولم يتوقف هذا الأداء عند حدود الإيرادات فحسب، بل امتد ليشمل الأرباح المعدلة التي بلغت 1.62 دولار للسهم الواحد.

وتعكس هذه الأرقام الاعتماد الكلي لشركات التكنولوجيا الكبرى على معالجات «إنفيديا» لبناء بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تشير التوقعات للربع المقبل إلى وصول المبيعات إلى 78 مليار دولار، وهو رقم يتخطى متوسط تقديرات المحللين البالغ 72.60 مليار دولار، مما يؤكد أن وتيرة التسارع في الطلب لا تزال في أوجها.

شعار «إنفيديا» في تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

معضلة «الفائض النقدي»

أصبحت السيولة النقدية الهائلة التي تولدها «إنفيديا» هي المحور الأساسي لنقاشات المحللين، حيث أشار تيم أركوري، من بنك «يو بي إس»، إلى أن الشركة في طريقها لتوليد نحو 100 مليار دولار من التدفقات النقدية الحرة خلال هذا العام وحده. هذا «الفائض النقدي» — وهو المال المتبقي بعد تغطية جميع المصاريف والاستثمارات — أصبح نقطة تجاذب؛ فبينما يطالب مستثمرو «وول ستريت» بإعادة جزء من هذه الأموال إليهم عبر توزيعات نقدية أو برامج إعادة شراء الأسهم لرفع قيمة استثماراتهم، تتبنى المديرة المالية كوليت كريس استراتيجية مغايرة، مؤكدة أن الشركة تفضل الاحتفاظ بهذا الفائض لتعزيز مكانتها في «نظام الذكاء الاصطناعي» وتأمين استثمارات استراتيجية طويلة الأمد.

خريطة المنافسة

تواجه «إنفيديا» مشهداً تنافسياً متغيراً يتسم بمحاولات حثيثة من المنافسين التقليديين والعملاء على حد سواء لكسر هيمنتها. فبينما تستعد شركة «إي أم دي» لإطلاق خادم ذكاء اصطناعي رائد، بدأت شركات مثل «غوغل» و«ميتا» في التوجه نحو تصميم رقائقها الخاصة (In-house chips) لتقليل الاعتماد على المورد الخارجي وتوفير التكاليف.

كما تبرز مخاطر «تركز العملاء» كأحد الهواجس المالية، حيث بات عميلان فقط يمثلان 36 في المائة من إجمالي مبيعات الشركة، ما يجعل استقرار إيرادات «إنفيديا» مرتبطاً بشكل وثيق بخطط الإنفاق الرأسمالي لعدد محدود جداً من عمالقة التكنولوجيا.

شعار شركة «إنفيديا» ورسم بياني لارتفاع سعر سهمها (رويترز)

سلاسل الإمداد

في سعيها لطمأنة الأسواق بشأن قدرتها على تلبية الطلب المتزايد، أكدت «إنفيديا» تأمينها مخزونات وقدرات تصنيعية كافية من خلال شريكتها «تي إس إم سي» لتغطية احتياجات الفصول المقبلة، مع ملاحظة أن النقص الطفيف قد يلقي بظلاله على قطاع الألعاب فقط.

أما فيما يخص السوق الصينية، فلا تزال الضغوط الجيوسياسية تلعب دوراً محورياً؛ حيث لم تتضمن توقعات الشركة إيرادات كبيرة من الصين بسبب القيود التصديرية الأميركية، رغم حصولها مؤخراً على تراخيص لشحن كميات محدودة من رقائق «إتش 200» المعدلة، وهو مسار تحاول من خلاله الشركة الحفاظ على موطئ قدم في إحدى كبرى أسواق التكنولوجيا عالمياً.

الحوسبة كبنية تحتية للمجتمع

يتبنى المدير التنفيذي جينسين هوانغ رؤية فلسفية وتقنية تتجاوز مجرد بيع الرقائق، حيث يرى أن مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي ستكون هي الأساس المتين لكل عمليات الحوسبة المستقبلية. وتؤمن الشركة بأننا لا نزال في المراحل الأولى من إعادة صياغة إنتاجية المجتمعات، وهو ما يبرر إصرارها على إدراج تعويضات الأسهم ضمن مقاييسها المالية لجذب أفضل المواهب الهندسية في العالم والحفاظ عليها. إن هذا الرهان على «مصانع الذكاء الاصطناعي» هو ما سيحدد ما إذا كانت القيمة السوقية للشركة، التي تقترب من 4.8 تريليون دولار، هي مجرد بداية لعصر ذهبي أم ذروة تسبق مرحلة الاستقرار.