ماكرون يواجه تحديات داخلية وخارجية في الانتخابات الأوروبية المقبلة

ماكرون يواجه تحديات داخلية وخارجية في الانتخابات الأوروبية المقبلة

السبت - 13 شهر رمضان 1440 هـ - 18 مايو 2019 مـ رقم العدد [ 14781]
باريس: ميشال أبو نجم
بعد ثمانية أيام، يتوجه الناخبون الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع، في إطار الانتخابات الأوروبية، التي تشكل الامتحان الانتخابي الأول للرئيس إيمانويل ماكرون، منذ وصوله إلى القصر الرئاسي قبل عامين تماماً.

فبعد الأشهر الخمسة المنقضية على الحركة الاحتجاجية «السترات الصفراء»، التي التهمت كثيراً من شعبيته، وضربت صورته «جزئيّاً» في الداخل والخارج، فإن هذه الانتخابات تكتسي أهمية استثنائية بالنسبة لمستقبل الرئيس الفرنسي، ولقدرته على الاستمرار في إصلاحاته الداخلية ومشاريعه الأوروبية، وأيضاً لموقعه على خريطة الاتحاد الأوروبي السياسية. ومن هنا، فإن ماكرون وحزبه «الجمهورية إلى الأمام» يواجهان مجموعة من التحديات، ليس أقلها تمكين لائحته «الانبعاث»، التي تقودها وزيرة الشؤون الأوروبية السابقة ناتالي لوازو، من الحلول في المرتبة الأولى. لكن دون تحقيق هذا الهدف توجد عقبة رئيسية اسمها مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، ولائحتها «التجمع الوطني»، التي أعطت زمام قيادتها لشاب لا يزيد عمره على 23 عاماً، اسمه جوردان بارديلا، أخرجته من قبعتها، في محاولة واضحة للعب ورقة الشباب، ولتغيير صورة حزبها، وإعطائه مسحة من التجدد والحداثة.

في الأشهر الأخيرة، طرح ماكرون نفسه كمدافع أول عن المشروع الأوروبي بوجه «الشعبويين» و«القوميين»، ويصنف لوبان وحزبها في الخانة الثانية. وداخلياً سعى الرئيس الفرنسي إلى إعادة إنتاج صورة الانتخابات الرئاسية في دورتها الثانية، حيث تواجه مع رئيسة حزب «التجمع الوطني». وخلال الأشهر والأسابيع القليلة الماضية لم ينفك اليمين الكلاسيكي، ممثلاً بحزب «الجمهوريون» الذي يقود لائحته «الفيلسوف» فرنسوا كزافيه بيلامي، والأحزاب اليسارية بمختلف مشاربها، عن التنديد بخطة ماكرون، التي من شأنها «تهميش» الأحزاب الأخرى، وحصر المنافسة بين لائحة «الانبعاث»، ولائحة «التجمع الوطني». ويبدو أن هذه الخطة قد نجحت إلى حد بعيد، إذ تفيد استطلاعات الرأي بأن هذين اللائحتين تتصدران استطلاعات الرأي، حيث حصلتا على أرقام متقاربة، تدور حول 22 و23 في المائة لكل منهما.

ويفيد آخر استطلاع للرأي أجري لمصلحة صحيفة «لو فيغارو» اليمينية بأن لائحة اليمين المتطرف تحلّ في المرتبة الأولى، بحصولها على 24 في المائة، فيما تأتي لائحة الحزب الرئاسي في المرتبة الثانية (22 في المائة). بينما تحتل لائحة «الجمهوريون» المرتبة الثالثة (14 في المائة)، و«فرنسا المتمردة» المرتبة الرابعة (8 في المائة)، والخضر في المرتبة الخامسة (7 في المائة)، واليسار الاشتراكي في المرتبة السادسة (5 في المائة). كما بين الاستطلاع ضعف المشاركة المنتظرة، التي لن تزيد على 40 في المائة، الأمر الذي يدفع بالأحزاب إلى استنهاض مؤيديها.

هذا الواقع يثير قلق ماكرون وفريقه لأن حلول لائحته في المرتبة الثانية ستكون له انعكاسات داخلية وخارجية، من هنا، فقد دعا رئيس حكومته إدوار فيليب والوزراء الآخرين إلى التعبئة والمشاركة الفعلية في الحملة الانتخابية فيما تبقى من أيام قليلة فاصلة.

لكن مشكلة اللائحة، التي تعاني أساساً من تراجع شعبية ماكرون، أن رئيستها لم تنجح حتى اليوم في فرض صورتها، واجتذاب ناخبي ماكرون، الذين صوتوا له على الأقل في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وبحسب الاستطلاع المذكور، فإن 41 في المائة من الناخبين يريدون الاستفادة من المناسبة للتعبير عن معارضتهم لسياسة الرئيس الحالي. وهذه الأسباب تدفع ماكرون، وفق أوساطه، إلى «الانخراط» في الحملة لأنه، كما يقولون، يحمل «مشروعاً أوروبياً»، ولأن وصوله إلى الرئاسة جاء بفضل دعامتين: دعامة الإصلاح في الداخل، من جهة، ومن جهة ثانية، دعامة توفير انطلاقة جديدة للاتحاد الأوروبي عن طريق السعي لمزيد من الاندماج، وتحويل أوروبا إلى كتلة متراصة لها حضورها على المسرح العالمي. لكن رئيس الجمهورية، الذي هو فوق الأحزاب، لا يريد أن يكون طرفاً مباشراً. إلا أن ذلك لم يمنع حزبه من طبع منشورات تحمل صورة ماكرون مع شعار «أوروبا إلى الأمام، ويوم 26 مايو (أيار) سأصوت لصالح لائحة الانبعاث».

وبررت سيبيت نديا، الناطقة باسم الحكومة، رغبة ماكرون في خوض غمار الانتخابات الأوروبية بقولها، أمس: «من الطبيعي والمنطقي أن ينخرط الرئيس في هذه المعركة بسبب التزامه الأوروبي القديم. كما أن لهذه المعركة انعكاسات على مشروعه الوطني الذي تعمل الأكثرية من أجله».

وما يصح على التحديات التي يواجهها ماكرون في الداخل، ينطبق أيضاً على الخارج الأوروبي، حيث استقواء الحركتين الشعبوية والقومية يهدد خطته الأوروبية. والأسوأ من ذلك أن ماكرون يفتقر لأصدقاء أوروبيين، والخلافات الأخيرة التي برزت بينه وبين المستشارة الألمانية تعيق حركته. وآخر ما استجد بين باريس وبرلين هو ميل ألمانيا للتخلي عن مدينة ستراسبورغ الفرنسية كمقر للبرلمان الأوروبي، الذي يلتئم في هذه المدينة، وفي بروكسل «عاصمة» أوروبا.

ومن جانب آخر، سيكون على ماكرون أن يجد حلفاء له تحت قبة البرلمان الأوروبي، لتكون له القدرة على التأثير على مناقشاته وعلى قوانينه، خصوصاً على تسمية المسؤولين الأوروبيين، وتحديداً رئيس المفوضية والمفوضين الآخرين.

من هنا، فإن حلول لائحته في المرتبة الثانية بعد لائحة مارين لوبان سيضعفه على المستوى الأوروبي، وسيوفر أسلحة لخصومه السياسيين، وسيمنعه من الاستمرار في الدعوة لإصلاح أوروبا، وإقامة جيش أوروبي، ومنطقة مندمجة للعملة الموحدة (اليورو)، وليكون لأوروبا صوتها وللدفاع عن مصالحها.
فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة