داود أوغلو أمام امتحان «الشراكة والولاء»

صديق غل يتحول إلى شريك لإردوغان وشكوك حول قيامه بالحكم منفردا

داود أوغلو أمام امتحان «الشراكة والولاء»
TT

داود أوغلو أمام امتحان «الشراكة والولاء»

داود أوغلو أمام امتحان «الشراكة والولاء»

دخل أحمد داود أوغلو «المرحلة الثالثة» من حياته السياسية، بتوليه منصب رئيس حكومة تركيا بعد 12 سنة فقط من دخوله الحياة السياسية في البلاد، متخليا عن العمل الأكاديمي. وبدخوله إلى هذا الموقع، أصبح داود أوغلو مرة جديدة تحت مجهر الإعلام، وحسد السياسيين الطامحين لهذا المنصب. وهو موقف تكرر 3 مرات، أولا عندما عينه الرئيس عبد الله غل كبيرا لمستشاريه في عام 2002، وثانيا عندما عينه رجب طيب إردوغان وزيرا لخارجيته في عام 2008، وثالثا عندما اختاره رئيسا للحكومة، بدلا من كبار المرشحين لهذا المنصب، ومن بينهم الرئيس غل نفسه، الذي ذكره بطريقة غير مباشرة في آخر تصريحاته بأنه من احضره إلى الحياة السياسية.
وبتكليف داود أوغلو، يجد نفسه أمام عدة تحديات أساسية، أولها إثبات نفسه على أنه ليس «دمية بيد إردوغان» الذي يقال إنه منذ أن أصبح رئيسا للجمهورية يريد من يقود من خلاله البلاد بسبب الصلاحيات القليلة لرئاسة الجمهورية، والصلاحيات الكبيرة لرئاسة الحكومة. أما التحدي الثاني فهو إثبات نفسه كرئيس للحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد منذ زمن طويل.
وداود أوغلو، قدم إلى السياسة من الحياة الأكاديمية، وهو رجل عصامي كون نفسه بنفسه، جراء ذكائه اللافت الذي خوله الانتقال من مرحلة إلى أخرى بسرعة قياسية، فخلال سنوات حياته تقلب من ابن الإسكافي، يتيم الأم، إلى معيد في الجامعة، ثم إلى مساعد لكبيرين في السياسة التركية، هما الرئيس عبد الله غل الذي أحضره إلى الحياة السياسية، والرئيس رجب طيب إردوغان الذي رفعه بين المناصب. وسرعان ما تحول «صديق» غل إلى شريك إردوغان.
ويرفض البروفسور برهان كور أغلو، المعيد في جامعة بهجة شهير - إسطنبول، وأحد المقربين جدا من داود أوغلو ما يقال عن حداثته في السياسة، مشددا على أن الأخير «ليس بالجديد على المسرح السياسي في تركيا فهو خاض العراك السياسي منذ عام 2001 عندما بدأ كمستشار لعبد الله غل ومن ثم أصبح المستشار الأول لإردوغان ومن ثم تربع على عرش وزارة الخارجية، إلى جانب ذلك فإن اختصاصه الأكاديمي هو السياسة والعلاقات الخارجية، ولهذا أقول إنه منذ 2002 إلى يومنا هذا يعني 12 عاما فعليا في السياسة». لكن كور أوغلو يشير إلى أنه في السنوات الثلاث الأخيرة «نزل داود أوغلو إلى الساحات مباشرة وبدأ بممارسة السياسة على أرض الواقع وبين الجماهير»، في إشارة إلى ترشحه للانتخابات النيابية في الانتخابات الماضية. ويقول كور أوغلو: «أعتقد حسب معرفتي بالسيد أحمد فإنه سيستخدم أسلوبا يختلف عن الأسلوب المتعارف عليه في تركيا في حكم البلاد، وعلى الرغم من أنه لم يأت من مؤسسات الحزب فإنه سيستخدم مهاراته وذكاءه في تسيير أمور الحكومة والحزب على أفضل وجه، ولهذا سيركز على الأسلوب الأكاديمي في الإدارة». ويضيف: «منذ ثلاث سنوات وهو ينزل إلى الساحات ويخاطب الجماهير مباشرة وأثبت جدارته في هذا المجال، السيد أحمد أيضا يختلف عن باقي السياسيين في أسلوب المخاطبة لأنه واثق من نفسه ولا يعد بشيء لا يمكن أن يحققه فجميع الوعود التي تعهد بها ينفذها حرفيا». ويشير إلى أنه «سيكون له أسلوب يختلف عن أسلوب أسلافه، لعدة أسباب منها أنه أتى من وسط أكاديمي وثانيا أنه صاحب مشروع إقليمي، ولهذا يتمتع بسمعة دولية حسنة، ولا يتردد في نقد الغرب كما يتمتع بعلاقات طيبة جدا مع المسؤولين في الدول الإسلامية وهو يتمتع بصفات القادة الذين يمكن أن يقودوا العالم الإسلامي إلى حقبة يفتخر بها الجميع». ويتابع: «تعيش المنطقة العربية مرحلة (الربيع العربي) منذ 4 سنوات، البعض يتهم داود أغلو شخصيا بأنه وراء فشل السياسة التركية في جميع المحطات، لكني أقول إنه لا يمكن أن نفصل تركيا عن محيطها الطبيعي فهي تتأثر بما يدور من حولها، وسلك أحمد داود أوغلو طريقا على أسس قوية وسليمة تجاه دول الربيع العربي، وما يعد فشلا حاليا هو في الأصل نجاح سنجني ثماره على المدى البعيد».
وانطلاقا من هذه المعطيات، يؤكد كور أوغلو أن «داود أوغلو سيستمر في هذا الطريق بعد تربعه على عرش رئاسة الوزراء وفي السياسة التي يتبعها سواء حيال سوريا أو العراق»، متوقعا أن «تشهد الدولة التركية عهدا من السياسة الخارجية الفعالة لم تعشه من قبل. وعلى الرغم من أنه سيعطي الدبلوماسية الداخلية حقها فإنه سيركز على أن يكون عصره العصر الذهبي للدبلوماسية التركية في المنطقة والعالم، والسبب بسيط، وهو أن داود أوغلو خبير في الشؤون والدبلوماسية الدولية». ويشير إلى أن داود أوغلو لن يقف مكتوفا حيال ما يجري في العراق والتغيرات على الساحة الميدانية والسياسية فيه وسيقوم بمبادرات تتماشى مع آخر التطورات في العراق، كما يمكن أن يبدأ المفاوضات مع مصر لإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه سابقا، وهذا لا يعني بأنه سيتخلى عن أسلوب الدبلوماسية القديم ولكن التغيرات على أرض الواقع ستجعله يستغل الفرص لصالح تركيا، كما سيركز على التعاون المشترك بين تركيا والمملكة العربية السعودية للعمل المشترك لحل المعضلات سواء في العراق أو ليبيا، كما ستعود تركيا لكي تكون وسيطا لحل النزاعات بين الإخوة المتناحرين ليس في المنطقة فحسب بل في العالم وخاصة في الجمهوريات «الناطقة» بالتركية ودول شرق أوروبا وعلى رأسها المعضلة في أوكرانيا.
أما عن العلاقة بين إردوغان وداود أوغلو، فيقول كور أوغلو: «يوجد بين الشخصين علاقات حميمة وطيبة جدا لأنهما يعملان منذ 12 عاما جنبا إلى جنب. وهذه العلاقات كانت مبنية على الاحترام من الطرفين، وأعتقد أن إردوغان سيقوم بمتابعة جميع أعمال وفعاليات هذه الحكومة عن كثب، أي كما قالها إردوغان من قبل بأنه لن يكون مثل رؤساء الجمهورية السابقين كاتب عدل للتوقيع على قرارات البرلمان والحكومة. لكن كور أوغلو يؤكد أن هذا لا يعني بأنه سيكون هناك صدام بينهما بل سيعملان في توافق تام، يعني سيكون هناك أسلوب جديد من الحكم سيجربه الطرفان في تركيا، وهذا لا يعني بأنه لن تكون هناك عقبات ولكن سيتخطيانها بأسرع ما يمكن.. ويختصر كور أوغلو المشهد بالمقبل بأن إردوغان وداود أوغلو سوف «يديران أمور البلاد بالشراكة».
وفي المقابل، يقول المحلل السياسي في جريدة «حرييت» علي أورنيك إنه من المؤكد أن إردوغان سيملي وداود أوغلو سينفذ. ويقول: «في الماضي كان إردوغان هو الذي يفكر ويدير البلاد وهو الذي كان يتصدى للهجمات من المعارضة، اليوم يضع داود أوغلو في الواجهة، ولهذا يجمع الخبراء في تركيا بأن داود أوغلو هو رئيس وزراء فقط بالوكالة، فالكلمة الأولى والأخيرة ستكون لإردوغان دون منازع». ويرى أورنيك أنه «لا أحد يمكن أن يخفي إحباطات وفشل هذا الرجل، فبسبب السياسة التي اتبعها حول محيط البلاد إلى بحيرة من الدماء في سوريا ثم العراق، وحوّل نظرة الغرب الإيجابية حيال تركيا إلي دولة تدعم الإرهاب والإرهابيين من القاعدة إلى النصرة وكان آخرها داعش». ويقول: «بهذه العقلية والأسلوب السياسي من الصعب قيام هذا الرجل بدور رئيس الوزراء لتركيا. والجميع يعرف أن السبب وراء اختيار إردوغان لداود أوغلو ليس النجاحات لأنه في الأصل لا يوجد له أي نجاحات بل السبب الحقيقي هو الولاء والطاعة العمياء التي يكنها داود أوغلو لإردوغان»، معطيا مثلا على «هذا الولاء الأعمى» وهو «وقوف داود أوغلو بجانب إردوغان قلبا وقالبا أثناء الحرب التي تجري الآن مع جماعة فتح الله كولن، ولهذا السبب قامت الجماعة بنشر شريط تسجيل صوتي لداود أوغلو ومستشار المخابرات هكان فيدان وهما يخططان لكيفية إرسال الأسلحة للمعارضة السورية. وهذا التسجيل يشكل الإثبات الأكبر لتورط تركيا في الحرب والإرهاب في سوريا، ولكن وعلى الرغم من هذا بقي داود أوغلو في مكانه كوزير للخارجية». ويشير أورنيك إلى أن «الجميع يعرف أن إردوغان لا يحبذ أن يكون رئيس جمهورية تقليديا للبلاد، هو يريد أن يكون رئيسا يمتلك بيده جميع السلطات، ولهذا لا يمكن أن يحقق آماله إلا من خلال داود أوغلو»
أما لفنت جولتكين، وهو كاتب من صحيفة «ستار» الموالية للحكومة، فيشكك بقدرة داود أوغلو على إدارة الحكومة. ويعد أن «الحقيقة التي يعرفها الداني والقاصي في تركيا هي أن السبب وراء اختيار إردوغان لدواد أوغلو هو قبول الثاني أن يكون الأول الشريك الفعال والقوي في رئاسة الحكومة، أو بمعنى آخر كان إردوغان يبحث عن شخص يقبل أن يكون رئيسا بالوكالة وينفذ ما يطلب منه دون أي نقاش».
وعما إذا كانت تركيا ستعيش عصر تورغت أوزال الذي كان يدير البلاد من خلال رئيس الوزراء يلدرم اك بولوط مرة أخرى، يقول: «ليس تماما لأن اك بولوط تمرد في آخر المطاف على أوزال» من دون أن يستبعد تمردا لاحقا من قبل داود أوغلو. ويرى جولتكين أن جميع هذه الخصائص التي يتمتع بها داود أوغلو تعد إيجابيات لصالح إردوغان، ولكن هذا الوضع سيترتب عليه سلبيات للحزب، كما أن عدم استطاعة داود أوغلو نسج علاقات مع أرضية وكوادر الحزب ستكون من أكبر العوائق التي ستواجهه في الأشهر الستة المقبلة، ولكن إذا استطاع داود أوغلو أن يحقق نجاحا كبيرا في الانتخابات البرلمانية فعندئذ سيتمرد على إردوغان وسيقول له أنا الذي حققت هذا النجاح وليس أنت. وأنا الآن أستحق منصب رئاسة الوزراء لوحدي دون شريك».
لكن جولتكين يؤكد أن الاستطلاع الذي أجري بين كوادر وقيادات الحزب حول من هو الشخص الذي يرغبون أن يكون زعيما لهم بعد اعتلاء إردوغان سدة رئاسة الجمهورية، كانت نتيجته أن نسبة 70 إلى 80 في المائة أرادوا أن يكون عبد الله غل زعيما لهم ورئيسا للوزراء. الاعتراض الآن في الحزب هو أن من حق إردوغان ألا يرشح غل، ولكن يوجد البديل الثاني والثالث والرابع، إردوغان تركهم جميعا وذهب لترشيح البديل الأضعف والأخير في القائمة، وهذا ترشيح غير طبيعي، ولهذا سيترتب على هذا الترشيح غير المنطقي أن الكوادر في الحزب والناس العاديين سيكتشفون أخطاء داود أوغلو أولا بأول، وسيمتعض الجميع من كل قرار يتخذه.
ويكرر أن داود أوغلو «لا يوجد له لا شعبية ولا أرضية داخل الحزب، فهو إنسان محيطه أكاديمي ينظر إلى الناس بنظرة فوقية يمتلك وقفا يديره بنفسه، أدخل جميع تلاميذه الذين يعتمد ويثق بهم إلى أروقة الحزب وفي أماكن حساسة، وهم أيضا جميعا لا يوجد لهم علاقة بالفكر المللي (الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان) ولا لهم علاقة بالمحيط الإسلامي المحافظ الذي يمتد الحزب قوته منه، وهذه الطغمة لا يتناسب نسيجها مع نسيج الحزب»، معربا عن اعتقاده أن «القادة في الحزب (الحاكم) لن يفعلوا ما فعل البعض في حزب الشعب الجمهوري المعارض بالوقوف متفرجين، فهؤلاء، سيقومون بتسجيل أخطائه وهذا سيترتب عليه استنزاف قوته بسرعة وسيتناقص الدعم له كل يوم مما سيجبره على التخلي أو التمرد».
ويشير جولتكين إلى أن «داود أوغلو رجل أكاديمي لم يدخل في ملفات الفساد والرشى التي يتهم بها الكثير من وزراء الحزب، فإردوغان أقام مع المقربين له دائرة من العلاقات التجارية ويريد شخصا نظيفا لا يوجد له علاقة بالفساد أن يدير هذه الحلقة». ويضيف: «داود أوغلو يمكن أن يقبل بعض التعليمات من إردوغان بإعطاء بعض المناقصات الهامة لهذه الشركة أو تلك المجموعة، ولكن أعتقد بعد حين سيرفض هذه الإملاءات، ولكن لن يرفض أي طلب إلى الانتخابات التي ستجري في عام 2015، وأعتقد أن العلاقات ستكون بينهما كما كانت من قبل علاقة رئيس بمستشاره وليس كرئيس للوزراء».
العلاقة مع الحزب:
تشكيك وحسد من البعض
تبدو العلاقة بين داود أوغلو والحزب الحاكم من أكثر العوائق التي تقف في وجه طموحه السياسي، فهو الآتي حديثا إلى الحزب، يواجه نظرة تشكيك من قدمائه، وأحيانا نظرة حسد لصعوده السريع والكبير.
لكن كور أوغلو يقول إنه «قبل أن يعلن اسم داود أوغلو كان هناك استفتاء بين جميع كوادر الحزب أعضاء البرلمان والوزراء على من يريدون رؤيته على رأس الحزب والحكومة، الأغلبية العظمى أعلنت بأنها تريد داود أوغلو، وليس كما يحلو للبعض قوله بأن اختيار داود أوغلو كان فقط من قبل إردوغان، كما أن النظام الداخلي للحزب الذي ينص على مدة ثلاث دورات كحد أقصى لأعضاء الحزب يجعل من داود أوغلو الأكثر حظا في الترشيح، كما أن نجاحاته المحلية والدولية والكاريزما التي يتمتع بها أيضا لعبت دورا مهما في ترشيحه»، معربا عن «اعتقاده أنه لن يكون هناك أي صعوبات في تقبل كوادر الحزب لأنهم هم الذين اختاروه قبل أن يعلن إردوغان اسمه»، عادا أن هذه الفترة ستكون بالنسبة له «امتحانا عسيرا ولكنه سيخرج منه ووجهه أبيض».
وفي المقابل، يشير المحلل السياسي في جريدة «حرييت» علي أورنيك إلى أن داود أوغلو هو من الذين دخلوا إلى الحزب لاحقا، وهو الوحيد الذي لا يمتلك أرضية أو مجموعة من الكوادر الحزبية التي تدعمه، وليس مثل القادة الآخرين حيث لكل واحد منهم مجموعاته الحزبية والإقليمية، ولهذا يقع بين الفينة والأخرى صدام فيما بينهم. ويعد أورنيك أن «داود أوغلو لا يتمتع بأرضية صلبة في الحزب يمكن استخدامها كوسيلة لرفض أي طلب من إردوغان، وإردوغان يعي هذا جيدا ولهذا اختار أضعف الحلقات في الحزب لترؤس الحكومة والحزب وبهذا يبقى مواليا ومطيعا دون سؤال».
ويشير إلى أن (المرشح السابق لرئاسة الحكومة والحزب) بن علي يلدرم ليس الوحيد الغاضب من ترؤس داود أوغلو الحكومة، ولكن الأغلبية العظمى من المؤسسين وعلى رأسهم بولانت ارنج، الذي سيحال للتقاعد من البرلمان حسب النظام الداخلي للحزب غاضبة. لكنه يشدد على أنه «لن نرى أي صدامات تذكر إلى حين الانتخابات البرلمانية العام المقبل، أي يوجد أمام داود أوغلو مدة 6 أشهر لن يواجه بها إلا المعارضة الخارجية من الأحزاب الأخرى، والداخلية ستكون بعد الانتخابات مباشرة».
أما لفنت جولتكين، فيقول إن داود أوغلو «هو الشخص الوحيد في الوسط الإسلامي الحالي الذي لم يأت من منابر السياسة، فهو رجل يتمتع بخلفية ثقافية عالية، كما أنه رجل أكاديمي، ولهذا لا يوجد له أي علاقات حميمة مع القاعدة الحزبية للعدالة والتنمية، ولهذا السبب يوجد فتور بينة وبين القادة والإداريين في الحزب، فلو سألتني كخبير في الأحزاب ومقرب من مراكز القرار في حزب العدالة والتنمية، فأنني أقول لك بأن داود أوغلو سيأتي في مؤخرة القائمة التي يمكن أن يرشحها كوادر الحزب لرئاستهم، ولكن هذه الأسباب هي التي شجعت إردوغان لترشيح داود أوغلو، وهذا ليس استنتاجا أو تحليلا مني ولكن هذا ما أجابني به أصحاب القرار في الحزب، لأنه من خلال أحمد داود أوغلو سيتمكن إردوغان من التحكم والسيطرة وإدارة الحزب من بعيد»، ويرى أنه في حال حصول أي مشكلة «سيذهب الوزراء وأعضاء البرلمان ورؤساء التشكيلات ورؤساء البلديات إلى إردوغان مباشرة لحل معضلاتهم، لأنهم يؤمنون بأن داود أوغلو لا يمتلك الصلاحية ولا السلطة لحل المعضلات التي ستواجه الحزب، والسبب الأهم هو أنه آت من وسط أكاديمي وينظر إلى جميع كوادر الحزب بما فيهم القادة بنظرة فوقية، ويعد نفسه أنه أفضل منهم جميعا».
ويقول جولتكين إن داود أوغلو «رجل لا يوجد له أي علاقة بالقاعدة الحزبية لا من قريب ولا من بعيد، ولكنه يتمتع بقوة كبيرة وهذا نموذج جديد من السياسة يجرب الآن في تركيا، رجل له طموحات إقليمية ويوجد من حوله طاقم قوي يتحكم بالخارجية، ومحيطه يختلف عن محيط الحزب وعن الوسط الإسلامي المحافظ». ويضيف: «أنا أعرف السيد أحمد عن كثب منذ أن دخل كمستشار في الحزب، لم يحاول في يوم من الأيام التقرب من كوادر الحزب وتعمد بكل قوة أن يكون له محيط خاص به، لا يحتك أبدا بالآخرين في الحزب، والسبب في هذا أنه كان ينظر إلى الأغلبية العظمى من المسؤولين في الحزب وعلى رأسهم إردوغان بأنهم لا يستحقون أن يكونوا في تلك المناصب التي يشغلونها، وكان يكرر أكثر من مرة (لا يمكن الاستمرار مع هؤلاء الجهلة)»، لأنهم من وجهه نظرة «ينظرون إلى الأحداث بنظرة سطحية بما فيهم الوزراء». ويذكر جولتكين أنه بعد انتخابات 2007 وعندما انتخب غل رئيسا للجمهورية، استقال داود أوغلو من منصبة كمستشار وجمع حقائبه ورجع إلى إسطنبول، وعندما سئل عن السبب قال بالحرف الواحد «إن جميع قيادات الحزب وكوادره الإدارية جهلة ولا يفقهون شيئا ومستواهم التعليمي بسيط وأغلبهم من عامة الشعب، ولا يمكن الاستمرار معهم في نفس الطريق». ولكن بعد 45 يوما اتصل به إردوغان وسأله أين أنت فقال إنه رجع إلى إسطنبول، فقال له بأن مكانك هنا بجانبي، عد إلى أنقرة، فعاد. ويضيف: «داود أوغلو إلى هذا اليوم لم يغير وجهه نظرة حيال قيادات الحزب ويعدهم جهلة لا يفقهون شيئا، ولهذا أعتقد أن عمر حكومته ورئاسته للحزب لن يكون طويلا».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.