زعيم «الشيوعي» السوداني: جذورنا ممتدة شعبياً... و«الماركسية» صالحة منهجاً للحكم

الخطيب قال لـ«الشرق الأوسط» نريد أن نحقق خلال الفترة الانتقالية تطلعات الثوار وليس من هزمناهم

محمد مختار الخطيب
محمد مختار الخطيب
TT

زعيم «الشيوعي» السوداني: جذورنا ممتدة شعبياً... و«الماركسية» صالحة منهجاً للحكم

محمد مختار الخطيب
محمد مختار الخطيب

وجه سكرتير عام الحزب الشيوعي السوداني؛ محمد مختار الخطيب، اللوم للمجلس العسكري الانتقالي، بعد سقوط قتلى وجرحى من المواطنين في ساحة الاعتصام، خلال الأيام الماضية، وطالبه بفتح تحقيق شفاف لمعرفة الجهات المتورطة في الأحداث، على أن تشارك في التحقيقات قوى الحراك الثوري.
ورأى الخطيب أن امتناع المجلس العسكري الذي يسيطر على السلطة عن «اعتقال رموز النظام البائد وحل ميليشياته»، التي كانت هددت علانية بقمع المحتجين، وراء ما حدث من تفلتات أمنية.
وقال الخطيب في حوار مع «الشرق الأوسط» إن حزبه لا يزال موجوداً وسط الناس، «وكل يوم يزداد نفوذاً، والشعب يعرفنا تماماً». وأضاف: «بعد تجربة 30 عاماً من حكم الإسلاميين ظهر من هو الذي قلبه على بلاده وشعبه ومن قلبه على نفسه». وأكد الخطيب أيضاً أن النظرية الماركسية ما زالت صالحة منهجاً للحكم، ولم يستبعد أن تحكم السودان من جديد. ونفى أن يكون حزبه هو من يقود حراك الشارع، قائلاً إنها ثورة الشعب بكل أطيافه، و«الشيوعي» جزء منها. في المقابل قال إنه «لن يترشح لأي منصب في الفترة الانتقالية»، لأن الحكومة المقبلة هي حكومة كفاءات وليست للمحاصصات الحزبية. وأضاف: «نريد أن نتفرغ خلال الفترة المقبلة لتأهيل وتنظيم حزبنا استعداداً لمرحلة ما بعد الحكومة الانتقالية».

> السودان يمر بمرحلة في غاية التعقيد... إلامَ ترجع هذه الحالة؟
- هي في إطار الصراع بين قوى الثورة، والنظام البائد... كل يعمل من أجل أن يكون التغيير المقبل في صالحه. سلاح الثوار، هم الجماهير، ويريدون أن تبقى الانتفاضة، متقدة... وأن يبقى الزخم الثوري ممتداً؛ ولا يزال سلاح العصيان المدني والإضراب السياسي مطروحاً من أجل كسب الجولة مع المجلس العسكري الانتقالي، الذي يسيطر على السلطة ويملك أجهزة وأدوات القوة.
نلوم المجلس العسكري، لأنه لم يعمل على حل أجهزة النظام السابق ولم يعتقل أو يتحفظ على قيادته أو تفكيك ميليشياته، رغم التهديدات المباشرة والصريحة من رموز النظام البائد، وتهديدهم بقتل المحتجين. لذلك نحن نرى أن المجلس العسكري الانتقالي يتحمل مسؤولية إزهاق الأرواح، والدماء التي سفكت خلال الأيام الماضية، ونطالبه بتحقيق شفاف تشارك فيه قوى الثورة من أجل معرفة الحقيقة... لأننا لا نريد توزيع الاتهامات إلى الجيش والدعم السريع، من دون دليل واضح.
> هل لديكم تسريبات أو معلومات عمن يقف وراء مقتل وإصابة المعتصمين في الفترة الأخيرة؟
- كل المؤشرات تشير إلى أيادي النظام البائد، الذي استعمل كل قواه لإخماد الانتفاضة، ولكنه فشل وكانت وسيلته الوحيدة أن يخلع الرئيس، ويأتي بقوى تواصل مسار النظام السابق، والحفاظ على مكتسباته وإجراء انتخابات سريعة للعودة إلى الحكم مرة ثانية. ورغم ذلك نريد أن يجري تحقيق شفاف لمعركة الحقيقة كاملة ومحاكمة المقصرين.
> أنتم إذن تعتقدون أن هناك قوى تعرقل مسار الثورة...
- كل الذي يجري حالياً يوضح ذلك، نحن لم نرَ أي خطوات جادة تجاه قصقصة أجنحة النظام السابق، ولا تزال الدولة العميقة وكتائب الظل وميليشيات وأجهزة النظام الأمنية موجودة، وتعمل على إجهاض الثورة.
> تصفية الدولة العميقة... هل هي من مهام العسكر أم الحكومة الانتقالية المقبلة؟
- المجلس العسكري الانتقالي الآن في السلطة وعليه فعل شيء... ولكن في المقابل نحن نرى وإلى حد ما، أن المجلس العسكري الذي يمثل اللجنة الأمنية العليا، التي كونها الرئيس المخلوع، هو جزء من النظام السابق، لذا نولي أهمية كبرى على القوى الثورية من أجل استكمال الثورة، والوصول بها إلى غاياتها النهائية، وهدفنا هو تفكيك وتصفية الدولة العميقة، هذا هو مقصد الانتفاضة منذ أن بدأت، وهي انتفاضة تحمل في طياتها كل القضايا العالقة منذ استقلال السودان في عام 1956 وحتى يومنا هذا، وبالتالي ليس من السهل إخماد هذه الانتفاضة، وستأخذ طريقها إلى الآخر، وستكون الغلبة في المفاوضات للقوى الثورية وسيتم تحقيق مطالبهم.
> «الشيوعي» من أكثر الأحزاب الرافضة لوجود العسكريين في السلطة الانتقالية...
- رؤيتنا في الحزب الشيوعي أن تكون الحكومة المقبلة مدنية كاملة، ولكن الحزب لديه تحالفات مع قوى أخرى، ونحن نلتزم بما يتم التوصل إليه في تلك التحالفات، نحن مع مجلس سيادة رمزي يمثل فيه العسكريون، أما الحكومة التنفيذية والمجلس التشريعي فيجب أن يكونا بإرادة قوى الحرية والتغيير.
> هل لديكم مرشحون في مستويات السلطة الانتقالية؟
- بالتأكيد لدينا مرشحون، ونحن نعمل في إطار التحالف العريض، وتقدمنا بأسماء مرشحين من الحزب إلى لجنة قوى الحرية والتغيير التي تقوم بتطبيق المعايير الموضوعة على مرشحي الأحزاب في المناصب.
> هل تم ترشيحك لأي منصب في الحكومة الانتقالية؟
- لا، لم أرشح لأي منصب، نريد أن نتفرغ خلال الفترة المقبلة لتأهيل وتنظيم حزبنا استعداداً للمراحل المقبلة.
> هل سيدفع «الشيوعي» بقيادات وسيطة أو حليفة في الحكومة الانتقالية؟
- الحكومة المقبلة للكفاءات وليست للمحاصصات، نحن تقدمنا بأسماء مرشحين من الكفاءات.
> يكثر الحديث أن الحزب الشيوعي هو من يقود الشارع الآن...
- هذا تقليل من شأن هذه الثورة... هذه ثورة شعب كامل جاءت نتيجة لتراكم نضالي منذ عام 1989، أسهم فيه الشيوعيون مع غيرهم، قدم الجميع تضحيات كبيرة؛ من قتل وتعذيب وتشريد، لا يمكن لأي جهة أن تقول إن هذه ثورتها، هي ثورة جماهير الشعب ضد المظالم التي حدثت في البلاد، كل هؤلاء يشاركون في الثورة، ولا يمكن القول إن الحزب الشيوعي هو وحده من قام بها.
> إلى أي مدى الحزب الشيوعي مستعد للتحول الديمقراطي؟
- عملنا في ظروف سرية وصعبة في كل العصور الديكتاتورية من عهد الرئيس الأسبق إبراهيم عبود، مروراً بنظام النميري من تحت الأرض، ومن فوقها... اعتقلت أعداد كبيرة من الشيوعيين؛ ولكن في كل مرة يخرجون أكثر قوة وثقلاً وسط الجماهير، لأن جذور الحزب الشيوعي مغروسة تماماً في هذا الشعب وعلى أرضه، ونفوذنا وسط الجماهير لا يزال كبيراً. وسنحاول أن نبني على ما هو موجود، وسندعو إلى مؤتمر دستوري جامع في نهاية الفترة الانتقالية، التي أردناها طويلة، لأن القضايا الحالية لا يمكن أن يحلها برنامج حزب واحد، وهي تهم كل الشعب، وبما أن الأحزاب تعبر عن طبقات وفئات الشعب، فبالضرورة أن يحمل البرنامج الذي سينفذ خلال سنوات الانتقال تطلعات هذه القوى.
> كثيرون يتساءلون لماذا تصرون على فترة انتقالية طويلة؟
- جربنا فترات انتقال قصيرة بعد ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل (نيسان) 1985، فالحكومات التي تأتي بالانتخابات بعدها، تقوم بتنفيذ برامج خاصة بها، لا برامج وطنية، ولا تمثل شعارات الثورة؛ وبالتالي دخلنا في الدائرة الشريرة؛ حكومة ديمقراطية يعقبها انقلاب عسكري... ثم ثورة شعبية تعقبها فترة انتقالية قصيرة ثم انقلاب آخر. وبالتالي علق كثير من القضايا الوطنية الحيوية. نريد أن نستفيد من طول الفترة، لعقد مؤتمر دستوري قومي يشارك فيه كل أهل السودان، نتوافق فيه على كيفية حكم السودان، وهذا هو الذي يؤدي إلى استدامة الديمقراطية في البلاد، ويرسخ التداول السلمي للسلطة.
> لماذا يعقد المؤتمر الدستوري بنهاية الفترة الانتقالية وليس في بداياتها؟
- حتى تكون البيئة مهيأة تماماً؛ فقضايا السودان معقدة وشائكة وتحتاج إلى ابتدار نقاش واسع وسط الجماهير للوصول إلى المؤتمر، ونحن جاهزون، ولكن إذا عقد المؤتمر في بداية الفترة الانتقالية مع هذه الأزمات والصراعات القبلية والفتن سيزيد من الخلافات والصراعات، لذلك لا بد أن تتعافى النفوس أولاً.
> الشباب قادوا ثورة تاريخية... أين هم الآن في برامج الأحزاب وهناك من ينادي بإنشاء حزب خاص بهم؟
- الشباب يمثلون 60 في المائة من الشعب السوداني، والبرامج المطروحة الآن من الأحزاب كلها بما فيها الحزب الشيوعي، تنادي بمشاركة الشباب واستيعابهم في برامجها... لكننا لا نرى ضرورة لإنشاء حزب للشباب، هذا كلام غير واقعي، الشباب جزء من هذا المجتمع وموزعون إلى فئات وطبقات وشرائح، وكل له تطلعاته... يمكن للشباب أن يجدوا أنفسهم في الأحزاب الحالية، وبرنامج الحزب الشيوعي يرمي إلى الوصول إلى الديمقراطية الحقة، والاشتراكية، وكل من رأى أن تطلعاته تتماشى مع رؤيتنا يمكن أن يصبح عضواً فيه أو يكون صديقاً أو متحالفاً معنا.
> هناك اتهامات بأن الأحزاب السودانية متهمة بممارسة الديكتاتورية المدنية داخلها ولا تعطي الفرصة للشباب في القيادة...
- هذا الأمر ناتج عن تعاقب حكم الديكتاتوريات العسكرية في السودان خلال الـ50 عاماً الماضية، فالأبوية والوصاية موجودة في الموروث الثقافي، وفي الأحزاب التي تقوم على أساس طائفي وديني تجد هناك نخبة مسيطرة على قيادة الحزب، ولكن تغيرت الأوضاع الآن وأصبحت لها برامج ومؤتمرات، والحزب الشيوعي تأثر بالحكومات الديكتاتورية العسكرية، وتفاوتت أزمان عقد مؤتمراته، كما نعمل تحت ظروف ضاغطة، وعيب كبير أن ينادي حزب بالديمقراطية والتداول السلمي ولا يعقد مؤتمراته. وأكدنا ضرورة عقد المؤتمرات تحت كل الظروف، إذا كانت علنية أو سرية، عقدنا المؤتمر السادس، والآن بدأنا التحضير للمؤتمر السابع.
> لا يزال الحزب الشيوعي يواجه حملات ضده في الشارع، ويصفه البعض بحزب الصفوة المثقفة...
- لسنا حزباً صفوياً؛ نحن نمثل مصالح حزب الطبقات الكادحة؛ العمال والمزارعين. هناك من يريد استمالة الشعب ونهب خيراته وموارده لمصالحهم الخاصة، لذا يقومون بحملات ضدنا، ويستفيدون من الجهل بالشيوعية ويصفوننا بالإلحاد لإبعاد الشعب عنا، ولكننا نعيش وسط الناس وكل يوم نزداد نفوذاً، والشعب يعرفنا تماماً، وبعد تجربة 30 عاماً من حكم الإسلاميين ظهر من هو الذي قلبه على بلاده وشعبه ومن قلبه على نفسه.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ناقشنا داخل الحزب لنحدد أين كان الخطأ في الاشتراكية، هل هو في النموذج السوفياتي؟ هل في النظرية نفسها؟ وهل النظرية أداة غير صالحة لمعرفة واقعنا؟ وجدنا أن النظرية صالحة حتى الآن، لذلك اتخذنا النظرية الماركسية منهجاً لرسم البرنامج الذي يصلح مع الشعب السوداني.
> هل حسمت المواثيق الخلافات بين الأحزاب حول شكل الدولة خلال الفترة الانتقالية؟
- كل الأحزاب متفقة على حكومة انتقالية تؤسس للدولة المدنية الديمقراطية، تقوم المواطنة على أساس الحقوق والواجبات، ومن الطبيعي أن يحدث صراع، لأن تحالف قوى الحرية والتغيير يضم أحزاب المعارضة من اليسار واليمين، وكل حزب يخدم مصالح الفئات والقوى التي يمثلها، لذلك يحدث هذا التباين، ولكن في حالة الثورة، الجماهير هي التي تحسم الأمور.
> ألن تقبلوا بمشاركة الإسلاميين في الفترة الانتقالية؟
- نحن نريد أن نصفي ما صنعه الإسلاميون خلال 30 عاماً، لن يمنعوا من ممارسة نشاطهم السياسي، ولن يكونوا في الترتيبات الانتقالية التي نريد أن نحقق فيها تطلعات الثوار وليس من هزمناهم.
> تطبيق النظام البرلمان فشل في السابق وهناك الآن من ينادي بنظام رئاسي...
- الحزب الشيوعي مع النظام البرلماني لأنه يحقق قضية التنوع في الشعب السوداني، واحدة من أزماتنا عدم حل قضايا القوميات، حيث وقع ظلم كثير وازدراء ثقافي ديني وعرقي، لذلك يجب أن تمثل كل الجهات في مجلس السيادة الذي اقترحنا أن يعكس أقاليم البلاد الستة، بالإضافة إلى تمثيل المرأة.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.