وزير البيشمركة الكردي: بغداد تسببت في تأخر وصول أسلحة إلى إقليم كردستان

مصطفى سيد قادر أكد في حديث لـ {الشرق الأوسط} أن «داعش» يفخخ كل شيء.. ما يبطئ تقدم قواته

مصطفى سيد قادر
مصطفى سيد قادر
TT

وزير البيشمركة الكردي: بغداد تسببت في تأخر وصول أسلحة إلى إقليم كردستان

مصطفى سيد قادر
مصطفى سيد قادر

كشف مصطفى سيد قادر، وزير البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، عن أن الحكومة الاتحادية في بغداد أخرت وصول المساعدات العسكرية التي قدمتها بعض الدول إلى الإقليم مؤخرا لمساعدته في حربه ضد مسلحي «داعش».
وحمل سيد قادر، وهو من حركة التغيير بزعامة نوشيروان مصطفى، في حديث لـ«الشرق الأوسط» رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي تحديدا في هذا التأخير وقال: إن الحكومة الاتحادية «تشترط أن تهبط كافة الطائرات التي تحمل مساعدات عسكرية إلى إقليم كردستان أولا في مطار بغداد لمعرفة ماهية حمولتها ومن ثم السماح لها بدخول إقليم كردستان، وترتب على ذلك تأخير في إيصال الأسلحة إلى البيشمركة». لكن الوزير أعرب عن ارتياحه لوضع قوات البيشمركة، مشيرا إلى بدء خطوات لجعلها جيشا نظاميا «لكن الأولوية الآن للحرب والانتصار فيها». وفيما يلي نص الحديث:

* بداية كيف هي أوضاع البيشمركة الآن في الخطوط الأمامية؟
- أوضاع قوات البيشمركة الآن جيدة وهي أفضل بكثير مما كانت عليه قبل إرسال المساعدات العسكرية الدولية إلى إقليم كردستان، وسنحاول تطوير هذه القوات نحو الأفضل في المستقبل القريب.
* هل ستقف قوات البيشمركة عن التقدم باتجاه المناطق الأخرى بعد أن تستعيد السيطرة على كافة المناطق المتنازع عليها؟
- كما تعلمون قوات البيشمركة والآسايش (الأمن) دخلت إلى كافة المناطق الكردستانية خارج إدارة الإقليم بعد أن سيطر «داعش» على الموصل، وذلك لملء الفراغ الأمني الناجم عن انسحاب القوات العراقية من هذه المناطق، وبدأت قواتنا ببناء ساتر دفاعي على مسافة 1050كم لمنع (داعش) من دخول هذه المناطق، وتمكنا من الدفاع عنها لمدة طويلة إلى أن دخل (داعش) إلى بعض هذه المناطق مؤخرا مثل سنجار وزمار وسد الموصل وجلولاء ومناطق من سهل نينوى، وهذا أدى بقوات البيشمركة إلى أن تعيد النظر بتنظيمها ومعرفة أسباب الانسحاب، وتبدأ عملية عسكرية لاستعادة هذه المناطق بمساعدة جوية من الطائرات الأميركية فضلا عن إرسال الأسلحة والأعتدة، وكان لذلك دور كبير في استعادة البيشمركة زمام المبادرة.
أما بالنسبة لعملياتنا العسكرية وأين ستنتهي، ففي المرحلة الأولى نحن نهدف إلى استعادة كافة المناطق التي فقدنا السيطرة عليها من قبل، وحمايتها، ومن ثم سنرى ما يقتضيه الحال في حينه. ستكون هناك مباحثات مع الحكومة الاتحادية لدراسة ذلك، فإذا كانت هناك خطة من هذا النوع سيكون لنا كلام واستعداد لذلك، وحدث هذا الشيء في فك الحصار عن آمرلي، إذ كانت هناك اتصالات للتنسيق بين قوات البيشمركة والآسايش والقوات الاتحادية لوضع خطوة مشتركة للتحرك نحو آمرلي وسليمان بيك، وهذا ما تم بالفعل.
* لماذا لم تكن قوات البيشمركة مهيأة لخوض الحرب، ولم تسلح لحد الآن، بالرغم أن الإقليم شبه مستقل؟
- حكومة الإقليم لم تستطع خلال الأعوام الماضية أن تسلح البيشمركة، لأن العراق لم يكن يسلح قوات البيشمركة، ولم يسمح لإقليم كردستان باستيراد الأسلحة. فإحدى المشاكل العالقة بين أربيل وبغداد هي قضية احتساب قوات البيشمركة ضمن المنظومة الدفاعية للعراق، وتسليح البيشمركة وتدريبها. لهذا ظلت قوات البيشمركة على مدى الأعوام الماضية غير مسلحة بالأسلحة والأعتدة الحديثة، لذا حاولنا ومنذ بدء المعارك مع (داعش) أن نحصل على الأسلحة والمعدات العسكرية التي تمكننا من مواجهة (داعش) وردعه، لأنه يملك أسلحة حديثة وبكميات كبيرة، منها ما حصل عليه داخل العراق بعد أن سيطر على الموصل ومنه ما أتى به من سوريا، إضافة إلى أن مسلحي (داعش) يمتلكون خبرات كبيرة في مجال التفخيخ والتفجير. لكن بعد أن قررت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا مساعدة البيشمركة من الناحية العسكرية والإنسانية، وزودتنا بكميات من الأسلحة وهاجمت الطائرات الأميركية مواقع (داعش)، استطعنا صد المسلحين وإيقاف تقدمهم ووضع برنامج لاستعادة كافة المناطق التي فقدنا السيطرة عليها، وقد حدث هذا فعلا، إذ استعادت البيشمركة السيطرة على مخمور والكوير ومن ثم سيطرنا على سد الموصل والآن هناك تقدم مستمر في محور زمار.
* انسحاب البيشمركة من سنجار وزمار ومناطق سهل نينوى وجلولاء، هل كان هذا الانسحاب تكتيكيا أم أن هناك مسؤولين تسببوا فيه؟
- هناك مجموعة من العوامل التي دفعت بقوات البيشمركة إلى الانسحاب من هذه المناطق، العامل الأول كان بسبب شح الأسلحة، فالأسلحة الموجودة عند قواتنا أسلحة قديمة تعود للجيش العراقي السابق وهي بحاجة إلى التجديد، وكذلك نفاد الأعتدة، لأنها لم تكف لمواجهة العدو ونيران العدو كانت أكثف من نيراننا، والعامل الثاني أننا لم نتمكن خلال الأعوام الماضية من أن نجعل قوات البيشمركة قوات نظامية من ناحية الأسلحة والأعتدة والتدريب بحيث تكون لها اليد العليا في هكذا مواجهة. العامل الثالث يتمثل في طول المسافة الفاصلة بين البيشمركة و(داعش)، فقوات البيشمركة تسلمت مسؤولية منطقة واسعة خالية من أي سواتر بشكل مفاجئ، وبدأت هي ببناء ساتر على طول هذه الحدود، إلى جانب أن البعض من قادتنا لم يستطيعوا تنفيذ واجباتهم بالشكل المطلوب، وانسحبوا من دون تلقي الأوامر من الجهات العليا أو حتى وإن تلقوا أوامر بالانسحاب فإنهم لم يستطيعوا تنفيذ انسحاب عسكري منظم. كل هذه العوامل أدت إلى ذلك الانسحاب بالإضافة إلى وجود عدد كبير من النازحين وهذا الذي جعل الموضوع أكثر صعوبة، لذا شكل رئيس الإقليم والقائد العام لقوات البيشمركة مسعود بارزاني لجنة للتحقيق في أسباب الانسحاب تتكون من ممثلين عن وزارة البيشمركة والآسايش، لمعرفة أسباب الفشل والمسؤولين عن الانسحاب.
* كما علمنا أن اللجنة بدأت عملها الأسبوع الماضي، إلى أين وصل التحقيق؟ وما هي أهم الإجراءات التي من الممكن اتخاذها بحق المسؤولين عن الانسحاب؟
- لا يزال التحقيق مستمرا واللجنة ستتوجه إلى المناطق التي تم الانسحاب منها للتحقيق في تداعيات القضية، وهناك عقوبات عسكرية لكافة الذين تثبت مسؤوليتهم في الموضوع، وتشمل الطرد من الوظيفة والسجن.
* ما هي طبيعة المعارك التي تخوضها قوات البيشمركة مع (داعش) الآن؟
- نحن نخوض ضد (داعش) كافة أنواع المعارك، وهذه الحرب تشمل كافة أنواع المعارك مثل حرب الشوارع والقصف وحرب المدن والقرى وحرب الجبهات. كذلك، يستخدم (داعش) معركة تفخيخ المدن والشوارع، وهي طريقة جديدة في القتال فعند انسحابهم من أي منطقة يفخخون كافة أرجائها، حتى أعلامهم يفخخونها ويفخخون قتلاهم وآلياتهم وسواترهم، لذا ترون أن قوات البيشمركة تتقدم ببطء باتجاه استعادة السيطرة على هذه المناطق، فقواتنا تحتاج إلى وقت طويل لتمشيط وتطهير المنطقة من المتفجرات قبل أن تدخلها، من أجل تقليل الخسائر إلى أدنى حد.
* هل بدأتم بالفعل في تأسيس قوات بيشمركة نظامية؟
- نحن في وقت الحرب، مع هذا بدأت هذه الخطوات بالفعل لكن الأولوية الآن للحرب والانتصار فيها. هذا يحتاج إلى وقت، لكن بدأنا فعليا بتنظيم وترتيب قواتنا، وأي قوة جديدة ستشكل مستقبلا ستكون على هذا الأساس.
* ما هو دور الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا في توجيه المشورة لقوات البيشمركة؟
- هناك غرفة عمليات مشتركة بين إقليم كردستان والقوات الأميركية وضابط علاقات أميركي في وزارة البيشمركة لتنسيق العمليات العسكرية ضد (داعش). غرفة العمليات المشتركة بدأت بالعمل منذ بدء الضربات الجوية الأميركية لمواقع (داعش)، ومنها تتلقى الطائرات الأميركية توجيهات لتنفيذ ضرباتها ومعلومات عن خطوط تقدم قوات البيشمركة ومواقع (داعش) في الجبهة.
* ما هي الدول التي قدمت مساعدات عسكرية لقوات البيشمركة، حتى الآن؟
- ما تسلمناه من الأسلحة والأعتدة حتى الآن مصدرها الولايات المتحدة وفرنسا. دول أخرى أرسلت مساعدات عسكرية لوجيستية، وثمة دول أخرى تنوي إرسال الأسلحة إلى الإقليم، وننتظر وصول هذه الأسلحة.
* ما سبب تأخر وصول الأسلحة؟
- المشكلة الوحيدة في هذا المجال هي العرقلة التي تتسبب بها الحكومة العراقية، وخاصة شخص رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي. الحكومة الاتحادية تشترط أن تهبط كافة الطائرات التي تحمل مساعدات عسكرية إلى إقليم كردستان أولا في مطار بغداد لمعرفة ماهية حمولتها ومن ثم السماح لها بدخول إقليم كردستان، وترتب على هذا تأخير في إيصال الأسلحة إلى البيشمركة، لكن المساعي متواصلة لحل هذه الأزمة. إننا نشكر كافة الدول التي ساهمت وتساهم في تقديم المساعدات العسكرية والإنسانية لإقليم كردستان.
* ما مدى قدرة البيشمركة على خوض المعركة لوحدها ضد «داعش»؟
- حتى الآن تحارب قوات البيشمركة والآسايش لوحدها «داعش»، فليست هناك أي قوات أخرى في الجبهات، ولم نكن نعاني سوى نقص في الأسلحة والأعتدة، ولم نطلب من أي دولة إرسال الجنود إلى كردستان لأن قوات البيشمركة عددها جيد إلى جانب وجود عدد كبير من المتطوعين والمواطنين الذين أبدوا استعدادهم لمواجهة «داعش».
* كم عدد قوات البيشمركة.
- يبلغ عدد قوات البيشمركة 150 ألف عنصر، وهؤلاء يشاركون في المعركة ضد «داعش» بالتعاون قوات الآسايش وقوات الزيرفاني ومكافحة الإرهاب، والشرطة.
* هل هناك مشاركة لقوات الحكومة الاتحادية في العمليات الجارية؟
- لم تساعدنا أي وحدة عسكرية عراقية في العمليات الجارية ضد (داعش) باستثناء قوة واحدة شاركت في عملية استعادة السيطرة على سد الموصل، ولم تشارك بعدها في أي هجوم أو عملية أخرى.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.