تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات

وسط أجواء التوتر الإقليمي المتصاعد

تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات
TT

تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات

تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات

وسط أجواء التوتر المحيطة بالعلاقات الإيرانية - الخليجية، والسجالات الإيرانية - الأميركية، تتجه أنظار عدد من المتابعين السياسيين إلى الوضع في العراق. هذا أمر أكثر من طبيعي، ليس فقط لأن العراق هو البلد العربي الوحيد الذي يحدّ إيران براً، بل لأن في العراق قيادات وتنظيمات على صلة وثيقة بالقيادة الإيرانية، ولكون بغداد بين العواصم العربية الأربع التي تباهى بعض قادة الحرس الثوري الإيراني بأن نظام طهران يسيطر عليها، إلى جانب دمشق وبيروت وصنعاء... وأخيراً وليس آخراً، لأن العراق ما زال يعيش ارتباكاً سياسياً (تقف خلفه الصراعات الحزبية المحتدمة) حال حتى اللحظة دون اكتمال تشكيل حكومته التي يرأسها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.
في العام الماضي، وفي مثل هذه الأوقات، أُجريت الانتخابات العراقية للدورة البرلمانية الرابعة (2018 - 2022). ورافقت تلك الانتخابات عدة مفاجآت لم تكن في معظمها متوقَّعة بالنسبة للطبقة السياسية العراقية التي حكمت البلاد بعد عام 2003.
المفاجأة الأولى كانت نسبة المشاركة المتدنية في تلك الانتخابات، التي لم تزد عن 25 في المائة، وهو ما يعني أن نحو75 في المائة من العراقيين قاطعوا الاقتراع. والمفاجأة الثانية هي النتائج التي أسفرت عنها، إذ على الرغم من نسبة المشاركة المتدنية مثلت النتيجة (يومذاك) صدمة لكثير من الكتل والأحزاب وحتى الشخصيات التي كانت لا تتوقع يوماً أن تكون خارج المشهد. ومن مجموع 329 مقعداً هو عدد مقاعد البرلمان العراقي خرج أكثر من 200 نائب من الدورات الماضية، بينما احتفظ أكثر من 100 نائب فقط من كل الكتل والأحزاب بمقاعدهم.
الأمر نفسه ينطبق على الحراك السياسي الذي مثلته تلك الانتخابات، إذ بالإضافة إلى الجدل الذي رافق النتائج، وإعادة عمليات العد والفرز، والحديث عن شبهات الفساد التي رافقت الانتخابات وما ترتب عليها من حرق للصناديق، وغيرها من الممارسات غير الطبيعية، فإن الخريطة السياسية انشطرت طولياً لا عرضياً. وبعدما كانت تلك الخريطة طوال الدورات البرلمانية الماضية تستند إلى البيوت «المكوّناتية» (بيت شيعي - بيت سني - بيت كردي) فإن الذي حصل هو انشطار هذه البيوت عرضياً بعد ما بدا أنه انشقاقات داخل التحالفات «المكوّناتية». ذلك أن البيت الشيعي أصبح عدة بيوت هي عبارة عن كتل مختلفة وبزعامات مختلفة، وكذلك الأمر مع البيتين السنّي والكردي. وللعلم، كل هذه الكتل ضمها تحالفان برزا بعد الانتخابات... بهدف تشكيل الحكومة، هما «تحالف الإصلاح والإعمار» و«تحالف البناء».

أزمة الكتلة الأكبر
بعد نهاية سلسلة المفاجآت التي رافقت انتخابات 2018، التي مرّ عليها عام كامل حتى الآن، ما زالت لم تكتمل الحكومة، إذ ما زال ينقصها أربع وزارات رئيسية وحساسة هي الدفاع والداخلية والعدل والتربية... وكذلك معظم اللجان البرلمانية.
وأيضاً، بعد نهاية مسلسل المفاجآت عاشت الكتل السياسية أزمة أخرى ذات طابع دستوري، وهي أزمة تحديد «الكتلة الأكبر»... التي لها أن ترشح من بين أعضائها المكلف بتشكيل الحكومة. الخبير القانوني أحمد العبادي يشرح السياق الدستوري فيما يتعلق بإشكالية «الكتلة الأكبر» التي كادت تؤدي إلى أزمة سياسية صعبة حتى اليوم.
العبادي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قال إنه «طبقاً للتباين بين الرقمين، فإن كتلة (الإصلاح والإعمار) كانت قد جمعت 177 نائباً عن طريق تواقيع رؤساء كتلهم، واستندت في ذلك إلى تفسير المحكمة الاتحادية لعام 2010، وطبقاً للمادة 76 من الدستور العراقي. لكن تحالف البناء يستند إلى تواقيع النواب أنفسهم، ما يعني أنهم لم يتمكنوا من جمع مقاعد أكثر من هذا العدد في وقتها». وأضاف العبادي أن «التفسير الذي كانت قدمته المحكمة الاتحادية لا يزال ساري المفعول، علماً بأن قرارات الاتحادية ملزمة وقاطعة».
ولأن الخلاف لم يُحسم منذ سنة بالطرق القانونية، وطبقاً لما ذكره النائب السابق في البرلمان العراقي صلاح الجبوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الجلسة الأولى للبرلمان جلبت معها كل الخلافات التي عانينا منها طوال السنوات الـ15 الماضية على كل الصعد؛ إذ تستمر المفاوضات لأجل المفاوضات دون رؤية واضحة لكيفية بناء الدولة». وبشأن الخلاف حول الكتلة الأكبر قال الجبوري، إن «تحالف (الإصلاح والبناء) يستند إلى تفسير المحكمة الاتحادية لعام 2010 الذي لا يزال هو السائد، بينما الطرف الآخر يقول بالتواقيع، وهو ما يعني استمرار الخلافات، ما سينعكس بالضرورة على الأداء الحكومي المقبل الذي ما زلنا نتمنى أن يكون أفضل».

فرضية «العراق الأكبر»
وبما أن التحالفين فشلا وما عاد ممكناً الاستمرار مع احتمالات الوقوع في الفراغ الدستوري، اتفق الأفرقاء، خصوصاً زعيمي أبرز كتلتين، وهما مقتدى الصدر زعيم «التيار الصدري» وراعي كتلة «سائرون» التي حلت بالمرتبة الأولى في الانتخابات بواقع 54 مقعداً، وهادي العامري زعيم كتلة «الفتح» التي حلّت ثانية بعدما حصلت على 47 مقعداً برلمانياً، على الخروج باتفاق ما زال ساري المفعول، وهو أن العراق أكبر من «الكتلة الأكبر».
على أثر ذلك، جرى التوافق على اختيار رئيس وزراء توافقي هو الدكتور عادل عبد المهدي. لكن طبقاً لسياق الأحداث وتداعياتها، منذ تشكيل الحكومة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 وحتى اليوم، فإن مفهوم «العراق الأكبر» لم يُترجم على مستوى مواقف الكتل والأحزاب لجهة رفضها التنازل عمّا تعده استحقاقات لها بينما بدأت الخرائط السياسية تتغيّر بشكل أو بآخر. التجلي الأكبر لهذا التغير هو عجز أكبر كتلتين («الفتح» و«سائرون») ضمن تحالفي «الإصلاح» و«البناء» عن حسم حقيبتي الدفاع (التي هي من حصة السنّة) والداخلية (التي هي من حصة الشيعة). أيضاً، لم تتمكن الكتلتان من حسم حقيبتي العدل (التي هي من حصة الأكراد) والتربية (التي هي من حصة السنّة). ولكي نترجم ما تبدو كأنها أحجية (أو حزورة)، فإن الخلاف حول حقيبة وزارة الداخلية تمحور طوال عدة شهور حول شخصية المرشح من قبل تحالف «البناء» للمنصب، وهو فالح الفياض، مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة «الحشد الشعبي» الذي كان أقاله رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وأعادته المحكمة الإدارية. الرافض الأكبر لترشيح الفياض إلى فترة قريبة هو مقتدى الصدر... وكان تم الاتفاق على استبعاد الفياض وترشيح آخرين بدلاً منه يمكن أن تعرض أسماؤهم خلال الفترة القريبة المقبلة. وعليه فإن الخلاف حول حقيبة الداخلية خلاف شيعي - شيعي.
أما فيما يتعلق بوزارة الدفاع، فإنها من حصة العرب السنّة. ولأن السنّة منقسمون إلى سنّيي «الإصلاح» وسنّيي «البناء»، فإن الخلافات بينهم لا تزال قائمة، رغم ترشيح عدة أسماء ظل التوافق بشأنها بعيداً عن الحسم، وخصوصاً الآن، بعد المتغيّرات التي حصلت بعد إعادة رسم الخريطة السنية، عقب الإشكاليات التي رافقت انتخاب محافظ نينوى.
الأمر نفسه ينطبق على وزارة التربية، التي هي أيضاً من حصة السنّة، حيث ما زال أمرها غير محسوم بدرجة كبيرة، وكذلك وزارة العدل - التي هي من حصة الأكراد - والخلاف بشأنها مرتبط بمدى ما يحققه الحزبان الكرديان الرئيسان (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) على صعيد تشكيل حكومة إقليم كردستان.

نينوى تعيد رسم الخريطة السنّية
لم تكن عملية اختيار محافظ لنينوى، التي كانت بوابة سلسلة الانهيارات التي حصلت في العراق بعد احتلال «داعش» لها خلال شهر يونيو (حزيران) عام 2014 وما رافقها من إشكاليات، إلا قطعة من جبل الجليد المتراكم طوال سنة من الجدل والخلافات بين القوى والأحزاب والكتل والمكونات.
الخلاف حول نينوى بدأ وظل عابراً، لكونها إحدى المحافظات السنّية الغربية والشمالية، بل، ولأنها بوابة استقرار العراق أيضاً. لذا فإنه بمجرد انتهاء الإعلان عن انتخاب منصور المرعيد، المقرب من رئيس هيئة «الحشد الشعبي» ومستشار الأمن الوطني فالح الفياض، محافظاً لنينوى... بدأت الهزات الارتدادية لما بدا أنه زلزال ضرب هذه المحافظة، وذلك بدءاً من الخلافات التي رافقت عملية حل مجلس المحافظة من قبل البرلمان العراقي.
حل مجلس المحافظة اتخذ سياقاته الدستورية، لكنه تحول (مع ذلك) إلى قضية سياسية لها علاقة بالتوازنات لصالح قوى مؤثرة في بغداد أكثر مما لها علاقة بالتوازنات داخل المحافظة. الزعامات السنّية، سواء في بغداد أو نينوى (عاصمتها مدينة الموصل) لها رؤيتها لطبيعة المشهد المعقد في نينوى... الذي يمكن أن ينعكس على المشهد السياسي العام في بغداد.
وفي هذا الإطار، علّق عضو البرلمان العراقي عبد الله الخربيط لـ«الشرق الأوسط» متهِماً أن «خميس الخنجر (زعيم «المشروع العربي») هو من رتّب هذه الصفقة لصالح انتخاب المرعيد، وهو استمرار لأسلوبه في تمثيل المظلومية السنّية وتهميشهم، حيث حاول الحصول على كسب من الخارج تحت هذه الذريعة». وأضاف أن «النواب السنّة الذين انتموا إلى المحور الوطني، لم يكونوا في الواقع على قناعة بوجود الخنجر، لكن وجود شخص رئيس البرلمان محمد الحلبوسي بوصفه الضامن لاستمرارية التحالف أبقى له تسمية رئيس التحالف، التي ترجمها الخنجر باحتراف إلى أموال من قطر وتركيا».
وتابع الخربيط أن «إصرار الخنجر على التدخل في عملية تنصيب، بل شراء منصب، محافظ نينوى، أثار نواب المحافظة بقوة وتضامن معهم الآخرون. لذلك عاد تحالف (القوى العراقية) إلى الحياة، وانتهى (المحور الوطني)».

رأي أثيل النجيفي
من جهته، يرى أثيل النجيفي، القيادي البارز في كتلة «القرار العراقي»، ومحافظ نينوى الأسبق، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا تغيير داخل سنّة الإصلاح بل سيشمل التغيير سنّة البناء لأن الانشقاق الذي حصل هو بينهم فقط». وأردف أن «هذا الانشقاق سيؤدي إلى بقاء خميس الخنجر وأحمد الجبوري ضمن كتلة البناء، بينما باقي القيادات عادت إلى صيغة تحالف القوى العراقية... وهو ما يعني أنه سيتم التقارب أكثر بين تحالف القوى وسنّة الإصلاح بصورة عامة». ومن ثم، أوضح النجيفي: «من الواضح أن هناك اختلافاً سياسياً بينهم... ليس فقط موضوع الموصل، وإنما التوجه العام بينهم بدأ يختلف. وهو ما يعني أن الحلبوسي والكربولي سيتقاربان أكثر مع سنّة الإصلاح». وبشأن استمرار الصراعات داخل نينوى وتأثيراتها المستقبلية، قال النجيفي إن «الصراعات داخل نينوى تبدو محلية في ظاهرها، ولكن كل جهة من أطراف الصراع مدعومة من أحد أطراف الصراع الدولي الأميركي - الإيراني»، مشيراً إلى أن «أحد الطرفين من مصلحته أن تكون نينوى هي ساحة الصراع بين الطرفين».
ورداً على سؤال بشأن أسباب اشتداد الصراع حول الموصل، تحديداً قال النجيفي إن «مشكلة الموصل أنها هشة سياسياً... وبالتالي، فإن أهلها يشعرون بالضعف، وهناك عدة أطراف تحتاج إلى حماية، لا سيما الأطراف التي كانت متهمة بالقرب من (داعش)»، وبيّن أن «هذه الأطراف مستعدة لتقديم الولاء لأي طرف يدعمها ويحميها، وهذا بالإضافة إلى وجود صراعات متشابكة بعضها بين المكوّنات وبعضها الآخر داخل المكوّنات ويسهل استثمارها من أي طرف من أطراف الصراع».
أما حيدر الملا، القيادي ضمن تحالف «الإصلاح» والنائب السابق في البرلمان العراقي، فأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تشكيل ما يُعرف بالمحور الوطني كان تشكيل (جمع المتناقضات)، ولقد فرضته طبيعة الواقع السياسي العراقي لمرحلة ما بعد الانتخابات، وكيفية توزيع السلطة وتشكيل الحكومة... وبالتالي، لم يكن ممكناً استمراره». واستطرد أن «الإرادة الخارجية الإقليمية، وتحديداً الإيرانية، تدخلت باتجاه تشكيل المحور الوطني. واليوم نرى أن المعادلة الإقليمية آخذة بالتغير». واعتبر الملا أن «حل (المحور الوطني) يُعد خطوة جيدة... حلّ هذا التشكيل لأن العملية السياسية باتت أمام مفترق طرق بين مَن يؤمن بالإرادة الوطنية ويرفض الإملاءات الخارجية ومَن هو أسير تلك الإملاءات».

الظهور المريب لـ«البغدادي»

أول ظهور لتنظيم «داعش» أبوبكر البغدادي كان في الموصل بعد أيام قليلة من احتلالها من قبل تنظيمه في يونيو 2014. ومن الجامع النوري الكبير أعلن «دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام» المزعومة، التي اختُزلت بمفردة «داعش». أما الظهور الثاني فجاء بعد نحو 5 سنوات من أول ظهور، لكن، هذه المرة، في منطقة غير معروفة، وبملامح بدت مختلفة، ووسط أحداث متشابكة على كل المستويات.
البغدادي، الذي رفعت الولايات المتحدة الأميركية جائزة القبض عليه إلى 25 مليون دولار أميركي، أراد إبلاغ الجميع أنه موجود، وأنه يؤسس لولايات جديدة في مناطق أخرى من العالم، لكنه فقد ما يسميه «داعش» بـ«أرض التمكين في العراق وسوريا»، إذ طُرد التنظيم من العراق عسكرياً أواخر عام 2017.
الأحداث الآن تبدو في غاية التشابك والخطورة، سواء على صعيد الداخل العراقي حيث تعاود خلاياه النائمة الظهور بين آونة وأخرى في مناطق مختلفة من البلاد، أو الخارج حيث اشتداد حدة النزاع الأميركي - الإيراني واحتمال بلوغه الحرب.
وفي تفسير هجمات «داعش» وظهور البغدادي، يقول الدكتور هشام الهاشمي، مستشار مركز النهرين والخبير بشؤون الجماعات المسلحة لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الهجمات محاولة من تنظيم (داعش)، بعد نهاية أرض التمكين والاحتلال العسكري لإثبات وجوده، في حين أنه يعلم جيداً أن مثل هذه العمليات ليس لها تأثير فعلي على أرض الواقع». وأضاف أن «الأميركان ورغم قيادتهم تحالفاً دولياً ضد (داعش)، وإعلان (الرئيس دونالد) ترمب قبل مدة نهايته... فإنهم في الواقع لم يقضوا تماما عليه، وهم يعرفون ذلك. بل إنهم قطعوا ساق الشجرة الخبيثة ولم يجتثوا جذورها التي لاتزال قادرة على النمو والتمدد هنا وهناك كلما أتيحت لها الفرصة»، ثم بيّن أنه «مع ما يمكن أن يقوم به التنظيم من هجمات هنا وهناك، يختار لها أحياناً مناطق بعناية لإحداث رد فعل أكبر، فإن التحدي الذي كان يمثله أصبح أقل بكثير مما باتت تمثله إيران من تحدٍّ بالنسبة للأميركان».

العراق بين السندان الإيراني والمطرقة الأميركية
> حول التداعيات المحتملة لتصنيف الولايات المتحدة الأميركية للحرس الثوري الإيراني بوصفه منظمة إرهابية وما يمكن أن تؤدي إليه على صعيد زيادة التوتر بين الطرفين، قال الدكتور هشام الهاشمي، مستشار مركز النهرين والخبير بشؤون الجماعات المسلحة، إن «قرار الإدارة الأميركية تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، وإن كان غير مُلزماً لمؤسسات الدولة العراقية، فقد يشير إلى أن العراق - الذي أخذ قراره بالحياد (لا صدام ولا مسايرة) مع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران - سيواجه تحديات لا تبدو هينة على البعد الاقتصادي والدبلوماسي خلال المرحلة المقبلة».
وأضاف الهاشمي أنه «بسبب ملف العقوبات والتصعيد الأميركي المحرج للعراق، فإن العراق قد يواجه نوعين من التهديدات الساخنة، وتعني كل التهديدات المرتبطة بالجانب العملياتي العسكري وردات الفعل التي قد تصدر بالضد من مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في العراق، من قبل البعض من أفراد من الفصائل المسلحة العراقية، مثل عمليات خطف واغتيالات وعمليات نوعية مباشرة تشبه تلك كانت بين 2003 و2011». وتابع: «يمكن أن تتحدّد التهديدات الساخنة للعراق في أزمة ملف العقوبات الأميركية بالضد من إيران، باستهداف السفارة والقنصليات الأميركية ورعايا الولايات المتحدة في العراق من العسكريين والمدنيين. وبالتالي، العراق سيكون جزءاً من تلك التوترات والصراعات الكامنة بين إيران وأميركا».
والواقع أن الولايات المتحدة، في سياق تحسبها لما يمكن أن يحصل على صعيد مستقبل الصراع مع إيران، اتخذت أخيراً سلسلة من الإجراءات، أهمها إبلاغ الموظفين من غير العاملين بشؤون الطوارئ في سفارتها ببغداد وقنصليتها في أربيل بمغادرة العراق. كذلك منعت مواطنيها من السفر إلى العراق.
والواقع أن هذه الإجراءات أدت إلى زيادة الإرباك السياسي داخل العراق، لا سيما حدة التناقض في المواقف السياسية التي يمكن أن تترتب على أي مواجهة إيرانية - أميركية. ففي نهاية المطاف، فإنه بالقدر الذي تتغير فيه الخرائط طولاً وعرضاً... فإن المواقف التي يمكن أن يتبناها هذا الطرف أو ذاك، أو هذه الجهة أو تلك، هي الأخرى عرضة للتغير تحت حجج وذرائع وربما قناعات مختلفة.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.